قلبي يختارك الجزء الثالث

همسات الماضي في واحة الأسرار

بقلم سارة العمري

في صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس الذهبية تخترق حجاب الغبار المتصاعد من الرمال، لتستقبل "نور" و"سالم" في أولى خطواتهما نحو كشف الأسرار. لم يكن لقاؤهما في القصر المهجور مجرد مصادفة، بل كان بدايةً لحركةٍ مدبرة، بدأت بجهد "سالم" في تتبع خيوط ماضٍ متشابك، وانتهت بضرورة وجود "نور" كشريكٍ أساسي في هذه الرحلة.

جلس الاثنان على حافة الواحة الصغيرة، حيث كانت أشجار النخيل تلقي بظلالها الوارفة، واختفت رمال الصحراء الحارقة. كان المكان هادئاً، صامتاً، لا يقطعه سوى حفيف أوراق النخيل وصوت الماء الجاري في عين الواحة.

"لقد جمعتُ كل ما استطعتُ جمعه من وثائق،" قال "سالم"، وهو يفرش أمامه على قطعة قماشٍ كبيرة، مجموعةً من الأوراق الصفراء، وصوراً باهتة، ورسائل قديمة. "كل هذه الأشياء تخص والدتي، ووالدكِ، وعلاقتهما. إنها قصةٌ مؤلمة، يا نور، قصةٌ مليئةٌ بالحب الذي حاول الجميع إخماده."

أخذت "نور" ورقةً بيدين ترتجفان. كانت صورةً بالأبيض والأسود، لوالدتها وهي شابة، ابتسامتها مشرقة، وعيناها تلمعان بالحياة. بجانبها، كان يقف شابٌ وسيم، بملامحٍ عربيةٍ أصيلة، كان يبدو مألوفاً بشكلٍ غريب.

"هذا هو والدي؟" سألت "نور"، وعيناها لا تفارقان الصورة.

"نعم،" أجاب "سالم"، "وهذا والدي. عندما التقيا، كانا في ريعان شبابهما، يملؤهما الشغف والأمل. لقد عاشا قصة حبٍ أسطورية، لكن العادات والتقاليد، وربما... طمع البعض، حاول أن يفرق بينهما."

بدأت "نور" في قراءة الرسائل. كانت مكتوبةً بحبرٍ كان يبدو باهتاً، لكن الكلمات كانت لا تزال تحمل قوةً عاطفيةً جياشة. رسائل حبٍ، رسائل شوق، رسائل اعترافاتٍ صادقة. كانت تشعر وكأنها تعيش مع والدتها، تسمع نبض قلبها، وتستشعر ألمها.

"أمّي كانت قوية،" قالت "نور" بصوتٍ خافت، "كانت تحمل في قلبها عالماً من المشاعر، وكانت تكتم الكثير. لم أعرف أبداً مدى عمق حبها لأبي."

"لقد كان والدكِ رجلاً نبيلاً،" تابع "سالم"، "لكنه كان أيضاً ضحيةً لظروفٍ قاهرة. لقد اضطر للسفر بعيداً، ووعد والدتكِ بالعودة. لكن، كما تعلمين، الوعود في الصحراء قد تتأثر بالرياح، وقد تحمل معها غبار الخيانة."

"الخيانة؟" كررت "نور"، وشعرت بأن شيئاً ثقيلاً بدأ يتجمع في صدرها.

"نعم،" قال "سالم"، "لقد كانت هناك امرأةٌ أخرى، كانت تطمع في والدكِ، وفي ما يملك. امرأةٌ لم تتردد في استخدام كل الوسائل لإبعاده عن والدتكِ. لقد نشرت الشائعات، وربما... فعلت أكثر من ذلك."

نظرت "نور" إلى والديها في الصورة. وجه أمها المشرق، ووجه أبيها الواثق. لم يكن من الممكن أن يكون هناك أي شك في صدق حبهما.

"وماذا عنكما؟" سألت "نور"، تتحدث عن والدها ووالدة "سالم".

"قصتنا بدأت بعد انفصال والديكِ،" شرح "سالم". "لقد التقيتُ بوالدتي، ووقعتُ في حبها. كانت امرأةً طيبةً، ورغم الألم الذي حملته في قلبها، إلا أنها كانت تحمل الكثير من الشفقة والأمل. لكن، وكما قلت، الحياة لم تكن رحيمةً بنا. اختفت والدي، ولم نعد نسمع عنه شيئاً. وبسبب ذلك، أصبحت علاقتي بوالدتي معقدةً، خاصةً عندما بدأت أكتشف بعض الأدلة التي تشير إلى أن اختفاء والدي لم يكن مجرد حادث."

"وهذا القصر؟" سألت "نور". "هل له علاقةٌ بكل هذا؟"

"نعم،" أجاب "سالم". "لقد كان هذا القصر ملكاً لعائلة والدي. وكان مكاناً سرياً للقاءاتٍ كثيرة. الأوراق التي بحوزتي، والرسائل التي وجدتها هنا، كلها تشير إلى أن والدتكِ ووالدي كانا يلتقيان هنا سراً، قبل أن تضطرهما الظروف للانفصال. وبعد ذلك، استخدم هذا القصر بشكلٍ مختلف، لتهريب بعض البضائع، ولإخفاء أمورٍ أخرى. لقد كان مكاناً يحمل الكثير من الذكريات، لكني لم أتخيل أبداً أن يكون مرتبطاً بعائلتكِ بهذه الطريقة."

بدأت "نور" تشعر بأنها تغرق في بحرٍ من المعلومات والأحاسيس. إنها ليست مجرد قصة حبٍ قديمة، بل هي قصةٌ مليئةٌ بالألغاز، بالخيانة، وبنهاياتٍ لم تكن متوقعة.

"وهل وجدتَ أي دليلٍ على مكان والدي؟" سألت "نور"، متلهفةً للإجابة.

"نعم،" قال "سالم"، "لقد وجدتُ رسالةً مفقودة، كانت مخبأةً في هذه الحقيبة الجلدية القديمة،" وأشار إلى حقيبةٍ كانت موضوعةً بجانبه. "كانت موجهةً لوالدتي، وتحمل معلوماتٍ تشير إلى وجهته الأخيرة. لكن، قبل أن يصل إليها، اختفى."

فتحت "نور" الحقيبة، ووجدت بداخلها كنزاً من الأوراق، وخاتماً ذهبياً، ووشاحاً حريرياً. لم يكن الوشاح مجرد قطعة قماش، بل كان يحمل زخارفٍ غريبة، تبدو وكأنها رموز.

"ما هذه الرموز؟" سألت "نور"، وهي تشير إلى الوشاح.

"هذه رموزٌ قديمة،" قال "سالم"، "لقد حاولتُ فك رموزها، لكنها معقدة. يبدو أنها تشير إلى مكانٍ ما، أو إلى شيءٍ ما. وأعتقد أن والدتكِ كانت تعرف معناها."

"أمّي كانت تحب الرسم، وكانت تخترع أشكالاً وألواناً خاصة بها،" قالت "نور"، وهي تتأمل الوشاح. "ربما كانت هذه أشكالها الخاصة، التي أرادت أن توصل بها رسالةً."

"ربما،" قال "سالم"، وعاد الأمل يضيء عينيه. "كل قطعةٍ وجدناها، كل كلمةٍ قرأناها، كل رمزٍ رأيناه، كل هذا يفتح لنا باباً جديداً. وأعتقد أننا على وشك اكتشاف الحقيقة كاملة."

نظرت "نور" إلى صورة والديها مجدداً. لم تعد مجرد صورة، بل أصبحت نافذةً على حياةٍ مليئةٍ بالحب، بالألم، وبالشجاعة.

"ماذا سنفعل الآن؟" سألت "نور".

"سنكمل البحث،" قال "سالم". "سنكشف عن الحقيقة، وسنجعل أرواح والديكِ ترتاح. وسنضع نهايةً لهذا الفصل المؤلم، ونبدأ فصلاً جديداً، فصلاً لا يحمل سوى السلام والعدل."

كانت الكلمات تخرج من "سالم" بثقة، وبإيمانٍ قوي. "نور" شعرت بأنها وجدت في "سالم" ليس فقط شريكاً في البحث، بل صديقاً، أخاً، ونقطة ارتكازٍ في عالمٍ بدأ يتحول من حولها.

كانت الواحة، التي كانت تبدو هادئةً وساكنة، قد أصبحت الآن شاهداً على بداية رحلةٍ مصيرية. رحلةٌ ستكشف أسرار الماضي، وستعيد ربط الأرواح، وستضع أسس مستقبلٍ قد يكون مليئاً بالحب، ولكن يجب أن يبدأ بالحقيقة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%