قلبي يختارك الجزء الثالث

خيوط الهوى المتشابكة

بقلم سارة العمري

كانت الأيام تمضي ببطء، كأن الدهر قد تجمّد في المكان، وثقلت خطوات عمر على أرضٍ كانت بالأمس سهلةً وممهدة. لم تعد قاعات المكتبة تنفعه، ولا عبق الكتب القديمة يهدئ روعَه. في كل زاويةٍ كان يرى وجه نور، وفي كل ورقةٍ كان يقرأ سطوراً لم تُكتب بعد، لكنها رسمت في خياله مصيراً مشتركاً. لقد أصبح حبها شغفه، بل إدمانه الذي استهلك كيانه.

عاد إلى شقته الصغيرة، تلك التي كانت ملاذه الآمن، فإذا بها غريبةٌ موحشة. لم يجد فيها سوى صدى صوته المتعب، ورنين ذكرياته معها. تذكّر أول لقاءٍ لهما في ذلك المقهى الهادئ، حيث تبادلا أطراف الحديث حول كتابٍ مشترك، وكيف شعر بأن روحه قد وجدت رفيقةً لطالما بحث عنها. تذكّر ابتسامتها الخجولة، ولحظةً تلعثم فيها لسانه عن الكلام، حين صافح يدها لأول مرة. كانت تلك اللحظة شرارةً أشعلت في قلبه ناراً ما زالت تتأجج.

لكن هذه النار، بدل أن تضيء دربه، بدأت تحرقه. لقد أدرك أن نور، ابنة عم أحمد، ابنة العائلة المرموقة، ذات الأصول الطيبة والتربية الرفيعة، لم تكن في متناول يده. أحمد، صديقه وزميله، الذي يشاركه المكتب والحياة، هو نفسه من كان يخطبها، ومن وافقت عائلته على زواجه منها. يا له من قدرٍ أعمى، ويا لها من لعنةٍ حلت به!

جلس على أريكةٍ مهترئة، يفرك جبهته المتعرقة. تملّكه شعورٌ بالضياع، وبالذنب. لقد اختلس نظراتٍ إليها، سرق أحلاماً لم تكن له، وأحبّت قلبه من لا يستطيع أن يبوح لها بحبه. هل يعقل أن تكون عاطفته هذه مجرد شهوةٍ عابرة؟ حاشا، فقد تغلغلت نور في أعماق روحه، نسجت خيوطها حول قلبه، وجعلت منه أسيراً.

تجاوز الأمر مجرد الإعجاب، لقد بات تعلقاً شديداً، يدفعه إلى التفكير بها ليل نهار. كان يراقب أحمد وهو يتحدث عنها بحبٍ واحترام، يشهد على مدى سعادته بخطوبتهما. هذه السعادة التي كانت تذيبه من الداخل. شعر بالغثيان، وكأن حملاً ثقيلاً قد استقر في صدره.

في تلك الليلة، لم ينم. استيقظ على صوت المؤذن لصلاة الفجر، فقام متوضئاً. وقف بين يدي الله، داعياً ومستغفراً. "يا رب، أنت تعلم ما في قلبي. أنت تعلم أنني لم أرد لأحدٍ سوى الخير، ولكن هذا القلب... هذا القلب يختار. اختر نور، واخترتها دون علمٍ أو قصد. أرشدني يا رب، واهدني إلى الصواب. اجعلني قوياً لأقاوم هذا الشغف إن كان يغضب وجهك، واجعلني سبباً لسعادة من حولي."

انتهى من صلاته، وجلس على السجادة. فتح المصحف، وقرأ بصوتٍ خافت، يتلو الآيات وكأنها موجهةٌ إليه مباشرة. "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ". هل هذا وعدٌ له؟ هل هناك مخرجٌ لهذا المأزق الذي وقع فيه؟

تطورت الحالة النفسية لعمر بشكلٍ ملحوظ. أصبح أكثر انعزالاً، كثير الشرود. لاحظ أصدقاؤه المقربون هذا التغير، وحاولوا الاقتراب منه. سأله صديقه خالد ذات يوم: "ما بك يا عمر؟ تبدو شارد الذهن، وكأن هموم الدنيا كلها على كاهلك."

ابتسم عمر بفتور، وقال: "لا شيء يا خالد، مجرد ضغوط العمل."

لكن خالد لم يقتنع. كان يعرف عمر جيداً، ويعرف متى يكون صادقاً ومتى يخفي شيئاً. "عمر، أنا أعرفك. هل هناك ما يزعجك؟ إذا كان الأمر يتعلق بنور، فقل لي، ربما أستطيع المساعدة."

ارتعش جسد عمر عند ذكر اسم نور. حاول أن يبدو طبيعياً، لكن صوته خرج متقطعاً: "نور؟ وما علاقتي بنور؟ هي خطيبة أحمد، وهذا كل ما أعرفه."

أردف خالد بحذر: "كنت أظن... كنت أظن أن هناك شيئاً ما. كنت أرى نظراتك إليها في المكتبة، ولم تكن كنظرات زميلٍ لزميلته."

شعر عمر بأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميه. لقد انكشف أمره، ولو أمام صديقه الوحيد الذي يثق به. هل يصارحه؟ هل يفتح قلبه لخالد، ويشارك معه هذا العبء الثقيل؟

صمت للحظات، ثم قال بصوتٍ خفيض: "يا خالد، إنها قصةٌ معقدة، ومعقدةٌ جداً. إنها تتعلق بأحمد، بصديقنا، وهو أمرٌ يجعلني أشعر بأنني أقع في خطيئة."

أصغى خالد بانتباه، وشعر بأن هناك ما هو أعمق من مجرد إعجابٍ عابر. لقد بدأت خيوط الهوى تتشابك، وترسم مصيراً قاسياً لمن كان يظن أن حياته تسير على هدى.

نظر عمر إلى خالد، وعيناه تفيضان بصدقٍ ممزوجٍ بالألم. "لقد أحببت نور يا خالد. أحببتها قبل أن أعرف أنها خطيبة أحمد. أحببتها في صمت، وسأظل أحبها في صمت، لأن سعادة أحمد هي الأهم. لكن هذا الحب... هذا الحب أصبح يشبه الإدمان. لا أستطيع أن أتوقف عن التفكير فيها، ولا أستطيع أن أرى فرحتهما دون أن أشعر ببعض الغيرة، وهذا يجعلني أشعر بالخزي."

كانت كلماته تخرج منه بصعوبة، كأنها جروحٌ غائرة. شعر خالد بالأسف العميق على صديقه. لقد كان يعلم أن عمر رجلٌ ذو مبادئ، وتقي، وأن هذا الصراع الداخلي هو أشد أنواع العذاب.

"يا عمر،" قال خالد بصوتٍ حنون، "أنا أفهم. إنه موقفٌ صعبٌ للغاية. لكن عليك أن تتذكر أن الحب الحقيقي هو أن تريد الخير لمن تحب، حتى لو لم يكن معك. وسعادتك أنت أيضاً مهمة."

"سعادتك أنت أيضاً مهمة." ترددت هذه الكلمات في ذهن عمر. هل سعادته يمكن أن توجد بعيداً عن نور؟ هل يمكن أن يتجاوز هذا الألم؟

استمر عمر في صراعه الداخلي. أصبح يقضي وقتاً أطول في العمل، محاولاً أن يغرق نفسه فيه، ولكن حتى هناك، كانت صور نور تطارده. كان يقف أمام النافذة، يتأمل الشارع، وكأنه ينتظر شيئاً. ينتظر خبراً، أو لقاءً، أو معجزة.

لقد أدرك أن هذا الحب، إذا لم يتم التعامل معه بحكمةٍ وعقل، يمكن أن يدمره. لقد أصبح أسير مشاعره، وهذا هو أشد أنواع العبودية. هل سيكون قادراً على التحرر من هذه القيود؟ وهل ستتمكن نور، دون أن تدري، من إشعال شرارة أملٍ في قلبه، أم أنها ستكون سبباً في تحطمه؟

كان الليل قد أقبل، وظلاله قد امتدت لتخفي معالم المدينة. جلس عمر وحيداً، يستمع إلى صوت القمر، الذي يبدو وكأنه يهمس له بأسرارٍ قديمة. لقد كانت هذه الليلة، ككل الليالي، مليئةً بالأفكار، والأحلام، والآهات. كان قلبه يختار، وكان عقله يصارع، وكان قدره يرسم مساراتٍ متعرجة، لا يعلم نهايتها إلا خالقها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%