قلبي يختارك الجزء الثالث

وساوس الشك ووهج الغيرة

بقلم سارة العمري

كلما حاولت الأيام أن تطوي صفحة الحب المحرم في قلب عمر، عادت به الذكريات ليغوص في بحرٍ من المشاعر المتضاربة. كان يلتقي بأحمد في المكتب، يتحدثان عن العمل، عن تفاصيل يومهما، ولكن في كل مرةٍ كان أحمد يذكر نور، كانت هناك وخزةٌ تخترق قلب عمر. لم تكن مجرد وخزة، بل كانت سهماً مسموماً يزرع بذور الشك والغيرة في أرض روحه.

كان أحمد، في سذاجته الجميلة، يحدث عمر عن خططه المستقبلية مع نور. "يا عمر، بالكاد أستطيع الانتظار حتى يأتي يوم زفافنا. نور لديها أفكارٌ رائعة لتأثيث منزلنا الجديد. إنها تعرف ذوقي تماماً، وأنا متأكدٌ أننا سنعيش حياةً سعيدةً معاً."

كانت هذه الكلمات، التي خرجت من صديقه بقلبٍ نقي، تجعل عمر يشعر كأنه يقف على حافة هاوية. كيف يمكن أن يجامل صديقه، وهو يتمنى في أعماقه لو أن القدر كان مختلفاً؟ كيف يمكن أن يستمع إلى حديثه عن مستقبلٍ سيجمع بين أحمد ونور، وهو يحلم بوجودها إلى جانبه؟

بدأت وسوسة الشيطان تتسلل إلى عقله، تغذّي شهواته وتبرر طموحاته المحرمة. "لماذا لا تحاول؟" كانت الأفكار الخبيثة تهمس له، "إنها تحبك أيضاً. لقد رأيت ذلك في عينيها. أحمد لا يعرف قيمتها الحقيقية، أما أنت، فأنت تفهمها. أنت تفهم روحها."

كان عمر يقاوم هذه الأفكار بشدة. كان يتذكر دروس الدين، ويتذكر واجباته كصديقٍ وإنسان. كان يحاول أن يقنع نفسه بأن هذه المشاعر مجرد وهم، وأن سعادته الحقيقية تكمن في رضاه بقضاء الله وقدره. لكن قوة نور، وقوة حبه لها، كانت أكبر من أن يقاومها بسهولة.

في إحدى الأمسيات، كان عمر وأحمد جالسين في مقهى قريب من المكتبة. كان أحمد في غاية السعادة، يتحدث عن تفاصيل حفل الزفاف القادم. "لقد اخترنا بطاقات الدعوة اليوم، يا عمر. نور اختارت تصميماً بسيطاً وأنيقاً، يشبه ذوقها تماماً. أنا سعيدٌ جداً، يا صديقي."

نظر عمر إلى وجه أحمد المشرق، وشعر بغصةٍ في حلقه. ابتسم ابتسامةً باهتة، وقال: "هذا رائعٌ يا أحمد. أتمنى لكما كل السعادة."

لكن عقله كان يصور له مشهداً آخر. كان يتخيل نور وهي تتأمل بطاقات الدعوة، وهي تبتسم، ولكن ليست لأحمد. كان يتخيلها وهي تتحدث عن أحلامها، ولكن ليس معه. كانت الغيرة تأكله من الداخل، وتشوه صورة الصداقة التي تربطه بأحمد.

"ماذا لو؟" بدأ السؤال يتسلل إلى عقله. "ماذا لو سألتها؟ ماذا لو أخبرتها بما أشعر به؟ ربما... ربما يكون لديها مشاعرٌ مماثلة. ربما نجد حلاً. ربما نتمكن من تجاوز هذه العقبات."

هذه الأفكار كانت أشبه بنارٍ تحت الرماد، بدأت تتوهج. كان عمر يعلم أن هذا الطريق مظلمٌ ومليءٌ بالمخاطر، ولكنه كان يشعر بجاذبيةٍ لا تقاوم. كان يشعر وكأن قلبه يدفعه إلى الأمام، متجاهلاً تحذيرات العقل.

في المكتبة، كان عمر يحاول أن يركز في عمله، ولكنه لم يستطع. كانت عيناه تبحثان عن نور. كان يأمل أن يراها، أن يلمحها بين رفوف الكتب، أن يسمع صوتها. عندما رآها، شعر بأن قلبه قد قفز من صدره. كانت تتحدث مع إحدى زميلات العمل، وكان ضحكها يملأ المكان.

تجمد عمر في مكانه، لا يستطيع أن يتحرك. كان يتأمل تفاصيل وجهها، حركاتها، ابتسامتها. هل يعقل أن يكون كل هذا الجمال، وكل هذا النور، مقدراً لرجلٍ آخر؟

بدأت الشكوك تتملك عمر. هل حب أحمد لنور حقيقيٌ مثل حبه هو؟ هل نور سعيدةٌ حقاً مع أحمد؟ أم أنها تتظاهر بالسعادة؟ هذه التساؤلات كانت كالحشرات الطائرة، تحوم حول رأسه، تزعجه وتشتت تفكيره.

تذكر عمر لحظةً كان فيها مع نور وأحمد في إحدى المناسبات العائلية. لاحظ أن نظرات نور كانت تتوقف عند عمر أحياناً، وكانت هناك لمحةٌ غريبة في عينيها، لم يستطع تفسيرها. هل كانت مجرد صدفة؟ أم أنها تحمل معنىً أعمق؟

بدأ عمر يحلل كل كلمةٍ قالتها نور، كل نظرةٍ تبادلاها. كان يبحث عن دليلٍ، عن علامةٍ تثبت أن حبه ليس من طرفٍ واحد. وكلما وجد شيئاً، ولو كان صغيراً، كان يجعله يطير من السعادة، ثم سرعان ما يقع مجدداً عندما يتذكر واقع الحال.

في أحد الأيام، وجد عمر نفسه وحيداً في غرفة استراحة المكتبة. دخلت نور، وكانت تبدو متعبة. ابتسمت له ابتسامةً خجولة، وقالت: "أهلاً يا عمر. هل أنت مشغول؟"

شعر عمر بالتوتر. كانت هذه فرصته. فرصته للتحدث معها، ولو قليلاً. "لا، لست مشغولاً. تفضلي."

جلست نور أمامه، وبدأت تتحدث عن ضغوط العمل، وعن بعض المشاكل الأسرية الصغيرة. استمع عمر إليها بعناية، وكان قلبه يرتجف. في لحظةٍ ما، رفعت نور رأسها ونظرت في عينيه مباشرة. كانت نظرةً مليئةً بالشجن، وبالحزن.

"يا عمر،" قالت بصوتٍ متقطع، "أحياناً أشعر أنني لا أستطيع أن أكون على طبيعتي. أشعر أن هناك قيوداً، وأن هناك توقعاتٍ يجب أن ألبيها، ولا أستطيع أن أختار طريقي بنفسي."

شعر عمر بأن كلماتها كانت موجهةً إليه مباشرة. هل كانت تتحدث عن حبها لأحمد؟ أم عن شيءٍ آخر؟ "ماذا تقصدين يا نور؟" سأل بصوتٍ حذر.

نظرت نور إلى النافذة، وقالت: "لا أعرف. ربما هي مجرد أوهام. ولكنني أشعر أحياناً بأن هناك أمراً ما ينقصني، وأن هناك شيئاً ما أبحث عنه، ولكني لا أجده."

اختلطت مشاعر عمر بين الفرح والحزن. فرحٌ لأنها ربما كانت تشعر بشيءٍ تجاهه، وحزنٌ لأنها لم تكن واضحةً تماماً، ولأن أحمد كان يقف حائلاً بينهما.

"أنا متأكدٌ يا نور،" قال عمر بحماس، "أنك تستحقين كل السعادة في الدنيا. وأنك ستجدين ما تبحثين عنه."

ابتسمت نور ابتسامةً حزينة، وقالت: "شكراً لك يا عمر. أنت دائماً طيبٌ جداً."

غادرت نور الغرفة، تاركةً عمر في حيرةٍ من أمره. هل فهم ما قالته بشكلٍ صحيح؟ هل كان هذا تلميحاً؟ أم أنها كانت مجرد ثرثرةٌ عابرة؟

لقد أصبح عمر عالقاً في شبكةٍ من المشاعر المعقدة. الغيرة من أحمد، الشك في مشاعر نور، الأمل الضئيل في وجود حبٍ متبادل، والخوف من فقدان كل شيء. لقد أصبح إدمانه لنور، وقلة حيلته، يدفعه إلى التفكير في خطواتٍ قد تكون مدمرة. لم يعد يتحمل هذا العذاب. كان بحاجةٍ إلى إجابة، حتى لو كانت إجابةٌ مؤلمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%