قلبي يختارك الجزء الثالث
جمرة تحت الرماد
بقلم سارة العمري
مرت الأيام، وكل يومٍ كان يمثل تحدياً جديداً لعمر. لم يستطع أن ينفض غبار الشك والغيرة عن قلبه. كانت صورة نور مع أحمد تخترق وجدانه كالشفرة. كان يحاول أن يبتعد عنها، أن يتجنب لقاءها، ولكن المكتبة كانت تجمعهم، وأحمد كان يجمعهم. لقد أصبح الأمر أشبه بلعبةٍ قاسية، لعبة القدر الذي يلعب به، وهو لا يملك سوى أن يراقب.
كانت كلماته الأخيرة مع نور في غرفة الاستراحة تدور في رأسه باستمرار. "أنا متأكدٌ أنك ستجدين ما تبحثين عنه." هل كان هذا وعداً؟ هل كان إلهاءً؟ أم كان مجرد كلماتٍ طيبةٍ خرجت من رجلٍ نبيل؟
كان عمر يدرك أن الصمت لن يفيده. وأن هذا الترقب سيؤدي به إلى الانهيار. لقد وصل إلى نقطةٍ كان عليه فيها أن يتخذ قراراً، قراراً جريئاً، حتى لو كان سيؤدي إلى عواقب وخيمة.
في إحدى ليالي الصيف الهادئة، بينما كان القمر يلقي بضوئه الفضي على أسطح المنازل، قرر عمر أن يتجاوز حدوده. لم يكن الأمر عناداً، ولا عن غضب، بل عن شغفٍ استولى عليه، وعن رغبةٍ جارفةٍ في فهم ما يجري في قلبه، وقلبها.
ذهب إلى أحد الأماكن التي كان يعلم أن نور تحبها، حديقةٌ قريبةٌ من منزلها، تزينها أشجار الياسمين، وتفوح منها رائحة الزهور الليلية. جلس على مقعدٍ خشبي، ينتظر، وقلبه يخفق بقوة. كان يرجو في داخله أن تمر، أن تراه، أن تسمعه.
مر الوقت، وبدا أن الأمر لن يحدث. بدأ عمر يشعر بخيبة الأمل، وكاد أن يغادر. وفجأة، سمع صوتاً مألوفاً. كانت نور، تتحدث في هاتفها، وتمشي ببطء.
شعر عمر بأن الوقت قد توقف. حبس أنفاسه، وبدأ يقف. "نور،" همس بصوتٍ متوتر.
توقفت نور، والتفتت. اتسعت عيناها عندما رأته. "عمر؟ ماذا تفعل هنا؟"
اقترب عمر منها، ولم يستطع أن يخفي اضطرابه. "كنت... كنت أتمشى. ولم أتوقع أن أراك."
نظرت نور إليه بفضول، وعينها تبحث عن إجابةٍ مقنعة. "أنا أيضاً كنت أتمشى. يبدو أننا نتقاسم حب هذا المكان."
صمت عمر للحظة، ثم جمع شجاعته، وقال: "نور، أريد أن أتحدث معك في أمرٍ هام. أمرٌ يشغل بالي منذ فترة. هل لديك وقت؟"
ترددت نور قليلاً، ثم قالت: "نعم، لدي وقت."
جلسا على مقعدٍ قريب، تحت ضوء القمر. بدأت نور تتحدث عن يومها، ولكن عمر لم يكن يستمع جيداً. كان قلبه يدفعه إلى الاعتراف.
"نور،" بدأ عمر بصوتٍ ثابت، "أنا لا أعرف كيف أبدأ. ولكنني... أنا لا أستطيع أن أخفي مشاعري بعد الآن."
نظرت نور إليه، وعلامة الاستغراب على وجهها. "ماذا تقصد يا عمر؟"
"أقصد أنني... أنني أحبك يا نور."
كانت الكلمتان قد خرجتا من فمه كالصاعقة. شعر عمر وكأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن صدره، ولكنه في نفس الوقت شعر بالخوف. خوفٌ من رد فعلها، خوفٌ من المستقبل.
صمتت نور لبرهة، وكان الصمت أطول من أي وقتٍ مضى. بدا وكأن الكون كله قد حبس أنفاسه. ثم، ببطء، بدأت تتشكل ابتسامةٌ غريبة على شفتيها. لم تكن ابتسامة فرح، ولم تكن ابتسامة حزن. كانت ابتسامةٌ معقدة، مليئةً بالألم.
"أنا... أنا آسفة يا عمر." قالت بصوتٍ خفيض. "لم يكن يجب أن يحدث هذا."
شعر عمر بأن قلبه قد انقبض. "آسفة؟ ولكن... ولكنني ظننت... ظننت أنك... أنك ربما..."
قاطعته نور: "عمر، أنت رجلٌ نبيل، وأنت صديقٌ غالٍ. ولكنني... ولكنني مخطوبةٌ لأحمد. وأنا أحترم هذا الارتباط، وأحترم أحمد."
"ولكنكِ قلتِ لي سابقاً..." بدأ عمر، وكأن عقله قد توقف عن العمل.
"ماذا قلت؟" سألت نور، وعلامة الحيرة على وجهها.
"قلتِ أنكِ تبحثين عن شيءٍ ما. وأنكِ لا تستطيعين أن تكوني على طبيعتك."
نظرت نور إليه، وعيناها امتلأت بالأسى. "عمر، أنا كنت أتحدث عن حياتي بشكلٍ عام. عن الضغوط التي أواجهها. لم أقصد أبداً أن أعطيكِ أي أملٍ كاذب."
شعر عمر بأن كل شيءٍ قد انهار. لقد فهم الآن. لقد بنى آماله على وهم، على تفسيرٍ خاطئ لكلماتها. لقد أدمن على حبٍ لم يكن له، وعلى أملٍ لم يكن موجوداً.
"إذاً..." قال عمر بصوتٍ متهدج، "إذاً لم يكن هناك شيء؟"
"لم يكن هناك شيءٌ يمكن أن يتجاوز صداقتنا واحترامنا، يا عمر." قالت نور، وعيناها تفيضان بالدموع. "أنا أقدر مشاعرك، ولكن... ولكن أحمد هو قدري. وعليّ أن أتقبل ذلك."
نهض عمر من مكانه، وكأن قدماه لم تعد تحملانه. "أفهم." قال بصوتٍ ضعيف. "أفهم يا نور."
غادر الحديقة، تاركاً نور وحدها تحت ضوء القمر. شعر بأن حياته قد فقدت لونها، وأن عالمه قد أصبح مظلماً. لقد حاول، وحاول، ولكن حبه كان جمرةً تحت الرماد، وجمرةٌ لن تخمد بسهولة.
في طريقه عائداً إلى شقته، لم يشعر عمر بالبرد، ولا بالحر. لم يشعر بشيءٍ سوى بالفراغ. لقد كان يشعر بأن روحه قد انكسرت، وأن قلبه قد تحطم. لم يعد يعرف ما هو الصواب، وما هو الخطأ. لقد أصبح عالقاً في دوامةٍ من المشاعر، لا يرى لها نهاية.
لقد أدرك عمر أن إدمانه لنور لم يكن مجرد عاطفةٍ بريئة، بل كان نزوةً خطيرة، أوشكت أن تدمر حياته، وحياة الآخرين. لقد واجه الحقيقة، والحقيقة كانت قاسيةً جداً. ولكن هل سيتمكن من تجاوز هذه المحنة؟ هل سيستطيع أن يعيد بناء نفسه من جديد؟ أم أن هذه الجمرة ستظل تشتعل في قلبه، تحرق ما تبقى من أحلامه؟