قلبي يختارك الجزء الثالث
بذور الشك في بيت أحمد
بقلم سارة العمري
عادت نور إلى منزلها، وقلبها مثقلٌ بهمومٍ جديدة. لم تكن تتوقع أبداً أن تصل الأمور إلى هذا الحد. كانت مشاعر عمر، رغم إزعاجها، قد أثارت فيها بعض الشفقة، وبعض القلق. كان تعلم أن صداقتها به أصبحت على المحك، وأن حياتها مع أحمد قد تشهد بعض التعقيدات.
في صباح اليوم التالي، التقت بأحمد كعادتها. كان وجهه مشرقاً، ومليئاً بالحب. "صباح الخير يا حبيبتي. كيف كان يومك؟"
ابتسمت نور ابتسامةً باهتة، وقالت: "صباح النور يا أحمد. كان جيداً."
بدأت نور تشعر ببعض الضيق. لم تكن تريد أن تخفي شيئاً عن أحمد، ولكن الاعتراف بعواطف عمر كان سيسبب له ألماً، وسيثير شكوكاً قد لا تكون في محلها. كان أحمد يعلم بعلاقة عمر القوية بها، وكان يثق بعمر كثيراً. كيف يمكن أن تشرح له أن عمر قد اعترف بحبه لها؟
"أحمد،" قالت نور بعد فترةٍ من الصمت، "هل تثق بي؟"
نظر إليها أحمد بابتسامةٍ دافئة، وقال: "بالطبع يا نور. لماذا هذا السؤال؟"
"فقط... فقط أسأل." قالت نور، وعيناها تبحثان عن الكلمات المناسبة. "هل تثق في صداقتي بعمر؟"
ارتسمت علامة استغرابٍ خفيفة على وجه أحمد. "صداقتكما؟ بالطبع. عمر صديقٌ رائع، وأنا أحترمه كثيراً. لماذا تخشين صداقتكما؟"
شعر أحمد بأن هناك شيئاً ما يقلق نور، ولكنه لم يستطع أن يحدد ما هو. "هل هناك ما يزعجك يا حبيبتي؟ هل حدث شيءٌ في المكتب؟"
بدأت نور تشعر بأنها ستنكسر. لم تستطع أن تكذب على أحمد. "في الحقيقة يا أحمد... بالأمس... عمر اعترف لي بمشاعره."
تغير وجه أحمد. لم يعد مشرقاً كالسابق. اتسعت عيناه، وبدا وكأن الدنيا قد توقفت. "ماذا؟ عمر؟ اعترف لكِ؟"
"نعم يا أحمد. ولكنني رفضته. وأكدت له أنني أحبك، وأننا سنكون زوجين." قالت نور بسرعة، محاولةً أن تخفف من وقع الصدمة.
ظل أحمد صامتاً لبرهة، وكأن الكلمات تتساقط من رأسه. ثم قال بصوتٍ مختنق: "لم أتوقع هذا أبداً. لم أتوقع أن يفعل عمر ذلك."
شعر عمر ببعض الألم، ولكنه حاول أن يظهر رباطة جأشه. "هل أنت متأكدٌ أنه رفضه؟ هل تأكدتِ من ذلك؟"
"أحمد، بالطبع أنا متأكدة. لقد قلت له بوضوح. لقد كان الأمر صعباً، ولكني فعلت." قالت نور، وعيناها تفيضان بالدموع.
ظل أحمد يفكر. كان عمر صديقه، وكان يحبه. كيف يمكن أن يفعل شيئاً كهذا؟ هل كانت هناك مشاعرٌ دفينة؟ هل كان إدمانه لنور قد تجاوز كل الحدود؟
"هل... هل تحدثتما طويلاً؟" سأل أحمد.
"لا، لم نتحدث طويلاً. خرجنا للتحدث في الحديقة، واعترف، ثم عدت إلى المنزل." قالت نور.
"وهل يبدو عليكِ الإنزعاج؟" سأل أحمد، وهو يحدق في وجهها.
"أحمد، لقد كان الأمر مفاجئاً ومزعجاً. أشعر بالأسف على عمر، وعلى الوضع برمته." قالت نور.
شعر أحمد بأن هناك شيئاً ما ما زال غير واضح. لم يصدق أن عمر، الذي يعرفه جيداً، يمكن أن يتصرف بهذه الطريقة. كان يشك في أن الأمر أعمق من مجرد اعترافٍ عابر. بدأ الشك يتسلل إلى قلبه.
"يا نور،" قال أحمد، "هل أنتِ متأكدةٌ أنه لم يحدث شيءٌ آخر؟ هل أنتِ متأكدةٌ أنكِ لم تعطيه أي سببٍ ليعتقد أن هناك فرصة؟"
شعرت نور بالضيق من سؤال أحمد. "أحمد، أنت لا تثق بي؟"
"أثق بكِ يا حبيبتي، ولكن... عمر... لا أفهمه." قال أحمد. "هذا التصرف منه يزعجني."
كانت كلماته كأنها تحمل اتهاماً مبطناً. شعرت نور بأنها في موقفٍ لا تحسد عليه. لقد كانت صادقة، ولكن أحمد بدأ يشك في الأمر.
"أحمد، لقد رفضته. لقد قلت له لا. لا أعرف ماذا تريد أن تسمع أكثر من ذلك." قالت نور ببعض الانفعال.
"أنا أريد أن أتأكد فقط، يا نور. أريد أن أتأكد أن كل شيءٍ على ما يرام. صداقتكما... هل ستستمر؟"
"لا أعرف يا أحمد. أعتقد أنه سيتجنبني. وهذا ما أريده أيضاً، ربما. لكي لا تحدث مشاكل." قالت نور، وهي تشعر بأن الأمور تزداد تعقيداً.
ظل أحمد يفكر، ويحلل. لم يكن يصدق أن عمر قد خان ثقته بهذه الطريقة. بدأ يشعر بالغضب، وبالخيانة. كان يشعر بأن صداقتهما قد انهارت، وأن الثقة قد تدمرت.
في الأيام التالية، أصبح عمر يتجنب نور وأحمد. كان يمضي وقته في المكتبة، ولكن بعيداً عنهما. كانت كلماته قليلة، ونظراته شاردة. كان يشعر بالخزي، وبالندم.
لاحظ أحمد هذا التغيير في عمر. كان عمر يتجنبه، ولا يرد على مكالماته. هذا زاد من شكوك أحمد. هل كان عمر يشعر بالذنب؟ أم أنه كان يتجنب مواجهته؟
قرر أحمد أن يواجه عمر. اتصل به، وطلب منه أن يلتقيا. في البداية، رفض عمر، ولكنه أخيراً وافق، بعد إصرار أحمد.
تقابلا في مقهى هادئ. كان الصمت يخيم على المكان. نظر أحمد إلى عمر، وعيناه تحملان مزيجاً من الغضب والحزن.
"عمر،" بدأ أحمد بصوتٍ هادئ، "لماذا تتجنبني؟"
صمت عمر للحظة، ثم قال: "أنا... أنا فقط... أشعر ببعض الإحراج."
"إحراج؟" قال أحمد بسخرية. "أنا من يجب أن أشعر بالإحراج. لقد خانت ثقتي بك."
"أحمد، أنا آسف. لم يكن يجب أن يحدث ذلك." قال عمر، وعيناه تنظران إلى الأرض.
"هل اعترفت لها؟" سأل أحمد مباشرة.
"نعم."
"وهل قبلتك؟"
"لا."
"إذاً لماذا كل هذا؟ لماذا فعلت ذلك؟" سأل أحمد، وصوته يرتفع قليلاً.
"لقد... لقد كنت أشعر بمشاعر قوية تجاهها. ولم أعد أستطيع أن أخفيها." قال عمر، بصدقٍ مؤلم.
"هل كنت تعلم أنها مخطوبة؟ هل كنت تعلم أنها ستتزوجني؟" سأل أحمد، وعيناه تحدقان في عمر.
"كنت أعلم، ولكن..."
"ولكن ماذا يا عمر؟ هل الحب يبرر الخيانة؟ هل الحب يبرر أن تدمر حياة صديقك؟"
شعر عمر بالذنب يتزايد. لقد أدرك أنه قد أخطأ، وأخطأ بشكلٍ كبير. لقد فقد ثقة صديقه، وفقد احترام نور، وفقد تقديره لذاته.
"أنا آسف يا أحمد. أنا آسف جداً." قال عمر، وعيناه مليئة بالندم.
ظل أحمد ينظر إليه، وكأنه يبحث عن دليلٍ على صدق كلامه. "لا أعرف يا عمر. لا أعرف كيف يمكن أن أسامحك. لقد تدمرت ثقتي بك. لقد تدمرت صداقتنا."
ترك أحمد المقهى، تاركاً عمر وحيداً مع أفكاره. لقد بدأت بذور الشك في بيت أحمد، وبدأت تتفتح على أوراقٍ من الألم، والخيانة، وفقدان الثقة. هل يمكن لهذه البذور أن تموت؟ أم أنها ستنمو لتصبح شجرةً سامةً تظلل على مستقبلهم جميعاً؟