الفصل 19 / 25

الحب الحقيقي

سرٌّ دفينٌ على ضفاف النيل

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات مساء يونيو العليلة تحمل معها عبق الياسمين المتسلل من حدائق القصر المطلة على النيل، لكن لقلب نور، لم تكن هذه الروائح العطرة سوى همسات باردة تتنازع مع ثقلٍ يسدّ أنفاسها. جلست على شرفة جناحها، تستمع إلى خرير الماء المتدفق ببطء، وكأنها تسمع صدى دقات قلبها المتسارعة. كانت تنتظر. تنتظر الرجل الذي غيّر مسار حياتها، الرجل الذي أحبته في صمتٍ، وهو الآن على وشك أن يكشف لها ما قد ينسف كل أحلامها.

وصلت الرسالة عبر سليمان، كبير الخدم الموثوق، وكأنها تحمل معها حكمًا قضائيًا. كلماتٌ قليلة، لكنها كافية لتزرع بذور الشك والقلق في أرضٍ كانت مزهرة بالحب والثقة. "أيتها الآنسة نور، يلزم لقاؤنا ضروريًا. لديّ ما يجب أن تعرفيه قبل فوات الأوان. الغد، عند الغروب، على مركبٍ صغيرٍ في مكاننا المعتاد. – أحمد."

"مركبنا المعتاد." تلك العبارة كانت تعني الكثير. هي و أحمد، قبل الخطبة الرسمية، وقبل أن يضيق عليهما الوقت وتتكاثر الواجبات، اعتادا اللقاء في مركبٍ شراعي قديمٍ استأجراه من أحد الصيادين، على ضفةٍ هادئةٍ بعيدةٍ عن أعين المتطفلين. هناك، تحت سماءٍ مرصعةٍ بالنجوم، تبادلا الوعود والأحلام. كانت تلك الأمسيات بمثابة عقدٍ روحيٍّ بينهما، أعمق من أي وثيقةٍ رسمية.

كانت الروح المعنوية لأحمد قد تدهورت بشكلٍ ملحوظٍ في الأيام الأخيرة. كان كثير الشرود، قليل الكلام، وصامتًا في حضرة والدها. سألته والدتها ذات مرةٍ عن سبب هذا الانقباض، فأجاب بابتسامةٍ باهتةٍ: "مجرد ضغوط العمل، أمي. لا تقلقي." لكن نور كانت ترى ما هو أبعد من ضغوط العمل. كانت ترى ثقلًا ينوء به صدره، سرًا يئن بداخله.

والآن، تأتي هذه الرسالة. "ما يجب أن تعرفيه قبل فوات الأوان." لم تكن كلماتٍ عابرة، بل كانت إنذارًا. ما الذي يمكن أن يغلق باب المستقبل ويجعل الحاضر رمادًا؟ هل يتعلق الأمر بالعائلة؟ بالعمل؟ أم بشيءٍ شخصيٍّ يخص أحمد نفسه؟

لم تستطع النوم تلك الليلة. دارت في رأسها صورٌ شتى. هل خان أحمد ثقته؟ هل كان هناك ما يخفيه عنها؟ هل كان كل هذا الحب مجرد وهمٍ جميلٍ على وشك أن يتلاشى؟ تذكرت نظراته الحانية، كلماته الرقيقة، احترامه الشديد لأسرتها، ورغبته الواضحة في بناء مستقبلٍ كريمٍ معها. كيف يمكن لكل هذا أن يتغير فجأة؟

في صباح اليوم التالي، استيقظت نور وقلبها يخفق بقوة. الشمس كانت مشرقة، لكن الضوء بدا شاحبًا. أدت صلاتها، ثم جلست تتناول فطورها بصمت. كانت والدتها تراقبها بقلق. "هل أنتِ بخير يا نور؟ تبدين شاردة الذهن." "أنا بخير يا أمي، فقط بعض القلق بشأن ترتيبات العرس. أنتِ تعلمين أن أمور الزواج تتطلب جهدًا." كانت تكذب، لكنها لم تكن تريد أن تقلق والدتها أكثر.

حاولت أن تشغل نفسها بأعمال المنزل، لكن عقلها كان يسبح في بحرٍ من الاحتمالات المظلمة. جلست في مكتبتها، تتصفح كتبًا عن التاريخ، لكن الكلمات كانت تتراقص أمام عينيها دون أن ترسم أي معنى. تخيلت نفسها تقف أمام أحمد، تسأله عن السر، وتنتظر إجابته التي قد تكون حكم الإعدام على حبهما.

الوقت كان يمر ببطءٍ قاتل. مع اقتراب موعد الغروب، تزايد قلقها. لبست ثوبًا بسيطًا، لكنه أنيق، وأمرت سليمان بأن يُعدّ لها سيارةً صغيرةً لتأخذها إلى الطرف الآخر من المدينة، حيث مكان لقائهما السري. لم تخبر أحدًا. لم ترغب في أن تتحول هذه اللحظة المصيرية إلى مسرحٍ للعائلة.

كانت السيارة تسير ببطءٍ في الشوارع الهادئة. بدأت الشمس تميل نحو الغروب، تاركةً وراءها سماءً تتلون بألوانٍ برتقاليةٍ قرمزية. وصلت إلى الضفة المعتادة، وهناك، عند حافة الماء، كان يقف أحمد. وحده.

كان واقفًا وظهره إليها، ينظر إلى الأفق. بدا أطول وأكثر شحوبًا مما اعتادت أن تراه. كان يرتدي ثيابًا داكنة، وكأنها تعكس سوداوية روحه. لم يلتفت عندما اقتربت. وقفت خلفه، وقلبها يرتجف.

"أحمد؟" كان صوتها خافتًا، يكاد يبتلعه هدوء المكان. التفت ببطء. رأى وجهها، وبدت في عينيه لحظةٌ من الألم، ثم تغطيها قناعٌ من الإرهاق. "نور. لقد جئتِ." "لقد طلبت مني أن آتي. ما الذي يحدث؟" حاولت أن تحافظ على رباطة جأشها، لكن صوتها كان يرتعش.

تقدمت نحوه خطوة. "أنتَ لم تعد كما كنت في الأيام الماضية. هل هناك ما يقلقك؟" لم يجب مباشرة. نظر إلى الماء، ثم قال ببطءٍ كأن كل كلمةٍ تؤلمه: "هناك أمرٌ ضروريٌّ أن تعرفيه. أمرٌ يتعلق بماضيّ، وماضي عائلتي، أمرٌ كنتُ أتمنى لو أنني لم أكن أعرفه أبدًا." شعرت بالبرد يتسرب إلى عظامها. "ما هو؟" "أنا... لستُ من نسل العائلة التي تعتقدينها."

كانت كلماته كالصواعق. رمشت نور عدة مرات، تحاول أن تستوعب. "ماذا تعني؟ أنتَ أحمد، ابن الحاج محمود، وحفيد الشيخ عبد الرحمن... هذا هو كل ما نعرفه." "هذا ما قيل لنا. لكن الحقيقة... الحقيقة أشد قتامة." تنهد بعمق. "قبل أن أتزوجكِ، قبل أن أعدكِ بأي شيء، هناك سرٌّ دفينٌ في تاريخ عائلتي، سرٌّ كنتُ أبحث عنه طويلاً، وقد وجدته مؤخرًا."

اقتربت أكثر، وعيناها مثبتتان على وجهه. "تحدث يا أحمد. لا تتركني هكذا." "والدي... الحاج محمود... لم يكن ابني البيولوجي. لقد تبنّاني." اتسعت عينا نور بصدمة. "تبنّاك؟ لكن... هذا لا يغير شيئًا. أنتَ أحمد، ابن الحاج محمود. هو من ربّاك، هو من علّمك، هو من أحبّك."

"لكن الأمر ليس بهذه البساطة يا نور. عندما بدأتُ بالبحث عن أصولي، بعد وفاة والدي، كنتُ أبحث عن هويتي الحقيقية. اكتشفتُ أنني كنتُ طفلًا تمّ إخفاؤه، ووضعي في عائلة الحاج محمود كان لأسبابٍ معقدة، تتعلق بتجارةٍ قديمة، بديونٍ، وبنوعٍ من الانتقام."

بدأت الدموع تتجمع في عيني نور. "انتقام؟ ديون؟ أحمد، أنتَ تخيفني." "أتفهم خوفكِ. كنتُ أتمنى لو استطعتُ إخفاء هذا عنكِ للأبد. لكنني لا أستطيع. لا أستطيع أن أبني معكِ مستقبلًا على أساسٍ من الكذب." "إذن، من هي عائلتك الحقيقية؟ وما هو هذا الانتقام؟"

نظر أحمد إلى الماء مرةً أخرى، وعينيه تحملان حزنًا عميقًا. "عائلتي الحقيقية... هي عائلةٌ لها تاريخٌ مظلمٌ في هذه المدينة. عائلةٌ تورطت في صفقاتٍ مشبوهة، وعلاقاتٍ مع أفرادٍ لا يُحمد عقباه. لقد كان والد الحاج محمود، جدّي الشيخ عبد الرحمن، صديقًا لوالد البيولوجي لشخصٍ كان يكنّ ضغينةً عائلتنا. عندما مات والد الحاج محمود، تولى الأمر الحاج محمود، وعمل على إخفائي، وقطع كل صلةٍ بماضيّ، لكي لا يقع عليّ غضبُ هؤلاء الناس."

"لكن... هذا كلّه حدث قبل ولادتك. أنتَ لم تكن طرفًا فيه." "لكنني أحمل هذا الاسم، وهذا التاريخ. والذين كانوا يسعون للانتقام... لا يزالون موجودين، ويبدو أنهم بدأوا بالبحث عني. لقد تلقيتُ تهديداتٍ مبطنة، رسائل غامضة. كنتُ أظنها مجرد هلوسات، لكن اكتشافي لهذا السر، جعل كل شيءٍ يبدو أكثر وضوحًا. لقد ورثتُ هذا الثقل، هذا الخطر، حتى لو لم يكن ذنبي."

ارتعشت شفتا نور. "وهذا يعني... أن الزواج مني، الزواج من عائلةٍ كريمةٍ مثل عائلتي، قد يعرضهم للخطر؟" "هذا بالضبط ما قلقت منه. إنني أحبّكِ يا نور، أحبّكِ بكل ما فيّ. ولا أستطيع أن أرى أذىً يمسّكِ أو يمسّ عائلتكِ بسبب ماضيّ." "ولكن... لماذا لم تخبرني من قبل؟ لماذا تنتظر حتى الآن؟" "كنتُ آمل أن أجد طريقةً لتجاوز الأمر، لحماية الجميع. لكن الأمر يبدو مستحيلًا. والأكثر من ذلك... هناك جزءٌ من هذا السر، يتعلق بكِ أنتِ أيضًا، وبوجودكِ في حياتي."

استغربت نور. "بوجودي؟ كيف؟" "عندما بدأتُ بالبحث، اكتشفتُ خيوطًا تربط عائلتي القديمة بعائلتكِ بطريقةٍ لم أتوقعها أبدًا. يبدو أن هناك علاقةً قديمةً بين جدّي البيولوجي، و... جدّكِ الأكبر. علاقةٌ لم تكن طيبة."

تسمرت نور في مكانها. جدّها الأكبر؟ لم تسمع يومًا عن أي خلافاتٍ في العائلة تخصّ هذا الجانب. "هل أنتَ متأكدٌ من هذا؟" سألت بصوتٍ مرتعش. "أتمنى لو لم أكن. لقد عثرتُ على وثائق قديمة، ورسائل. يبدو أن هناك صراعًا على أرضٍ، أو مالٍ، بين جدّكِ الأكبر وشخصٍ يدعى... 'إبراهيم'. وإبراهيم هذا هو جدّي البيولوجي."

شعرت نور وكأن الأرض تميد بها. إبراهيم؟ هذا الاسم لم يكن غريبًا. كانت تسمعه في حكاياتٍ قديمةٍ جدًا، حكاياتٍ كانت عائلتها تحاول تناسيها، عن رجلٍ كان له تاريخٌ معقدٌ مع العائلة. "أحمد... هذا كثيرٌ جدًا. لا أفهم." "لا بأس. أريدكِ أن تأخذي وقتكِ. ما أردتُ قوله لكِ هو أن حياتي ليست مجرد قصة حبٍّ بسيطة. هناك ظلالٌ من الماضي تطاردني، وقد تطاردنا. وأنا لا أريد أن أدمر حياتكِ وحياة عائلتكِ بسبب هذا."

تجمعت الدموع في عيني نور. لم تكن تعرف ماذا تقول. هل تتخلى عنه؟ هل تتخلى عن حبها؟ هل تواجه هذا التاريخ المظلم؟ "أحمد..." قالت أخيرًا، وصوتها يكاد لا يُسمع. "أنا... أحتاجُ وقتًا لأفكر."

نظر إليها أحمد بعينين مليئتين بالأسى. "أتفهم ذلك. خذي كل الوقت الذي تحتاجينه. لكنني لن أترككِ في الظلام. سأظل هنا، لأجيب عن كل أسئلتكِ، مهما كانت مؤلمة."

كانت الشمس قد توارت تقريبًا، تاركةً السماء بلونٍ رماديٍّ غامق. وقفت نور أمام أحمد، واقفةً على مفترق طرقٍ لا تعرف كيف ستخرج منه. سرٌّ عظيمٌ، تاريخٌ مظلمٌ، وخطرٌ يلوح في الأفق. الحب وحده لن يكون كافيًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%