الحب الحقيقي
همسات الماضي وأحلام المستقبل
بقلم مريم الحسن
"مشروع؟" كررت "ليلى" الكلمة، وهي تحاول استيعاب ما سمعه. كان الرجل الذي يقف أمامها، "خالد"، يمثل لغزاً جديداً في حياتها. لم تكن تتوقع أن زيارته المفاجئة هذه تحمل وراءها أكثر من مجرد فضولٍ عابر.
"نعم، مشروعٌ كبيرٌ،" أكد "خالد"، وصوته يحمل نبرةً قويةً من الثقة. "مشروعٌ يهدف إلى تطوير هذه المنطقة، وإنشاء مركزٍ صحيٍ متكاملٍ يخدم الفئات الأكثر احتياجاً. مركزٌ لا يقل عن أفضل المراكز في العالم، لكن بلمسةٍ إنسانيةٍ خاصة."
كانت كلمات "خالد" تلامس وتراً حساساً في قلب "ليلى". كانت والدها قد تحدث لها كثيراً عن أحلامه في توسيع نطاق عمله الخيري، وتقديم خدماتٍ صحيةٍ شاملةٍ لا تقتصر على العلاج المجاني، بل تشمل التوعية الصحية، والرعاية الوقائية، والدعم النفسي.
"مركزٌ صحيٌ متكامل؟" سألت "ليلى" بجديةٍ متزايدة، وهي تميل قليلاً إلى الأمام. "هل تقصد مرافقاً تضم أقساماً مختلفة، وتوظيف أطباء متخصصين؟" "بالضبط. وأكثر من ذلك. أرغب في أن يكون هذا المركز امتداداً لروح الدكتور أحمد. أن يحمل اسمه، وأن يقدم خدماتٍ رفيعة المستوى، ولكن بأسعارٍ رمزيةٍ جداً، أو مجاناً لمن لا يملك."
شعر "خالد" بأن "ليلى" بدأت تتفاعل مع فكرته. كان يعلم بمدى تقديرها لوالدها، وبمدى حبها لعمل الخير. "أتفهم أنكِ قد تكونين متشككةً،" أضاف "خالد"، "لكنني لا أبحث عن منفعةٍ شخصية. أنا رجلٌ لديّ ميسرةٌ، وأريد أن أستثمرها في ما يعود بالنفع على المجتمع. وقد وجدتُ في إرث الدكتور أحمد، وفي تفانيكِ، الشريك الأمثل لمثل هذا المشروع."
جلست "ليلى" على كرسيها، وأخرجت ملفاً عشوائياً من على مكتبها. بدأت تمرر أصابعها على الأوراق، وهي تفكر بعمق. لم تكن مجرد فكرةٍ عابرة، بل كانت حلماً قديم يراودها.
"أتذكر أن والدي كان يتحدث عن مثل هذه الأفكار،" قالت "ليلى" بصوتٍ هادئ، وعيناها مثبتتان على الملف. "كان يريد أن يوسع العيادة، ويضم إليها أجنحةً خاصةً للأطفال، وآخر للأمهات. لكن... الظروف لم تسعفه."
"وهذه هي فرصة أن نحقق له ذلك. أنا على استعدادٍ لتوفير التمويل اللازم، ووضع الخطط الهندسية، وحتى إدارة الجوانب اللوجستية. كل ما أحتاجه هو خبرتكِ الطبية، ورؤيتكِ، وروح الدكتور أحمد التي لا شك أنها تسري في عروقكِ."
صمتت "ليلى" لبرهة، ثم رفعت رأسها ونظرت في عيني "خالد" مباشرةً. "من أنت حقاً يا أستاذ خالد؟ ولماذا هذا الاهتمام المفاجئ بهذه العيادة، وهذا الشغف بدعم الفقراء؟"
لم يتزحزح "خالد" عن مكانه. "سأجيبكِ بصراحة، يا دكتورة ليلى. والد الدكتور أحمد، وهو جدي، كان صديقاً مقرباً لوالدك. لقد عرفته منذ صغري. رأيتُ فيه رجلاً عظيماً، يعطي بلا حدود. وعندما توفي، شعرتُ بفراغٍ كبير. سمعتُ عنكِ، وعن استمراركِ على نهجه، وعن حبكِ للناس. ولم أكن لأجد فرصةً أفضل من هذه لأردّ الجميل، ولأحقق حلماً مشتركاً."
كانت قصته مقنعةً، وحماسه صادقاً. لكن "ليلى" لم تكن سهلة الإقناع. كانت تعرف جيداً قيمة الثقة، وأن القرارات الكبيرة يجب أن تُتخذ بعد تفكيرٍ عميق. "أنا أقدر جداً عرضك، أستاذ خالد. وأشكرك على كلماتك الطيبة. لكن مثل هذا المشروع يحتاج إلى دراسةٍ متأنية، وتخطيطٍ دقيق. أحتاج إلى وقتٍ للتفكير، وإلى بعض المعلومات عنك وعن طبيعة عملك."
"أتفهم ذلك تماماً. لا أرغب في إجباركِ على أي شيء. إليك بطاقة أعمالي. هذه أرقام هواتفي، وعنواني. سأكون سعيداً بتقديم أي معلوماتٍ تحتاجينها، أو بمقابلتكِ مرةً أخرى في أي وقتٍ يناسبك."
مد "خالد" يده نحو "ليلى"، وفيها بطاقةٌ أنيقةٌ تحمل اسمه، وعنوان شركته، ورقم هاتفه. تردد "ليلى" للحظة، ثم أخذت البطاقة. شعرت بدفءٍ غريبٍ في يدها وهي تلمس البطاقة.
"سأتصل بكِ،" قال "خالد"، ثم نهض. "أتمنى أن تكوني قد فكرتِ في اقتراحي بإيجابية. أنا أؤمن بأننا معاً يمكن أن نصنع فارقاً كبيراً."
وقف "خالد" عند الباب، ثم استدار وخرج، تاركاً "ليلى" وحدها في سكون العيادة. نظرت إلى البطاقة في يدها، ثم إلى المكان الذي كان فيه. كانت تشعر بمزيجٍ من الحيرة، والإثارة، والأمل.
كانت "ليلى" قد اعتادت على أن تكون الحياة في مسارٍ واحدٍ محدد. مسارٌ يبدأ بالدراسة، ثم العمل، والالتزام بواجباتها تجاه عائلتها ومرضاها. لم يكن في خططها أي مكانٍ لمثل هذه اللقاءات المفاجئة، أو لمشاريعٍ بهذا الحجم.
عادت "ليلى" إلى ترتيب ما تبقى من أوراق. حاولت أن تركز على عملها، لكن صورة "خالد" وظلت في ذهنها. كلماته، نظراته، وحماسه. كل ذلك أثار فيها تساؤلاتٍ كثيرة. من هذا الرجل حقاً؟ وهل يقدم عرضاً صادقاً، أم أن وراءه شيئاً آخر؟
كانت "ليلى" تعرف أن والدها كان رجلاً ذا ثقةٍ عالية، لكنه في الوقت نفسه كان حذراً. كانت تسير على خطاه، وتحاول أن تتجنب الوقوع في فخ الثقة العمياء.
بعد أن انتهت من ترتيب كل شيء، أغلقت أضواء العيادة، وقفلته. خرجت إلى الشارع، حيث كانت القاهرة لا تزال تنبض بالحياة. الهواء كان يحمل رائحةً جميلةً من الشارع، حيث كانت المطاعم قد بدأت في إعداد موائد الإفطار.
مشيت "ليلى" بخطىً متسارعةٍ قليلاً، وهي تفكر. في ذهنها، كانت تزن الإيجابيات والسلبيات. كان المشروع منطقياً، ومفيداً، ويحمل اسم والدها. لكن كان هناك دائماً "لكن" في كل قرارٍ كبير.
عندما وصلت إلى سيارتها، جلست في الداخل، وأخذت نفساً عميقاً. ثم أخرجت هاتفها، وبدأت في البحث عن اسم "خالد" وشركته. وجدت معلوماتٍ قليلة، لكنها كانت كافيةً لتؤكد أنه رجلٌ معروفٌ في مجال العقارات والتنمية.
"هل أثق به؟" سألت نفسها بصوتٍ مسموع. نظرت إلى السماء، حيث كانت النجوم قد بدأت تظهر بوضوح. كان شعاعٌ من الضوء الساطع قد اخترق الظلام، وكأنه يبعث إليها برسالةٍ مبهمة.
أخذت "ليلى" قرارها. ستدرس العرض بعناية، ولن تستعجل في الحكم. لكنها في الوقت نفسه، لم تستطع أن تنكر شعوراً خفيفاً من الإثارة يتدفق في عروقها. كان هناك شيءٌ في "خالد" يجعلها تشعر بأنها على وشك اكتشاف فصلٍ جديدٍ في حياتها، فصلٌ قد يحمل معاني عميقة، وتحدياتٍ كبيرة، وربما... سعادةً لم تكن تعرف أنها تبحث عنها.