الفصل 20 / 25

الحب الحقيقي

ظلال الماضي على وجه الزمن

بقلم مريم الحسن

عادت نور إلى القصر وهي تحمل في صدرها ثقلًا لم تعهده من قبل. كانت أشعة القمر المتسللة من نوافذ الغرفة ترسم خطوطًا باهتة على الأرض، وكأنها تجسيدٌ للأفكار المتشابكة التي دارت في ذهنها. جلسة الغروب مع أحمد لم تكن مجرد لقاءٍ عادي، بل كانت كشفًا لمخطوطةٍ قديمةٍ مليئةٍ بالألغاز والظلال.

"جدّي الأكبر... إبراهيم..." تردد الاسم في ذهنها كصدىً بعيد. لم تكن تعرف الكثير عن هذا الجدّ، سوى أنه كان شخصيةً مثيرةً للجدل في تاريخ العائلة، وأن الأمور بينه وبين أجدادها لم تكن على ما يرام. كانت قصص العائلة غالبًا ما تتجنب الخوض في التفاصيل الدقيقة لتلك الفترة، مكتفيةً بالإشارة إلى "خلافاتٍ قديمة" أو "صعوباتٍ مرت بها العائلة".

في تلك الليلة، استدعت نور أمها. جلست على طرف السرير، وأمها بجانبها، تبدو متعبةً من يومٍ طويل. "أمي، هل يمكنكِ أن تخبريني عن جدّي الأكبر؟ عن والد جدي؟" نظرت الأم إليها بعينين تتساءلان. "لماذا تسألين الآن يا ابنتي؟ هل هناك ما يقلقك؟" "فقط فضول. هل كان اسمه إبراهيم؟"

احمرّ وجه الأم قليلًا، وتجنبت النظر إليها. "نعم، كان اسمه إبراهيم. كان رجلًا... معقدًا." "وما هي طبيعة علاقته بجده؟ كان بينهما خلافٌ كبير؟" ترددت الأم. "كانت هناك صعوباتٌ مالية، وتنافسٌ على بعض المصالح. لكن الأمور هدأت مع مرور الوقت." "هل كان هناك أي شيءٍ آخر؟ أي شيءٍ يتعلق بالأرض، أو ديون، أو... انتقام؟"

صدمت الأم من أسئلة نور. "من أين لكِ بهذه الأفكار؟ من تحدث إليكِ؟" "أحمد." قالت نور بصوتٍ ثابت. "لقد أخبرني أحمد أن هناك تاريخًا متشابكًا بين عائلتيهما، وأن هناك صراعًا قديمًا بين جدّه البيولوجي، إبراهيم، وجدّي الأكبر."

تغير وجه الأم تمامًا. اتسعت عيناها بالدهشة، ثم بالخوف. "أحمد؟ كيف عرف أحمد هذا؟ هذا أمرٌ لم نتحدث فيه أبدًا. حتى أنا، لا أعرف التفاصيل الكاملة." "وهذا ما يقلقني يا أمي. أحمد قال إنه وجد وثائق ورسائل. يبدو أن هناك صراعًا على شيءٍ ما، وأن الأمر كان خطيرًا."

جلست الأم بصمتٍ لعدة دقائق، كأنها تبحث عن الكلمات المناسبة. "ابنتي، بعض الأمور في الماضي تكون ثقيلةً جدًا، وثمة أشخاصٌ يفضلون دفنها. جدّي الأكبر، إبراهيم، كان بالفعل شخصًا صعب المراس. وكان هناك بالفعل خلافٌ حادٌّ مع عائلةٍ أخرى. لكن تفاصيل هذا الخلاف، لا أعرفها. لم يرغب والدي قط في الخوض فيها."

"وماذا عن عائلة أحمد؟ هل لهم علاقةٌ بتلك العائلة الأخرى؟" "لا أعرف شيئًا عن عائلة أحمد الحقيقية. ما أعرفه هو أن الحاج محمود، رحمه الله، وجد أحمد رضيعًا، وتبناه. لم يقولا لنا قط لماذا فعل الحاج محمود ذلك، أو كيف وجده. لقد كانوا دائمًا متحفظين جدًا بشأن ماضي أحمد."

شعرت نور بأن اللغز يتعقد أكثر وأكثر. أحمد كان طفلًا تمّ تبنيه، وعائلته الحقيقية كانت لها عداواتٌ قديمة. وعائلتها هي الأخرى، يبدو أن لها صراعًا مع جدّ أحمد البيولوجي. ألم يكن هذا مصيرًا متشابكًا بشكلٍ مخيف؟

في صباح اليوم التالي، ذهبت نور إلى مكتبة القصر. كانت تريد أن تبحث بنفسها. بين الكتب القديمة، والمخطوطات المتربة، ربما تجد شيئًا. قضت ساعاتٍ طويلةً تتصفح سجلات العائلة، وأشجار الأنساب. لم تجد شيئًا واضحًا عن صراعٍ مباشرٍ بين جدّها الأكبر وإبراهيم. لكنها وجدت إشاراتٍ إلى "صعوباتٍ تجارية" و"خسائر مالية" في فترةٍ زمنيةٍ قريبةٍ من الفترة التي أشار إليها أحمد.

في إحدى الصناديق القديمة، وجدت رسالةً بخطٍّ قديم، تبدو وكأنها موجهةٌ إلى جدّها الأكبر. لم تكن تحمل توقيعًا واضحًا، لكن اللهجة كانت تحذيريةً. "اعلم يا إبراهيم أن ما تفعله لن يمر مرور الكرام. إن عواقب أفعالك ستلاحق أبناءك. هناك قوةٌ لا تعرف الرحمة، ولن تسامح."

شعرت نور بالبرد يسري في عروقها. هل كانت هذه الرسالة موجهةً إلى جدّها الأكبر من شخصٍ يدعى إبراهيم؟ أم أنها كانت من إبراهيم؟ التضارب في المعلومات كان مربكًا.

لم تستطع الانتظار. كان لابد لها من رؤية أحمد مرةً أخرى. أرسلت له رسالةً بسيطةً عبر سليمان: "أريد أن أتحدث معك. في نفس المكان، غدًا عند الغروب."

في اليوم التالي، كانت الشمس تميل نحو الغروب مرةً أخرى، ورائحة الياسمين تفوح في الهواء. جلست نور على حافة المركب، تنتظر. وصل أحمد، وكان يبدو أكثر هدوءًا اليوم، لكن عينيه كانتا تحملان بقايا الألم. "نور." قال وهو يجلس بجانبها. "أحمد، هل أنتَ متأكدٌ مما قلته؟ عن جدّي الأكبر وعن جدّك البيولوجي؟" "أنا متأكدٌ مما وجدته. لقد عثرتُ على مذكراتٍ قديمةٍ لجدي البيولوجي، إبراهيم. كان يصف فيها صراعه مع شخصٍ يدعى 'موسى'. ويبدو أن 'موسى' هذا هو جدّك الأكبر."

شهقت نور. "موسى؟ لم أسمع بهذا الاسم في العائلة أبدًا. دائمًا ما يذكرون جدي بـ 'الحاج محمود' أو 'الشيخ عبد الرحمن'." "هذا هو الأمر الغريب. في سجلات جدي، كان يُطلق على جدّك الأكبر لقب 'موسى'. ويبدو أنهما كانا في صراعٍ على مزرعةٍ واسعة، وعلى أموالٍ استثمرت فيها العائلتان."

"وماذا حدث في نهاية هذا الصراع؟" "وفقًا لمذكرات جدي، فقد فاز 'موسى' بالصراع. لقد استولى على المزرعة، وعلى جزءٍ من الأموال. وكتب جدي أن ذلك كان خيانةً. وذكر أيضًا أن 'موسى' قد وعد بأن يعاقبه الله على فعلته."

تذكرت نور الرسالة التي وجدتها. "اعلم يا إبراهيم أن ما تفعله لن يمر مرور الكرام..." "أظن أن هذه الرسالة كانت من 'موسى' إلى إبراهيم. وكان 'موسى' هو جدّك الأكبر." "ولكن، لماذا كل هذا السر؟ لماذا لم يذكر أحدٌ ذلك؟" "لأن 'موسى' لم يكن يريد أن تُعرف هذه الحقيقة. لقد بنى سمعةً طيبةً، وربما أراد أن يتجنب وصمة العار. ووالد الحاج محمود، الذي كان صديقًا لإبراهيم، ساعده في ذلك. ثم جاء دور الحاج محمود في إخفائي، وقطع الصلة بالماضي، خوفًا من أن يكتشف أعداء إبراهيم وجودي."

"إذن، أنتَ لا تعرف من هم أعداء إبراهيم؟" "لا. لكن جدي كتب أنه كان هناك شخصٌ آخر، شريكٌ قديمٌ لإبراهيم، كان يسعى للانتقام من كليهما. شخصٌ كان يخشاه إبراهيم بشدة." "ومن هو هذا الشخص؟" "لم يذكر اسمه. لكنه وصفه بأنه رجلٌ لا يعرف الرحمة، وأنه يسعى لتدمير العائلتين."

شعر أحمد بأن كل الخيوط بدأت تتضح، لكنها كانت خيوطًا قاتمة. "الخوف من هذا الشخص، والخوف من أن يُكشف ماضي إبراهيم، هو ما جعل عائلتي تخفيني. ويبدو الآن أن هذا الخطر قد عاد."

"ولكن، أحمد، لماذا كل هذا الحديث عني؟ قلت إن هناك ما يتعلق بوجودي أنا أيضًا." نظر إليها أحمد بجدية. "نعم. في مذكرات جدي، ذكر أنه بعد خسارته، حاول أن يتواصل مع شخصٍ كان يعتبره أخًا، شخصٌ كان له يدٌ في تحالفٍ قديمٍ بين العائلتين، وكان أمله الوحيد هو أن يجد لديه بعض الحماية. وذكر اسم هذا الشخص... 'عادل'."

"عادل؟" تكرر نور الاسم. "عادل... هذا اسم عمّي! عمّ أبي!" "وهذا ما جعلني أربط الخيوط. يبدو أن هناك علاقةً بين جدي البيولوجي، إبراهيم، وعمّك عادل. وأن 'موسى'، جدّك الأكبر، قد أضرّ بإبراهيم. ويبدو أن عمّك عادل كان يحاول حماية إبراهيم من 'موسى' والعالم المظلم."

"ولكن... هذا يعني أن عائلة أبي كانت على علمٍ بهذا كله؟" "لا أعرف. ربما. ربما يعرف عمّك عادل أكثر مما يقول. ربما كان الحاج محمود يتواصل معه بشأن وضعك." "وهذا يعني أنني، من خلال زواجي منك، قد أكون أُدخل عائلتي في صراعٍ قديمٍ لم أكن أعرف بوجوده؟"

"هذا هو الخوف الأكبر." قال أحمد بصوتٍ خافت. "لقد اعتقدتُ دائمًا أنني مجرد طفلٍ ضائعٍ في قصةٍ لم أكن جزءًا منها. لكن تبين أن قصتي متشابكةٌ مع قصتكِ بطرقٍ لم أكن أتخيلها. وأنا لا أستطيع أن أسمح بأن يؤذى أحدٌ من عائلتكِ بسبب ماضيّ."

وقفت نور، وعيناها تفيضان بالدموع. لم يعد الأمر يتعلق فقط بحبها لأحمد. لقد أصبح الأمر يتعلق بتاريخٍ معقد، بخطورةٍ كامنة، وبمستقبلٍ لم يعد واضحًا. هل كان حبهم قادرًا على تجاوز كل هذه الظلال؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%