الفصل 3 / 25

الحب الحقيقي

خطوة جريئة على درب الحلال

بقلم مريم الحسن

في صباح اليوم التالي، وبعد صلاة الفجر، جلست "ليلى" على شرفة منزلها المطل على نهر النيل. كان النيل، شريان الحياة للقاهرة، يتهادى بسكونٍ مهيب، تعكس أشعة الشمس الأولى على مياهه الذهبية. كان هذا هو وقتها المفضل، وقت التأمل والهدوء، قبل أن تبدأ ضوضاء اليوم.

أمسكت بكوب القهوة الساخنة، واحتسيت منه رشفةً بطيئة. في يدها الأخرى، كانت تحمل بطاقة "خالد". كانت تفكر ملياً في عرضه، وفي طبيعة الرجل الغامض. كانت تعلم أن الشك ضروريٌ في مثل هذه الأمور، لكنها في الوقت نفسه، لم تستطع أن تتجاهل الشغف الذي رأته في عينيه، والرؤية الطموحة التي عرضها.

"هل أتصرف بتهور؟" سألت نفسها. "هل أثق برجلٍ لا أعرفه إلا منذ ساعات؟" لكن الصوت الداخلي كان يهمس لها بشيءٍ آخر. كان يذكرها بوالدها، وبأحلامه التي لم تتحقق. كان يذكرها بالآلاف من المرضى الذين يحتاجون إلى رعايةٍ أفضل.

لم يكن حب "ليلى" للعمل الخيري مجرد واجب، بل كان جزءاً من هويتها. كانت ترى في كل مريضٍ فرصةً لتطبيق مبادئ دينها، ولإحداث فرقٍ إيجابي في العالم.

قررت "ليلى". لن تتخذ قراراً متسرعاً، لكنها ستتواصل مع "خالد". أرادت أن تعرف المزيد، وأن تتأكد من أن هذا المشروع لن يكون مجرد حلمٍ جميلٍ يتلاشى.

أخذت هاتفها، وبحثت عن رقم "خالد" في قائمة جهات الاتصال. ترددت للحظة، ثم ضغطت على زر الاتصال.

"مرحباً؟" جاء صوت "خالد" عميقاً ومرحباً. "مرحباً أستاذ خالد. معكِ الدكتورة ليلى." "الدكتورة ليلى! يا له من صباحٍ جميلٍ أن أسمع صوتكِ. كيف حالكِ؟" "أنا بخير، الحمد لله. وأنت؟" "بخيرٌ ما دمتُ أتحدث مع سيدةٍ عظيمةٍ مثلكِ. هل فكرتِ في عرضي؟" "نعم، لقد فكرت. وأنا مهتمةٌ جداً. لكنني أحتاج إلى مزيدٍ من التفاصيل. هل يمكن أن نلتقي مرةً أخرى، ربما في مكانٍ أهدأ، ونتحدث عن كل شيءٍ بتفصيل؟" "بالتأكيد! يسعدني ذلك. متى تفضلين؟ أنا متاحٌ غداً في أي وقتٍ يناسبك."

"ممتاز. ما رأيك في مقهى 'النيل' عند الساعة العاشرة صباحاً؟ هو مكانٌ هادئٌ ويطل على النهر." "رائع. أراكِ غداً. وأنا متشوقٌ جداً لهذا اللقاء."

أنهت "ليلى" المكالمة، وشعرت ببعض الارتياح. كانت خطوةً جريئة، لكنها كانت خطوةً في الاتجاه الصحيح.

في اليوم التالي، وقبل موعد اللقاء، ذهبت "ليلى" إلى مكتب والدها، واستخرجت بعض الأوراق المتعلقة بخططه القديمة للمستشفى. كانت تريد أن تقارن بين رؤيته ورؤية "خالد".

عندما وصلت إلى المقهى، وجدت "خالد" ينتظرها. كان قد وصل قبلها. كان يجلس على طاولةٍ بالقرب من النافذة، يتأمل النيل. بدا أكثر هدوءاً ووقاراً في ضوء النهار.

"أهلاً بكِ يا دكتورة ليلى،" قال "خالد" بابتسامةٍ دافئة، وهو ينهض لاستقبالها. "أهلاً بك أستاذ خالد." جلست "ليلى"، وطلب كلاهما القهوة.

"دعنا نتحدث بصراحة،" بدأت "ليلى"، وهي تضع الملف الذي أحضرته على الطاولة. "أنا أقدر جداً عرضك، وأعتقد أن فكرتك رائعة. لكنني أريد أن أتأكد من أننا على نفس المسار. والد هذا المشروع هو إرضاء الله، وخدمة عباده، وتقديم عملٍ خالصٍ لوجهه."

"أتفهم ذلك تماماً، يا دكتورة ليلى. وهذا هو بالضبط ما أؤمن به. مبدأ الشراكة بيننا هو مبدأ الإخلاص لله. أنا لا أبحث عن شهرةٍ أو مالٍ من وراء هذا المشروع. كل ما أريده هو أن أقدم شيئاً نافعاً، وأن أحمل اسم الدكتور أحمد عالياً."

بدأ "خالد" في شرح تفاصيل المشروع بتفصيلٍ ممل. تحدث عن أعداد الغرف، والتجهيزات المطلوبة، والموظفين الذين سيتم تعيينهم، والخدمات التي سيتم تقديمها. كانت خططه دقيقةً جداً، ومنظمةً بشكلٍ لافت.

"لقد قمتُ بوضع تصورٍ أولي لتصميم المبنى،" قال "خالد"، وهو يخرج رسوماتٍ هندسيةً دقيقةً من حقيبته. "هذه مجرد أفكار مبدئية، بالطبع، لكنها تعطي فكرةً عن الحجم والإمكانيات."

كانت الرسوم مذهلة. تصورٌ لمبنىً حديث، ذي تصميمٍ عصري، لكنه يحمل في طياته لمسةً عربيةً أصيلة.

"هذا رائع، أستاذ خالد،" قالت "ليلى" بتقدير. "لم أتوقع أن تكون خططك بهذه الجدية." "أنا رجلٌ أؤمن بالتخطيط الدقيق، يا دكتورة. ولأن هذا المشروع سيكون تحت اسم الدكتور أحمد، فإنني أريد أن يكون على أعلى مستوى."

ثم أشار "خالد" إلى قسمٍ صغيرٍ في إحدى الرسومات. "هنا، أرغب في تخصيص قسمٍ خاصٍ للسيدات، ليكون لديهن خصوصيتهن الكاملة، وتقديم خدماتٍ تتعلق بصحتهن النسائية."

ابتسمت "ليلى". كانت هذه نقطةٌ مهمةٌ جداً بالنسبة لها. "وهذا أمرٌ مهمٌ جداً،" قالت. "الدكتور أحمد كان يؤمن بأهمية توفير بيئةٍ آمنةٍ ومريحةٍ للمرأة."

بعد فترةٍ طويلةٍ من النقاش، شعرت "ليلى" بأنها بدأت تثق بـ"خالد". كان صادقاً في حديثه، ومنظماً في أفكاره، ويحمل رؤيةً واضحةً للمستقبل.

"أنا مستعدةٌ للمضي قدماً، أستاذ خالد،" قالت "ليلى" بحزم. "ولكن بشروطٍ واضحة." "بالتأكيد، تفضلي." "أولاً، يجب أن تكون جميع قراراتنا مبنيةً على مبادئنا الإسلامية. لا نريد أي مخالفاتٍ شرعيةٍ مهما كانت الظروف." "هذا أمرٌ بديهيٌ بالنسبة لي. بل هو الأساس." "ثانياً، يجب أن تكون الشفافية هي شعارنا. كل شيءٍ واضحٌ للجميع، من الميزانية إلى التنفيذ." "أتفق معكِ تماماً." "ثالثاً، أريد أن أكون شريكةً فعالةً في كل مراحل المشروع. ليس مجرد مستشارة، بل شريكةٌ حقيقية." "هذا ما أتمناه. خبرتكِ ورؤيتكِ لا غنى عنها."

شعر "خالد" بابتهاجٍ داخلي. كان يعلم أن "ليلى" هي الشخص المناسب تماماً لهذا المشروع.

"إذاً، ما رأيكِ في أن نبدأ الآن؟" سأل "خالد" بحماس. "يمكننا تشكيل لجنةٍ صغيرةٍ لتنظيم الخطوات الأولى. ربما نبدأ بزيارةٍ لبعض المراكز الصحية المشابهة، ودراسةٍ قانونيةٍ لتأسيس الجمعية."

"موافق،" قالت "ليلى". "لكن أحتاج أولاً إلى التشاور مع بعض المقربين. أريد أن أشاركهم هذه الخطوة الهامة."

"بالطبع. خذي وقتكِ. أنا على أتم الاستعداد."

بعد أن انصرف "خالد"، عادت "ليلى" إلى منزلها، وقلبها مليءٌ بالأمل والتفاؤل. كانت تعلم أن هذه الخطوة ستكون صعبة، لكنها كانت تعلم أيضاً أنها تحمل في طياتها تحقيقاً لأحلام والدها، ونفعاً كبيراً للمجتمع.

جلست "ليلى" مرةً أخرى على شرفتها، تنظر إلى النيل. كان شعاعٌ من الشمس قد بدأ يختفي خلف الأفق، تاركاً خلفه سماءً ورديةً جميلة. شعرت بأن المستقبل يحمل معاني جديدة، وأنها على وشك اكتشاف جانبٍ من حياتها لم تتخيله من قبل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%