الفصل 5 / 25

الحب الحقيقي

ظلال الرغبة الخفية

بقلم مريم الحسن

كانت ليالي العشق الأولى بين أحمد ونور أشبه بنسيم عليل يداعب صحراء شاسعة، يحمل معه وعداً بالخصب والجمال. كان أحمد، الشاب الطموح الذي صقلته الخبرات وصقلته تربية إسلامية رفيعة، يجد في نور، الفتاة ذات الروح الصافية والعينين اللامعتين كنجوم الليل، مرآة لقلبه. كان لقاؤهما الأول في معرض للكتاب، حيث تشابكت أيديهما عن غير قصد أثناء تصفح ديوان شعر قديم، شرارة أشعلت في قلبيهما لهيباً لم يعهداه من قبل.

لكن، تحت هذه السطحية الزاهرة، كانت تتخفى ظلال، كانت تتعمق شيئاً فشيئاً، وبدأت تشوه لون السماء الصافية. أحمد، ورغم ما بدا عليه من قوة وعفة، كان يحمل في أعماقه صراعاً مريراً مع إدمان قديم، إدمان خفي، يعزله عن العالم ويجعله أسيراً لذاته. لم يكن هذا الإدمان شيئاً مادياً بالمعنى المتعارف عليه، بل كان تعلقاً مفرطاً بشيء وهمي، شيء يمنحه شعوراً زائفاً بالسيطرة والقوة، ولكنه في جوهره كان استنزافاً لروحه وطاقته. كان هذا الإدمان هو عالم الألعاب الإلكترونية.

بدأ الأمر على أنه مجرد تسلية، طريقة للتغلب على ضغوط العمل وتحسين مهاراته في حل المشكلات. لكنه سرعان ما تحول إلى وحش شره، يلتهم ساعات الليل والنهار. كان يقضي ساعات طويلة أمام شاشة حاسوبه، غارقاً في عوالم افتراضية، يبني إمبراطوريات ويهزم أعداء وهميين، بينما كانت حياته الحقيقية تتقلص وتتلاشى. كان يشعر بالنشوة المؤقتة عند تحقيق انتصار في لعبة، لكنها كانت نشوة تتبدد سريعاً، تاركة إياه في فراغ أكبر، ورغبة أعظم في العودة إلى ذاك العالم الساحر.

عندما بدأ يتقرب من نور، كان يعتقد أنه قد تجاوز هذا الإدمان، أو على الأقل سيطر عليه. كان يأمل أن يكون حبه لها دافعاً قوياً للتغيير. كانت نور، بمزيجها الفريد من الجمال والبراءة، تمثل له المنارة التي ستنقذه من لجج عالمه المظلم. كانت تتحدث عن المستقبل، عن بناء أسرة، عن قراءة القرآن الكريم معاً، عن رحلات إلى أماكن تعج بالجمال الطبيعي. كانت رؤيتها للحياة مشرقة، وكان أحمد يتوق لأن يكون جزءاً منها.

لكن، مع اقتراب موعد الزواج، زادت ضغوط العمل، وتفاقمت الوحدة التي كان يشعر بها أحياناً في غياب نور. كان العثور على وقت كافٍ للاهتمام بعلاقته بها، مع إبقاء هذا الإدمان سراً، أمراً صعباً. بدأ يتسلل إليه الشعور بالذنب، يتسلل كالأفاعي إلى قلبه. كان ينظر إلى وجه نور المشرق، ويرى فيها ثقة نقية، ثقة كان هو يخونها في كل مرة كان يعود فيها إلى عالمه الافتراضي.

كانت نور تلاحظ بعض التغيرات عليه، لكنها كانت تفسرها على أنها ضغوط ما قبل الزواج. كانت تراه شاحباً أحياناً، أو شارد الذهن، وكانت تظن أن سبب ذلك هو التفكير في مسؤوليات الحياة الجديدة. كانت تحاول أن تدعمه، أن تخفف عنه، لكنه كان يبتعد قليلاً، يشعر أنه لا يستحق هذه اللطف.

في إحدى الأمسيات، كانا يجلسان في حديقة المنزل، يتشاركان كوباً من الشاي بنكهة النعناع، تحت ضوء القمر الهادئ. كانت نور تتحدث عن أحلامها، عن منزل صغير ستزينه بالنباتات، عن طفل سيلعب في حديقته. ابتسم أحمد، لكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه. شعر ببرودة مفاجئة في قلبه.

"أحمد، هل أنت بخير؟" سألت نور، ملامح القلق تعلو وجهها. "تبدو شارد الذهن."

تنهد أحمد، محاولاً أن يجمع شتات أفكاره. "نعم، بخير يا حبيبتي. مجرد تفكير في كل شيء."

"كل شيء سيكون على ما يرام، إن شاء الله. نحن معاً." قالت نور، ممسكة بيده. كانت دفء يدها يبعث فيه بعض الطمأنينة، لكنه كان يعلم أن هذه الطمأنينة مؤقتة.

في وقت لاحق من تلك الليلة، بينما كانت نور نائمة بسلام، استيقظ أحمد على صوت المنبه الذي وضعه لتذكيره بالصلاة. لكن عيناه لم تتجها نحو المصحف، بل نحو جهاز الحاسوب. لم يستطع المقاومة. شعر بالجذب، بنفس الجذب الذي تشعر به الأرض تجاه القمر، نفس الجذب الذي جعله يعود مراراً وتكراراً إلى تلك العوالم.

فتح الحاسوب، وبدأ في تحميل اللعبة. سرعان ما اختفى العالم من حوله، واختفى صوت المنبه، واختفت نور النائمة في الغرفة المجاورة. كان هناك فقط هو، والشاشة المضيئة، والوعد بالانتصار، والهروب من الواقع. في تلك اللحظة، شعر أحمد بانقسام داخلي رهيب. كان جزء منه يعشق نور، ويحلم بمستقبل مشرق معها، وجزء آخر منه أسير لوحش لا يرحم، يلتهم روحه ببطء.

كلما زاد الوقت الذي يقضيه في اللعبة، زاد شعوره بالوحدة والغربة عن نفسه. كان يشعر أنه يكذب على نور، يكذب على نفسه، يكذب على الله. كان يعلم أن هذا الطريق لن يؤدي به إلى السعادة، بل إلى الدمار. لكن قوة الإدمان كانت أعظم، وكانت تلفه كالثعبان، تمنعه من التنفس، وتمنعه من الحركة.

في صباح اليوم التالي، استيقظ أحمد وهو يشعر بإرهاق شديد. لم ينم جيداً، وشعر بصداع في رأسه. رأى نور وهي تعد الفطور، وابتسمت له ابتسامة واسعة، ابتسامة بريئة مليئة بالحب. شعر بخنجر ينغرس في قلبه. كانت تراه البطل، بينما هو يرى نفسه خائناً.

"صباح الخير يا حبيبي. نمت جيداً؟" سألت.

"صباح النور. نعم، نمت جيداً." كذب أحمد، وهو يشعر بمرارة تعتصر حلقه.

كان يعلم أن الصراع في داخله قد بلغ ذروته. كان عليه أن يتخذ قراراً، قراراً مصيرياً، قراراً سيحدد مسار حياته ومسار حياة نور. هل سيستسلم لهذا الظلام الذي يلفه، أم سيقاوم؟ هل سيختار عالمه الوهمي، أم سيعود إلى الواقع، إلى حب نور، إلى الطريق القويم؟ كانت الساعة تدق، والظلال تزداد عمقاً، والشوط لم يكن قد انتهى بعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%