الفصل 6 / 25

الحب الحقيقي

حبل المشاعر المتأرجح

بقلم مريم الحسن

اشتعلت شرارة القلق في قلب نور، الشرارة التي غالباً ما تسبق العاصفة. كانت ترى أحمد يتراجع، لا عن حبها، بل عن نفسه. كان يظهر ويختفي، يتحدث عن المستقبل بلهفة، ثم ينسحب إلى صمته، يغوص في بحر من الأفكار لا تبدو لها شواطئ. في البداية، فسرت ذلك على أنه طبيعة الرجال قبل الزواج، ضغوط المسؤولية، وربما بعض التردد الذي يعتري الجميع عند اتخاذ خطوة كبرى كهذه. لكن ما لاحظته أخيراً كان تجاوزاً لتلك التفسيرات.

كانت هناك ليالٍ طويلة يظل فيها أحمد متيقظاً، يختلق الأعذار الواهية لغيابه عن المنزل أو لانقطاع اتصالاته. كانت تشعر بوخز من عدم الارتياح، شيء لم تستطع تفسيره. كان أحمد، الذي لطالما كان مصدر أمانها وقوتها، يبدو الآن كأنه يتصارع مع وحش خفي، وحش لا تفهم طبيعته.

في إحدى الأمسيات، بينما كانا يتناولان العشاء في مطعم هادئ، حاولت نور أن تستدرجه للحديث. "أحمد، أشعر أن هناك شيئاً يزعجك. هل لي أن أعرف؟ ربما أستطيع مساعدتك."

نظر إليها أحمد، وعيناه تلمعان بمزيج من الامتنان والألم. "لا شيء يا نور. مجرد ضغوط العمل."

"ولكن ضغوط العمل لا تجعل الإنسان شارد الذهن هكذا، أو يتجنب النظر في عيني حبيبه." قالت نور برفق، محاولة ألا تبدو متهمة. "أحمد، ألا تثق بي؟"

هذا السؤال الأخير أحدث هزة في كيان أحمد. الثقة. كانت نور تمنحه كل ثقتها، بل وتزيد عليها. وكان هو، في المقابل، يغرق في كذبة، كذبة كان يخشى أن تنكشف في أي لحظة. "بالطبع أثق بك يا حبيبتي. بل أنتِ كل ثقتي." قال، وصوته فيه بحة غريبة.

حاول أحمد أن يجد تفسيراً مقنعاً لنور، شيئاً يبرر غيابه وانشغاله. بدأ يتحدث عن مشروع كبير في العمل، عن مؤتمرات، عن مسؤوليات تتطلب منه تفرغاً تاماً. كانت نور تستمع، تحاول أن تصدق، لكن الشك كان يتغلغل في قلبها كسم بطيء. كانت تراقب جسده، حركاته، نبرات صوته. كان هناك شيء ما، شيء عميق، ينهار في داخله، وكان ينعكس على كل تصرفاته.

بدأت تتلقى منه رسائل متأخرة، اعتذارات عن عدم الرد على المكالمات. كانت تقول لنفسها: "ربما هو حقاً مشغول." لكن في أعماقها، كانت تعلم أن الأمر أعمق من ذلك. لم يكن مجرد انشغال. كان هناك هروب.

ذات يوم، بينما كان أحمد في الخارج، وصلتها مكالمة من أحد أصدقاء أحمد المشتركين، زميله في العمل، ويدعى خالد. كان خالد متحمساً، يتحدث عن صفقة كبيرة حققها أحمد، وعن تفوقه الملحوظ في العمل. لكن وسط حديثه، انفلتت منه كلمة عفوية: "لقد كان أحمد يعمل ليلاً ونهاراً، بالكاد ينام، لم نره في المكتب تقريباً في الأيام الماضية، كان يعمل من المنزل، لكنه كان يغيب عنا لفترات طويلة، بل كنا نتهمه أحياناً بأنه يقضي وقته في لعب ألعابه الإلكترونية بدلاً من العمل."

تجمدت نور في مكانها. ألعابه الإلكترونية؟ خالد؟ هذا الاسم بدا مألوفاً، سمعته من أحمد من قبل، لكنه كان يشير إليه دائماً على أنه مجرد "هواية قديمة". لم تكن تدرك حجم هذه "الهواية".

"ماذا تقصد بألعابه الإلكترونية؟" سألت نور بصوت بالكاد خرج.

تردد خالد قليلاً، ثم قال: "أوه، هل لم يخبرك؟ نعم، أحمد كان مدمناً جداً على الألعاب الإلكترونية في فترة سابقة. لقد استغرق الأمر منه وقتاً طويلاً للتغلب عليه. لكن لا تقلقي، لقد تحسن كثيراً. ربما يعود قليلاً في أوقات الضغط. إنه شخص تنافسي جداً."

شعرت نور وكأن الأرض انشقت وابتلعتها. إدمان؟ التغلب عليه؟ عاد؟ كل هذه الكلمات كانت ترن في رأسها كصواعق. لم يكن الأمر مجرد ضغوط عمل، لم يكن مجرد قلق. كان أحمد يعاني من شيء أعمق، شيء كان يخفيه عنها، شيء كان يهدد علاقتها به.

بعد انتهاء المكالمة، جلست نور في صمت، تفكر. حاولت أن تسترجع كل المواقف، كل اللحظات التي بدت فيها غريبة. كانت الألعاب هي السبب. الهروب إلى عالم افتراضي، بعيداً عن مشاكل الواقع، وربما بعيداً عن التزاماته تجاهها.

اتصلت بأحمد. كان صوته متعباً. "أحمد، أين أنت؟"

"في المنزل، نور. كنت أرتاح قليلاً."

"هل أنت بخير؟" سألت، وحاولت أن تبدو طبيعية قدر الإمكان، تخفي القلق الذي كان يعتصر قلبها.

"نعم، بخير. فقط متعب."

"أحمد، متى ستخبرني بالحقيقة؟" قالت نور فجأة، ولم تستطع كبت مشاعرها أكثر.

سكت أحمد. كان صمته أبلغ من أي كلام. "ما هي الحقيقة التي تقصدينها يا نور؟" سأل بهدوء، لكن صوته كان يحمل نبرة من الخوف.

"أتحدث عن الإدمان، أحمد. عن الألعاب الإلكترونية. عن هروبك."

تنهد أحمد بعمق. لم يكن لديه خيار سوى المواجهة. "نور، أنا..."

"أنا لم أعد أفهمك يا أحمد. كنت أظنك أقوى من هذا، كنت أظنك قادراً على التغلب على أي شيء. ولكن يبدو أن هناك شيئاً أعمق، شيئاً كنت تخفيه عني."

"لقد حاولت، نور. والله لقد حاولت." قال أحمد بصوت مكسور. "عندما تعرفت عليك، شعرت أنني وجدت النور الحقيقي، النور الذي سيخرجني من الظلام. ولكن في أوقات الضغط، في أوقات الوحدة، أعود إلى تلك العوالم. إنها مثل سحر، سحر ضعيف، لكني أجد نفسي لا أستطيع مقاومته."

"سحر؟ وهل هذا السحر أهم من مستقبلك؟ أهم من مستقبلي؟ أهم من زواجنا؟" سألت نور، وصوتها يرتجف. "أحمد، الحب الحقيقي يتطلب الصدق، ويتطلب المواجهة، لا الهروب."

"أعلم ذلك. وأنا آسف. آسف لأنني لم أكن صادقاً معك. آسف لأنني تركت هذا الشيء يسيطر عليّ."

"ماذا ستفعل الآن يا أحمد؟ هل ستترك هذا الشيء يدمر كل شيء؟"

كان السؤال معلقاً في الهواء، كالسيف المسلط على رقبة علاقتهما. نظر أحمد إلى السماء، إلى القمر الذي كان يشهد على حبهما، وعلى هذا الصراع المرير. كان يعرف أن نور تستحق الأفضل، وتستحق رجلاً كاملاً، لا نصف رجل يصارع أشباحه. كانت تلك اللحظة مفترق طرق. إما أن يتغلب على إدمانه، أو أن يخسر نور، ويخسر نفسه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%