الحب الحلال الجزء الثالث

جذور مشتركة وبذور شك

بقلم ليلى الأحمد

في صباح اليوم التالي، وبعد المكالمة الهاتفية التي جمعت السيد فؤاد بطارق، شعر كلاهما بنوع من الترقب. بالنسبة للسيد فؤاد، كانت الخطوة التي اتخذها تتجاوز مجرد البحث عن استشارة مالية، إنها اعتراف ضمني بقيمة الشاب الذي اعتنى بابنته. أما طارق، فقد شعر بتجدد الأمل في إمكانية بناء علاقة سوية مع والد ليلى، علاقة تسمح له برؤيتها والتحدث معها دون قيود.

حدد السيد فؤاد موعداً للقاء طارق في مكتبه الكبير الذي يطل على حديقة القصر. كان المكتب يعكس هيبة صاحبه، بأثاثه الفاخر وكتبه الثمينة، ولكنه كان أيضاً شاهداً على ساعات طويلة قضاها السيد فؤاد في التفكير واتخاذ القرارات. دخل طارق المكتب، وكان السيد فؤاد جالساً خلف مكتبه، يفرز بعض الأوراق.

"أهلاً بك يا طارق،" قال السيد فؤاد، ومد يده ليصافح طارق. كانت المصافحة قوية، تحمل نوعاً من الاحترام المتبادل الذي كان يفتقر إليه في لقاءاتهما السابقة. "شكراً لك على مجيئك بسرعة."

"على الرحب والسعة سيدي. أنا هنا للمساعدة."

بدأ السيد فؤاد بعرض تفاصيل صفقة الاستثمار، موضحاً الأرقام، والبنود القانونية، والمخاطر التي تقلقه. استمع طارق بانتباه، يسجل ملاحظاته بعناية. كانت لديه خبرة واسعة في تحليل الأسواق وتقييم المخاطر، وقد أدرك بسرعة أن مخاوف السيد فؤاد مبررة، ولكن الحلول ممكنة.

"سيدي،" قال طارق بعد أن انتهى السيد فؤاد من شرحه، "أرى أن المخاطر موجودة، ولكنها ليست غير قابلة للإدارة. العقود تحتاج إلى إعادة صياغة لبعض البنود، خاصة فيما يتعلق بالضمانات. يمكننا التفاوض على نسبة أقل من الفائدة المضمونة، مقابل إشراك الشركاء في بعض الأرباح المستقبلية."

بدأ السيد فؤاد في إظهار اهتمام أكبر. "هل تعتقد أن هذا سيقنعهم؟"

"أعتقد أنه سيجعلهم يشعرون بأنهم شركاء حقيقيون، وليس مجرد ممولين. كما أنني أقترح تنويع مصادر التمويل قليلاً، لتقليل الاعتماد على جهة واحدة."

تحدث طارق عن استراتيجيات بديلة، وعن كيفية الاستفادة من نقاط القوة التي يتمتع بها الاقتصاد المحلي. كان صوته هادئاً ومقنعاً، ورؤيته الثاقبة بدأت تذهل السيد فؤاد. لقد رأى في طارق الشاب الذي لم يكتفِ بالنجاح الشخصي، بل يسعى دائماً لإيجاد حلول تعود بالفائدة على مجتمعه.

"لقد أدهشتني يا طارق،" قال السيد فؤاد بصراحة، "لم أكن أتوقع هذه العمق في التحليل. بصراحة، كنت أظن أن الأمر أكثر تعقيداً."

"إنها مجرد نظرة من زاوية مختلفة، سيدي. وأنا سعيد بأنني أستطيع المساعدة."

أثناء حديثهما، دخلت ليلى إلى المكتب، تحمل معها صينية تحتوي على أكواب القهوة. توقف الحديث للحظة، وتبادل طارق وليلى نظرة سريعة. كانت نظرة تحمل الكثير من الكلمات غير المنطوقة، مزيج من المفاجأة، والفرح الخفي، والبعض من الحذر.

"تفضلوا سيدي، قهوتكم." قالت ليلى، وصوتها يحمل نبرة هادئة ولكن واثقة.

"شكراً لك يا ابنتي،" قال السيد فؤاد، ثم التفت إلى طارق، "ليلى، طارق هو الذي كان يقدم المشورة حول صفقة الاستثمار."

شعرت ليلى ببعض المفاجأة. لم تكن تعلم أن طارق سيشارك في هذا الأمر. "يسعدني ذلك يا طارق."

"وأنا أسعد برؤيتك ليلى،" أجاب طارق، مبتسماً.

وبعد أن غادرت ليلى المكتب، استأنف السيد فؤاد حديثه مع طارق. "لقد ذكرت ليلى قبل أيام أنها تفكر في المشاركة في حملة تطوعية لتعليم الأطفال في المناطق النائية. هل تعرف شيئاً عن هذه الحملات؟"

شعر طارق بالسعادة لسماع ذلك. "نعم، أعرف بعض الشيء. إنها مبادرة نبيلة جداً. أليست هي التي كانت تعمل في دار الأيتام سابقاً؟"

"نعم، هي نفسها. وأنا أخشى عليها من الإرهاق. ولكنها مصرة."

"قد يكون من الجيد أن تشارك. العطاء يفتح آفاقاً جديدة في النفس."

"ربما. ولكني أرى في عينيها شيئاً مختلفاً هذه الأيام. حلم ينمو، وشيء من القلق."

"ربما هي تبحث عن دور أكبر لها في الحياة، سيدي. وأنتم، كعائلة، يمكنكم دعمها في ذلك."

في هذه الأثناء، كانت ليلى تشعر بمزيج من المشاعر. رؤية طارق في مكتب والدها، يتحدثان في أمور العمل، كان أمراً مفاجئاً ولكنه مريح. شعرت أن الحواجز بدأت تتقلص، وأن الأمور تسير في اتجاه إيجابي. لكنها في الوقت نفسه، كانت تشعر ببذور الشك تتسلل إلى قلبها. هل كان هذا اللقاء مجرد عمل؟ أم أن هناك شيئاً أعمق؟

في الأيام التالية، استمر طارق في تقديم المشورة للسيد فؤاد. كانت اللقاءات متكررة، وفي كل مرة، كان السيد فؤاد يشعر بتقدير أكبر لذكاء طارق ونزاهته. حتى أنه بدأ يتحدث معه عن بعض الأمور الأسرية، وعن قلقه على ابنته.

"أنا قلق عليها يا طارق. إنها فتاة رقيقة، وأخشى أن يسيء البعض استغلال طيبتها."

"ليلى قوية يا سيدي، وهي تعرف ما تريد. والطيبون لا يسيء إليهم إلا من قلوبهم مريضة."

كانت هذه الكلمات مطمئنة للسيد فؤاد. بدأ يرى في طارق ليس فقط مستشاراً مالياً، بل صديقاً يمكنه أن يفهم مشاعره كأب.

من ناحية أخرى، كانت ليلى قد بدأت بالفعل في المشاركة في الحملة التطوعية. كانت تتنقل إلى قرية صغيرة في ضواحي المدينة، تقضي فيها ساعات تعلم الأطفال القراءة والكتابة والرسم. كانت سعادة الأطفال، وابتساماتهم البريئة، تمنحها شعوراً بالسعادة غامرة. ولكن في أوقات فراغها، كان عقلها يعود دائماً إلى طارق. كانت تتساءل عن تفاصيل حديثه مع والدها، وعن طبيعة علاقتهما المتطورة.

في أحد الأيام، أثناء عملها التطوعي، رأت طفلة صغيرة تحمل بين يديها دفتر رسم قديم، ترسم فيه منازل بسيطة وأشجاراً. اقتربت منها ليلى، وسألتها عن رسمتها.

"هذا بيتي،" قالت الطفلة بصوت خافت، "وهذه شجرتي المفضلة."

"جميلة جداً! هل ترسمين دائماً؟"

"أحب الرسم. ولكني لا أملك ألواناً كثيرة."

شعر قلب ليلى بالوخز. تذكرت كيف كانت تحب الرسم في صغرها، وكيف كانت تمتلك علبة ألوان كبيرة. قررت أن تفعل شيئاً.

في المساء، عادت ليلى إلى المنزل، وبدأت تجمع كل الألوان والأدوات الفنية التي لم تعد تستخدمها. في اليوم التالي، أعطتها لطفلة الرسم. ابتسامة الفرح التي ارتسمت على وجه الطفلة، كانت أثمن من أي شيء آخر.

كانت تلك اللحظات البسيطة، سواء في تفاعلها مع والدها، أو في عملها التطوعي، أو حتى في تذكرها لطارق، ترسم لوحة معقدة من المشاعر. جذورها العائلية كانت عميقة، لكن بذور الشك كانت تنمو أيضاً. هل كان طارق يرى فيها مجرد ابنة رجل أعمال؟ أم كان يرى فيها ليلى، الفتاة التي تحلم بالحب والعطاء؟ الأسئلة كانت تدور في رأسها، تنتظر إجابات لم تكن تعرف متى ستأتي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%