الحب الحلال الجزء الثالث
وهج الحقيقة في ليالي الشك
بقلم ليلى الأحمد
اشتدّ الليل على مدينة القاهرة، لم يكن سوى ستار أسود يلفّ بيوتاتها العريقة، لكنه كان ستارًا خفيفًا لدى عينيّ سارة. لم يكن الليل هو ما يقلقها، بل كان ما يطفو على سطحه من أفكار، أفكار بدأت تنخر في كيانها كالنمل الأبيض، تهدد أساس استقرارها الروحي والعاطفي. جلست في شرفتها المطلة على شارع هادئ، تتراقص الأضواء الخافتة من مصابيح الإنارة على وجهها الذي تكسوه مسحة من التفكير العميق. عطر الياسمين الذي اعتادت أن يملأ أنفاسها كان اليوم مشوبًا برائحة غريبة، رائحة الخوف من المجهول، ورائحة الشك الذي بدأ يتسلل إلى قلبها.
كانت كلمات عمّها، الحاج مصطفى، ترنّ في أذنيها كصيحات بعيدة: "يا ابنتي، إنّ الأقدار تأتي بأقنعة شتّى، فلا تنخدعي بالبريق الظاهر. ابحثي في الأعماق، فإنّ الحقيقة غالبًا ما تكون مدفونة تحت تراب الأوهام." كان ذلك في أعقاب لقاء عائلي حميم، لقاء أحدث شرخًا صغيرًا في جدار ثقتها ببعض الأمور التي كانت تبدو ثابتة كالجبال. لم تكن تعرف تحديدًا ما كان يقصده عمّها، لكنّ نبرته الجادّة، ونظراته المليئة بالحكمة، تركت أثرًا عميقًا فيها.
تذكرت تلك اللحظة التي رأت فيها عينيها لافتة إعلان عن "شركة الأمان العقارية" وهي تمرّ في سيارة أجرة مع شقيقها الأصغر، أحمد. لم يكن مجرد إعلان عادي، بل كان تصميمًا يلفت الانتباه، وصورة لشاب وسيم يبدو عليه الثراء والثقة، يبتسم ببرود. أسفل الصورة، كُتب اسم "طارق المحروقي – الرئيس التنفيذي". لم يكن الاسم جديدًا عليها، فقد سمعته مرارًا وتكرارًا من والدتها، التي كانت تبدي إعجابًا شديدًا به وبنجاحه. كانت والدتها تردد دومًا: "يا ليت ابنتنا سارة تجد زوجًا مثله، شاب طموح، ثري، يحسن تدبير أموره."
كان طارق المحروقي بالفعل مثالًا للنجاح في نظر كثيرين. شاب بدأ من لا شيء، بنى إمبراطورية عقارية في فترة وجيزة. قصصه انتشرت في أوساط الأعمال، تروي عن ذكائه الحاد، ورؤيته المستقبلية، وقدرته على اقتناص الفرص. لكنّ سارة، بطبيعتها الهادئة والمتأملة، لم تكن من المعجبين بالبريق الخارجي وحده. كانت تبحث عن المعدن الأصيل، عن القلب النقي، عن الروح التي تتناغم مع روحها.
ما زاد من قلقها هو تلك المحادثة التي دارت بين والدتها وعمتها، خديجة، قبل أيام. كانت تتظاهر بقراءة كتاب في غرفتها، لكنّ صوتيهما اللذين علا قليلاً وصلا إليها بوضوح. تحدثت عمتها خديجة، بصوتها الحاد، عن شائعات بدأت تدور حول طريقة طارق المحروقي في بناء ثروته. لم تفهم كل التفاصيل، لكنّ كلمات مثل "صفقات مشبوهة"، "تجاوزات قانونية"، و"ابتزاز" كانت كافية لتثير قلقها. حاولت والدتها أن تقلل من أهمية الأمر، قائلة: "هذه غيرة وحسد، يا خديجة. الناس لا يطيقون رؤية من ينجح." لكنّ رنين هذه الكلمات ظلّ معلّقًا في ذهن سارة، يتشابك مع نصيحة عمّها.
كانت تذكر أيضًا لقاءها القصير مع طارق قبل خطبتهما الرسمية. لم يكن لقاءً عميقًا، بل كان جزءًا من ترتيبات لزيارة عائلية. رأته حينها رجلًا أنيقًا، كلامه منمق، لكنّ عينيه كانت تخلو من الدفء الذي تبحث عنه. كان فيه شيء من الغرور، وشيء آخر أكثر تعقيدًا، شيء لم تستطع تحديده. هل كانت هذه مجرد أحكام مسبقة، أم أنّ حدسها كان ينبئها بشيء؟
شعرت بأنّ البوصلة الداخلية لديها بدأت تتجه إلى وجهة غير مألوفة. لطالما كانت تثق بوالدتها، لكنّ الأقاويل التي سمعتها، والنصيحة التي تلقّتها من عمّها، بدأت تخلق هوة بين ثقتها بوالدتها وبين رغبتها في معرفة الحقيقة. لم تكن تريد أن تفكر بسوء في خطيبها، ولم تكن تريد أن تسبب أي إزعاج لعائلتها، لكنّ الضمير كان يؤنبها. كيف لها أن ترتبط برجل قد لا تكون سيرته نقية؟ كيف لها أن تضع ثقتها الكاملة في شخص قد يخفي وراء واجهته اللامعة شيئًا مظلمًا؟
مدّت يدها إلى هاتفها، وقلبها يخفق بشدة. فكرت في الاتصال بصديقتها المقربة، لمياء. لكنّها ترددت. لمياء كانت من أشد المعجبين بطارق المحروقي، وكانت دائمًا ما تمدح ذكاءه وحنكته. قد لا تفهم لمياء قلقها، بل قد تسخر منه.
تنهدت بعمق، وأغلقت عينيها. في ذلك السكون، بدأت صور تتشكل أمامها. صور لوالدتها وهي تتحدث بحماس عن طارق، صور لخطيبها وهو يبتسم ببرود، وصورة لعمّها مصطفى وهو يشير بأصبعه نحو أعماق النفس. شعرت بأنّها تقف على مفترق طرق، طريق يبدو واضحًا وممهدًا، لكنّ ظلالًا غريبة ترتسم على جانباته، وطريق آخر غير مرئي، مليء بالغموض، لكنّه ربما يقود إلى نور الحقيقة.
ما زاد الطين بلة هو ذلك السؤال المفاجئ الذي طرحه عليها أحمد، شقيقها، قبل يومين. كانا يتحدثان عن ترتيبات زفافها، فقال أحمد، وهو يلعب بنظارته: "سارة، هل تعرفين ما هي صفقة طارق الكبرى القادمة؟ سمعت همسات في الجامعة عن مشروع ضخم سيقوم به، يبدو أنه سيعيد تشكيل جزء كبير من وسط البلد." لم يكن أحمد مهتمًا بالتفاصيل المالية، لكنّ كلمة "صفقة" و"همسات" أثارت انتباه سارة. لم ترد عليه، مكتفية بابتسامة باهتة، لكنّ السؤال ظلّ يتردد في رأسها. صفقة كبرى؟ ما هي؟ وهل لها علاقة بالشائعات التي سمعتها؟
جلست تسترجع كل كلمة، كل نظرة، كل همسة. بدأت خيوط الضعف تتسلل إلى قناعتها. لم تعد الصورة المثالية التي رسمتها في ذهنها لخطيبها تبدو ثابتة. هل كانت تضع كل ثقتها، كل مستقبلها، في رجل لا تعرفه حقًا؟ هل كانت عائلتها، بتركيزها على المظاهر والنجاح المادي، قد أوقعت بها في فخ؟
نهضت من مقعدها، وخطواتها باتت أكثر ثباتًا. لا يمكنها الاستمرار هكذا. يجب أن تعرف. يجب أن تتأكد. لم تكن تريد أن تكون حمقاء، ولا تريد أن تكون قاسية، لكنّها تريد أن تعيش حياتها في وضوح، مبنية على أسس متينة من الصدق والإيمان. نظرت إلى السماء التي بدأت تبدو أكثر صفاءً، تحمل في طياتها وعدًا بفجر جديد، فجر قد يكشف كل الحقائق، مهما كانت مؤلمة. شعرت بشيء من القوة يستيقظ بداخلها، قوة الحقيقة، قوة الروح التي لا تقبل الظلم أو الزيف. لقد قررت. لن تنتظر.