الحب الحلال الجزء الثالث

أشباح الماضي ولغة الغموض

بقلم ليلى الأحمد

استيقظت سارة في صباح اليوم التالي، لم تكن قد أغمضت لها عين، فقد ظلّت أفكار الليلة الماضية تلاحقها كأشباح تتجول في دهاليز العقل. كانت الشائعات، كلمات الأستاذ فؤاد، الدعوى القضائية القديمة، كلها بدأت تتشابك لتشكل صورة ضبابية، لكنّها مقلقة للغاية. شعرت بأنّها تقف في وسط عاصفة، والعاصفة بدأت تتكثف.

قررت سارة أن تتخذ خطوة جريئة، خطوة ربما تكون خطرة. لم تعد ترغب في الاعتماد على الآخرين. أرادت أن تعرف الحقيقة بنفسها. فكرت في طارق المحروقي. ما الذي يجعله يخفي حقيقته؟ هل يخفي شيئًا بالفعل؟ وبدأت تفكر في والدتها. لماذا لم تخبرها والدتها بأي شيء؟ هل كانت لا تعلم؟ أم أنّها كانت تعلم وتتجاهل؟

بعد تفكير طويل، قررت سارة أن تتصل بعمتها خديجة. عمتها خديجة، رغم حدة لسانها أحيانًا، كانت تتمتع بنظرة ثاقبة، ولم تكن تخشى قول ما تعتقد. ربما تكون عمتها هي المفتاح الذي ستقودها إلى الحقيقة.

عندما اتصلت بها، ردت عمتها خديجة بصوت مفاجئ. "أهلاً يا سارة، صوتك يبدو متعبًا. هل أنت بخير؟"

قالت سارة بتردد: "الحمد لله يا عمتي. أردت أن أسألك عن شيء، لو سمحتِ."

"تفضلي يا ابنتي، قولي ما في قلبك."

بدأت سارة تسأل عن طارق المحروقي، وعن تاريخ عائلته. كانت تعرف أن عائلة المحروقي عريقة، لكنّها أرادت معرفة التفاصيل.

قالت عمتها خديجة بعد صمت قصير: "عائلة المحروقي، نعم، كانت من العائلات الكريمة. لكنّ الأمور لم تعد كما كانت. طارق، هو حفيد العم الأكبر، رجل كان ذا نفوذ كبير، لكنّه كان معروفًا ببعض الأمور المشبوهة. يقال أنّه بنى ثروته على طرق غير مستقيمة. لقد حاول والده، رحمه الله، أن يبعده عن هذه السمعة، لكنّ طارق يبدو أنّه ورث شيئًا من جدّه."

كانت هذه الكلمات كالصاعقة لسارة. ورث شيئًا من جدّه؟ هذا ما كانت تخشاه. سألت عمتها بلهجة متوترة: "وماذا عن والدته؟ هل كانت تعلم؟"

"والدته، السيدة فاطمة، كانت دائمًا تخشى عليه. كانت تحاول أن توجيهه، لكنّ طارق كان عنيدًا. عندما بدأ يبني شركته، كانت والدته ترفض مساعدته في أي شيء يتعلق بالصفقات التي لم تكن واضحة. لكنّ طارق كان لديه قدرة على إقناع الناس، حتى والده لم يكن يوافق دائمًا على أساليبه، لكنّه لم يستطع إيقافه."

ازدادت حيرة سارة. لماذا لم تخبر والدتها بهذه التفاصيل؟ هل والدتها متورطة؟ أم أنّها تخشى إحداث فتنة؟

"عمتي، هل تعرفين عن أي صفقات محددة؟ أو أي مشاكل واجهت طارق في الماضي؟"

ترددت عمتها خديجة قليلاً. "اسمعي يا ابنتي، لا أريد أن أخوفك. لكنّ طارق، هو رجل ذكي جدًا، وقادر على التلاعب بالكلمات. لقد سمعت عن بعض الشركاء الذين اختفوا فجأة بعد التعامل معه. سمعت عن مطالبات مالية كبيرة لم يتم الوفاء بها. لكنّ كل هذا مجرد كلام، لا أملك دليلًا قاطعًا."

شكرت سارة عمتها، وأنهت المكالمة وقلبها مليء بالهم. كان هذا اللقاء بمثابة فتح باب آخر، باب أدى بها إلى المزيد من التساؤلات.

عادت سارة إلى غرفة الحاسوب. بدأت تبحث عن اسم "طارق المحروقي" وعن "شركته" مجددًا، لكن هذه المرة، بحثت عن أخبار قديمة، عن مقالات من سنوات مضت. وبصعوبة بالغة، عثرت على خبر صغير في صفحة أخبار محلية قديمة جدًا، يتحدث عن "اختفاء مفاجئ لرجل أعمال يدعى خالد المصري، كان لديه خلافات مع شريكه طارق المحروقي حول مشروع عقاري مشترك". اختفاء؟ هذا الكلمة تركت أثرًا مرعبًا في نفس سارة.

بدأت تتذكر وجه طارق الذي رأته في الإعلان. وجه مبتسم، يوحي بالثقة. لكنّ هذه الابتسامة لم تعد تبدو طبيعية. أصبحت تبدو مزيفة.

لم تستطع سارة تحمل هذا الضغط النفسي أكثر. قررت أن تواجه طارق. ليست بالاتهامات، بل بالأسئلة. تريد أن ترى رد فعله. تريد أن ترى ما إذا كان هناك أي أثر للحقيقة في عينيه.

اتصلت به، متظاهرة بأنّها تريد التحدث معه في أمور تتعلق بالزفاف. وافق على اللقاء بها في أحد المقاهي الهادئة عصر ذلك اليوم.

عندما وصل طارق، كان يرتدي بدلة أنيقة، ويبدو عليه الثراء والهدوء. لكنّ سارة لم تعد ترى هذا الهدوء كشيء إيجابي. بدأ بالحديث عن تفاصيل الزفاف، عن ترتيبات القاعة، عن قائمة المدعوين. كانت سارة تستمع بصمت، تحاول أن تجمع شتات أفكارها.

بعد لحظات من الصمت، قطعت سارة حديثه قائلة: "طارق، هل يمكنني أن أسألك سؤالًا شخصيًا؟"

نظر إليها بتعجب: "بالتأكيد يا عزيزتي."

"هل أنت سعيد؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة. "بالطبع. لماذا لا أكون سعيدًا؟ أملك كل ما أحلم به."

"ولكن... هل كل ما تملكه... حصلت عليه بطرق سليمة؟"

تغيرت نظرة طارق فجأة. ابتسامته اختفت، وحلّ محلها تعبير بارد. "ماذا تقصدين يا سارة؟"

"سمعت بعض الأقاويل، طارق. عن صفقاتك، وعن بعض الأشخاص الذين تضرروا منك."

تصلّب طارق. قال بصوت هادئ، لكنّ لهجة حادة: "هذه مجرد شائعات، سارة. ناس لا يريدون رؤية نجاحي. هل تصدقين كل ما تسمعين؟"

"لكنّ بعض هذه الأقاويل... تبدو خطيرة. مثل قضية خالد المصري."

عندما ذكرت اسم خالد المصري، بدا طارق وكأنّه قد صُعق. نظر إليها ببرود، ثم قال: "لم يكن بيني وبين خالد أي مشاكل. لقد كان شريكًا، ولكنه لم يكن ناجحًا مثلي. هذه قصص قديمة، ولا أظن أنّه من المناسب أن نتحدث عنها الآن."

شعرت سارة بأنّها قد وصلت إلى الحائط. ردّ طارق لم يكن مقنعًا. صمته المطبق عن اسم خالد المصري كان دليلًا أكبر من أي اتهام.

"لكنّك لم تنفِ الأمر بشكل مباشر، طارق."

نظر إليها طارق بنظرة حادة: "سارة، أنا أحبك، وأريد أن نبدأ حياتنا معًا بسعادة. لا تدعي هذه الأمور الصغيرة، هذه الشائعات، تفسد علينا. هل تريدين أن تبدئي حياتنا بالشك والاتهامات؟"

شعرت سارة بأنّها قد فقدت السيطرة. كل ما أرادته هو الحقيقة، لكنّ الحقيقة كانت تبتعد عنها، مختبئة وراء جدار من الغموض والصمت. شعرت بأنّها تقف وحدها في هذه المعركة، وأنّ كل من حولها إما متورط، أو صامت، أو يعيش في وهم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%