الحب الحلال الجزء الثالث
نزاع الضمير واختبار الإيمان
بقلم ليلى الأحمد
عادت سارة إلى منزلها، ووجدت والدتها في غرفتها، تقلب بين أوراق صور قديمة. استقبلتها بابتسامة دافئة، لكنّ سارة لم تستطع أن تبادلها تلك الابتسامة. شعرت بأنّها تحمل عبئًا ثقيلًا، عبئًا لم تعد قادرة على كتمانه.
"أمي، هل يمكنني أن أتحدث معكِ بصراحة؟" قالت سارة، وصوتها يرتجف قليلاً.
نظرت إليها والدتها باستغراب: "بالطبع يا ابنتي. ما الأمر؟ تبدين قلقة."
أخذت سارة نفسًا عميقًا، وبدأت تحكي لوالدتها كل ما سمعته، كل ما رأته، كل ما شعرت به. تحدثت عن كلام عمّها، عن نصيحة الأستاذ فؤاد، عن الهمسات التي سمعتها في شركة طارق، عن قضية خالد المصري، وعن رد فعل طارق نفسه.
كانت والدتها تستمع بصمت، وجهها الشاحب يعكس مزيجًا من الصدمة والقلق. وعندما انتهت سارة، بقيت الأم صامتة لبرهة، وكأنّها تبحث عن الكلمات المناسبة.
"يا ابنتي..." بدأت الأم بصوت متهدج. "أنا... أنا لا أعلم كل شيء. ما أعلمه هو أنّ طارق شاب نجح في حياته، وأنّ عائلته عريقة. ولكنّني كنت دائمًا أخشى عليه... كان دائمًا طموحًا جدًا، وربما... ربما أراد أن يثبت نفسه بأي ثمن."
"ولكن يا أمي، هل تعرفين عن خالد المصري؟ هل سمعتِ عن اختفائه؟"
نظرت الأم إلى عيني سارة، وقد امتلأت بالدموع. "لقد سمعت... بعض الأقاويل. لكنّني لم أرد أن أصدقها. طارق كان دائمًا يقول إنّها مؤامرات ضده. لم أكن أريد أن أفسد فرحتك، أو أن أسبب فتنة في العائلة."
"ولكن يا أمي، هذه ليست أمورًا صغيرة. هذه تتعلق بصدقه، بنزاهته، بل ربما بأرواح ناس!"
"أعلم يا ابنتي، أعلم. ولكنّني... كنت خائفة. خائفة من رد فعل طارق، وخائفة من رد فعل والده، وخائفة من أن تكون سمعة عائلتنا على المحك."
شعرت سارة بخيبة أمل كبيرة. والدتها، التي كانت دائمًا مصدر قوتها، بدت الآن ضعيفة، مغلوبة على أمرها، وخائفة.
"إذًا، أنتِ كنت تعلمين ببعض هذه الأمور؟" سألت سارة بنبرة حادة.
"لم أكن أعلم كل شيء بالتفصيل، يا سارة. لكنّني شعرت بأنّ هناك شيئًا ليس على ما يرام. لكنّني لم أرد أن أزعزع ثقتك."
"ولكنّكِ الآن، بدلاً من أن تقفي معي، بدأتِ تدافعين عن طارق."
"لم أدافع عنه يا ابنتي. أنا فقط... أقول لكِ ما كنت أشعر به. طارق لم يقم بأي شيء ضدك. هو لم يسيء إليكِ. ربما... ربما هذه الأمور كلها من الماضي."
"الماضي لا يختفي بهذه السهولة يا أمي. والأفعال لها عواقب."
شعرت سارة بأنّها في ورطة كبيرة. لم تعد تعلم لمن تثق. والدتها، التي كانت تعتقد أنها ملاذها، بدت الآن جزءًا من المشكلة.
في تلك اللحظة، دخلت السيدة ليلى، والدة سارة، إلى الغرفة. كانت تحمل في يدها ظرفًا مغلقًا. "سارة، وصل هذا البريد لكِ. أعتقد أنه من طارق."
فتحت سارة الظرف بيد مرتعشة. كان بداخله رسالة مكتوبة بخط أنيق، وخاتم ذهبي يحمل شعار "طارق المحروقي". بدأت تقرأ:
"سارة الحبيبة، اكتب إليكِ هذه الكلمات وقلبي يعتصر ألمًا. أدرك قلقك، وأعلم أن بعض الأقاويل قد وصلت إلى مسامعك. أعدكِ بأنّني سأكون صادقًا معكِ. نعم، لقد واجهت بعض الصعوبات في بداية مسيرتي المهنية. كانت الحياة قاسية، والطموح كان يحرقني. نعم، لقد اضطررت لاتخاذ بعض القرارات الصعبة. لكنّني لم أقم أبدًا بأي شيء يخالف القانون أو الشرع. خالد المصري... كان شريكًا لي، لكنّه اختفى لأسباب خاصة به، لم يكن لي علاقة بذلك. ربما بعض التجاوزات البسيطة، لكنّني تبت منها. أسأل الله أن يغفر لي. أرجو منكِ أن تثقي بي. أن تثقي بالحب الذي يجمعنا. لا تدعي الماضي يفسد حاضرنا ومستقبلنا. أريد أن أبني معكِ حياة هادئة، حياة مبنية على الحب والاحترام. غدًا، سأحضر إلى منزلكم. أريد أن أتحدث مع والدكِ، وأطلب يدكِ رسميًا، وأضع كل هذه الشكوك جانبًا. أتطلع إلى رؤيتكِ. زوجكِ المستقبلي، طارق."
قرأت سارة الرسالة مرة أخرى. الكلمات كانت تبدو جميلة، لكنّها لم تخفف من قلقها. "اغفر لي"؟ "بعض التجاوزات البسيطة"؟ هذه الكلمات لم تكن مطمئنة. شعرت بأنّ طارق يحاول أن يلعب على وتر العاطفة، وأنّ كلامه عن التوبة لم يكن نابعًا من قلب نادم حقًا، بل من رغبة في إغلاق الموضوع.
نظرت إلى والدتها، التي كانت تنظر إليها بترقب. "ماذا سنفعل يا أمي؟" سألت سارة.
"يا ابنتي، هذا قراركِ. أنتِ من ستحملين هذا الزواج. إذا كنتِ تشعرين بأنّ هناك شيئًا يزعجك، فلا تترددي في اتخاذ القرار الصحيح. لكنّي أقول لكِ، طارق رجل له مكانته، ووالده رجل له احترام كبير."
هذه الكلمات جعلت سارة تشعر باليأس. يبدو أنّ كل من حولها يضعون الاعتبارات الاجتماعية والمادية فوق الحقيقة والصدق.
"ولكن يا أمي، إذا كان طارق قد ارتكب أخطاء، أليست هذه مسؤوليتنا كمسلمين أن ننكر المنكر؟ أليس هذا ما علمنا إياه ديننا؟"
"نعم يا ابنتي، لكنّ هذا ليس طريقنا. لا نريد أن نفتح أبوابًا للصراعات. ربما، بعد الزواج، يتغير ويصبح أفضل."
"ولكن، كيف يمكن أن يتغير إذا لم يعترف بخطئه حقًا؟ إذا كان يعتبر التجاوزات البسيطة شيئًا عاديًا؟"
شعرت سارة بأنّها في صراع داخلي كبير. ضميرها يوبخها، وإيمانها يحثها على قول الحق، لكنّ كل الظروف المحيطة بها كانت تدفعها إلى الصمت والتنازل.
في تلك اللحظة، اتصلت بها لمياء، صديقتها المقربة. "سارة، كيف حالك؟ سمعت أنّ طارق سيأتي غدًا ليطلب يدكِ رسميًا. ألف مبروك!"
حاولت سارة أن تبدو طبيعية، لكنّ صوتها كان متعبًا. "شكرًا يا لمياء."
"لماذا صوتك هكذا؟ هل أنتِ بخير؟"
"بخير يا لمياء. فقط... بعض التعب."
"لا تقلقي، غدًا سيكون يومًا سعيدًا. طارق رجل رائع، ستكونين سعيدة معه."
أغلقت سارة الهاتف، وشعرت بأنّها وحيدة تمامًا. العالم من حولها كان يرى طارق كرجل ناجح، كرجل تستحق أن تتزوجه، لكنّها هي، بعينيها التي بدأت ترى ما وراء البريق، لم تعد ترى سوى الظلام.
نظرت إلى الرسالة مرة أخرى، ثم إلى والدتها. "أمي، أعتقد أنّني يجب أن أفعل ما يرضي الله، وليس ما يرضي الناس."
نظرت والدتها إليها بدهشة، وقالت: "ماذا تقصدين؟"
"أعتقد... أنني لا أستطيع أن أستمر في هذا الزواج."