الحب الحلال الجزء الثالث

غبار الأمس وأمل الغد

بقلم ليلى الأحمد

تسللت خيوط الشمس الأولى، تلك التي تخترق ستائر النسيج البالي، لتداعب وجه "نور" النائم. استيقظت "نور" على صوتٍ هادئٍ يتردد في أرجاء البيت، صوت والدتها "فاطمة" وهي تحضر الإفطار. في الأيام القليلة الماضية، كانت "نور" تشعر بأنها تعيش في عالمٍ آخر، عالمٍ يعج بالصمت والفراغ. فقدان "أحمد" كان جرحًا عميقًا، وفقدان والدها قبل عامٍ كان صدمةً أخرى. كانت تشعر بأنها محاطةٌ بظلالٍ من الحزن، وأن حياتها قد توقفت.

جلست "نور" على حافة سريرها، تتأمل الغرفة التي كانت يومًا مليئةً بضحكاتها البريئة، وبأحلامها الصغيرة. تذكرت كيف كانت "أحمد" يزورهم دائمًا، وكيف كان يجلس مع والدها يتحدثان عن المزرعة، وعن المستقبل. كانت تلك الأيام تبدو بعيدةً جدًا، كأنها روايةٌ قرأتها ذات يومٍ ولم تعد تتذكر تفاصيلها.

نهضت "نور" من سريرها، متوجهةً إلى المطبخ. وجدت والدتها "فاطمة" تحضر الشاي. كانت "فاطمة" امرأةً صبورة، تحمل في قلبها دفء العائلة، ولكنها كانت تشعر بحزنٍ عميقٍ على فقدان "أحمد"، وعلى ما تمر به ابنتها.

"صباح الخير يا أمي." قالت "نور" بصوتٍ خافت.

"صباح النور يا ابنتي. هل نمتِ جيدًا؟" أجابت "فاطمة" بابتسامةٍ باهتة.

"نعم يا أمي. هل هناك شيءٌ أستطيع مساعدتك فيه؟"

"لا يا حبيبتي. كل شيءٍ جاهز. اجلسي، لنفطر سويًا."

جلست "نور" مع والدتها، تتناولان إفطارهما بصمت. كانت كل منهما تفكر في الآخر، وتتساءل كيف ستتجاوز هذه المحنة. كانت "نور" تشعر بأنها المسؤولة عن والدتها وأختيها الصغيرتين، "سارة" و "ريم". بعد وفاة والدها، أصبحت هي السند الرئيسي للأسرة.

"هل سنذهب اليوم إلى بيت "أبو أحمد"؟" سألت "نور" كاسرةً الصمت.

"نعم يا ابنتي. لقد اتصل بي "أبو أحمد" صباحًا. يريدون أن يزورونا." أجابت "فاطمة".

"أتمنى أن يكونوا بخير." قالت "نور" ببعض القلق.

كانت "نور" تشعر بمودةٍ كبيرة تجاه "أم أحمد" و "أبو أحمد". لقد عرفوهما منذ طفولتها، وكانوا دائمًا مصدرًا للدفء والمساندة.

بعد الإفطار، بدأت "نور" في تجهيز نفسها. نظرت إلى مرآتها، فرأت وجهًا شاحبًا، وعينين تحملان آثار الحزن. تنهدت، وتذكرت كلمات والدها: "يا نور، أنتِ قويةٌ، فلا تسمحي للحزن أن يكسرك."

ارتدت "نور" ثوبًا بسيطًا، بلونٍ داكن، لكنه بدا عليها أنيقًا. كانت تبحث عن القوة في داخلها، عن الشرارة التي ستعيد إليها الحياة.

"هل أنتِ جاهزة يا "نور"؟" سمعت صوت والدتها.

"نعم يا أمي. أنا جاهزة."

انطلقت "نور" مع والدتها نحو بيت "أبو أحمد". كان الطريق يتخلله حقولٌ واسعة، تمتد حتى الأفق. كانت "نور" تتأمل المناظر الطبيعية، تحاول أن تجد فيها بعض الراحة.

عندما وصلتا إلى بيت "أبو أحمد"، استقبلتهما "أم أحمد" بابتسامةٍ دافئة. كان "أبو أحمد" جالسًا في الصالة، يتحدث مع "أبو نواف".

"أهلاً وسهلاً بكم. تفضلوا." قال "أبو أحمد" بترحيب.

جلست "نور" مع والدتها، وبدأت الأحاديث. كانت "أم أحمد" تسأل عن أحوالهم، وتطمئن عليهم. كانت "نور" تشعر بأنها بحاجةٍ ماسةٍ لهذه الزيارة، لهذه اللحظات من الألفة والدعم.

"كيف حالك يا "نور"؟" سألت "أم أحمد" بنبرةٍ حانية.

"بخير يا خالتي. الحمد لله." أجابت "نور".

"أعلم أنكِ تمرّين بوقتٍ عصيب. ولكن تذكري أنكِ لستِ وحدكِ. نحن جميعًا معكِ."

"شكرًا لكِ يا خالتي. هذا يعني لي الكثير."

تبادلت "نور" و "أم أحمد" نظراتٍ عميقة، نظراتٌ تعبر عن تضامنٍ وإخاء. كانت "أم أحمد" ترى في "نور" ابنتها، وكانت "نور" ترى في "أم أحمد" أمًا ثانية.

"سمعت أن "علي" جاء قبل أيام؟" سألت "أم أحمد" بتساؤل.

"نعم. لقد جاء لزيارتنا." أجابت "نور" بارتباك.

"وماذا كان رأيه؟" استفسرت "أم أحمد" بلهفة.

"لم يقل الكثير. كان يسأل عن أحوالنا." أجابت "نور" محاولةً تجنب الحديث عن "علي".

"أتمنى أن يكون طيب النية." قالت "أم أحمد" بنبرةٍ تحمل بعض القلق.

"لماذا تقولين ذلك؟" سألت "نور" متفاجئة.

"لا شيء يا ابنتي. فقط... "علي" لديه طموحاتٌ كبيرة. وأخشى أن يستغل هذا الوقت."

"لا يا خالتي. "علي" طيب. إنه يعرف أننا نمر بوقتٍ صعب."

"أتمنى ذلك." قالت "أم أحمد" بهدوء.

في تلك اللحظة، دخل "أبو نواف" إلى الغرفة. كان يبدو عليه القلق.

"أبو أحمد، لدي أخبارٌ ليست جيدة." قال "أبو نواف".

"ما هي يا أبا نواف؟" سأل "أبو أحمد" بقلق.

"لقد تلقيت اتصالًا من شخصٍ في المدينة. يقول أن هناك رجلًا يدعى "عصام" يسأل عن "نور" وعن أحوالها. ويدعي أنه صديقٌ قديم لـ "أحمد"."

تجمدت "نور" في مكانها. "عصام"؟ لم تسمع بهذا الاسم من قبل.

"صديقٌ لـ "أحمد"؟" سأل "أبو أحمد" باستغراب.

"نعم. ولكن هذا الرجل يبدو مشبوهًا. يقول أنه يريد أن يعرض على "نور" فرصة عملٍ في المدينة."

نظرت "أم أحمد" إلى "نور" بقلق. "فرصة عمل؟ في هذه الظروف؟"

"لا أعلم يا أبا نواف. قد يكون هذا مجرد سوء فهم." قال "أبو أحمد" محاولًا تهدئة الوضع.

"ولكن، لماذا يسأل عن "نور" بالتحديد؟ ولماذا لم يتواصل معنا؟" سألت "أم أحمد" بقلق.

"هذا هو ما يقلقني. يجب أن نكون حذرين." قال "أبو أحمد" بجدية.

نظرت "نور" إلى "أم أحمد" و "أبو أحمد". كانت تشعر بأن هناك شيئًا غريبًا يحدث. لم تكن تعرف شيئًا عن "عصام"، ولم يكن "أحمد" قد ذكر اسمه من قبل.

"ربما كان "أحمد" يعرفه." قالت "نور" بصوتٍ مرتجف.

"ربما. ولكن يجب أن نتأكد. لا يمكننا أن نترك "نور" في وضعٍ ضعيف." قال "أبو أحمد" بحزم.

شعرت "نور" بالبرد يسري في عروقها. كانت تأمل أن تجد بعض السلام والراحة في هذه الزيارة، ولكن يبدو أن هناك قوىً أخرى تحرك خيوط القدر.

"سأتحدث مع "علي". ربما يعرف شيئًا عن هذا "عصام"." قالت "نور" بحزم، مستذكرةً حديثها مع "أم أحمد" عن "علي".

"فكرةٌ جيدة." وافق "أبو أحمد". "ولكن كوني حذرة."

نهضت "نور" من جلستها، وقلبها يدق بعنف. كانت تشعر بأنها تقف على مفترق طرق، وأن عليها أن تختار طريقها بحكمة. لم تكن تعلم ما ينتظرها، ولكنها كانت على يقينٍ بأن عليها أن تكون قوية، وأن تحمي نفسها وعائلتها.

"سأذهب الآن، وأتحدث مع "علي". سأخبركم بما سأعرفه." قالت "نور" لوالدتها و "أم أحمد".

"كوني حذرة يا ابنتي." قالت "فاطمة" بقلق.

"لا تقلقي يا أمي. سأكون بخير." قالت "نور" بابتسامةٍ خفيفة، حاولت أن تبدو فيها قوية.

خرجت "نور" من بيت "أبو أحمد"، متوجهةً نحو بيت "علي". كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وتلقي بظلالٍ طويلةٍ على الأرض. كان غبار الأمس يتصاعد مع كل خطوة، ولكن "نور" كانت تشعر بأن هناك أملًا جديدًا في غدٍ قادم. أملٌ سيساعدها على تجاوز أحزانها، وعلى اكتشاف قوتها الحقيقية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%