الحب الحلال الجزء الثالث
متاهة الشك والبحث عن الأمان
بقلم ليلى الأحمد
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وترسل خيوطها الذهبية الأخيرة لتداعب قمم الجبال البعيدة، بينما كانت "نور" تسير بخطواتٍ متسارعةٍ نحو بيت "علي". في قلبها، كانت تتصارع مشاعرٌ متناقضة؛ القلق من هذا "عصام" الغامض، والحذر من نوايا "علي" التي وصفتها "أم أحمد" بأنها قد تكون غير بريئة، والأهم، الشعور بالمسؤولية تجاه أسرتها.
وصلت "نور" إلى بيت "علي"، وهو منزلٌ بسيطٌ يقع في أطراف القرية. طرق الباب، وبعد لحظاتٍ قليلة، فُتح الباب ليظهر "علي"، شابٌ في منتصف العقد الثالث، يرتدي ملابس العمل، وعلى وجهه تعابيرٌ تحمل مزيجًا من المفاجأة والفضول.
"نور! ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟" سأل "علي" بابتسامةٍ بدت في عينيه باردةً بعض الشيء.
"أهلاً بك يا "علي". هل تسمح لي بالدخول؟ لدي أمرٌ مهم أرغب في التحدث معك فيه." قالت "نور" بنبرةٍ تحمل جديةً واضحة.
"بالطبع. تفضلي." قال "علي" وهو يفسح لها المجال للدخول.
جلست "نور" في غرفةٍ متواضعة، زينت ببعض المفروشات البسيطة. كانت رائحة التبغ تفوح من المكان، مما زاد من شعور "نور" بالضيق.
"ما هو الأمر يا "نور"؟ يبدو أن هناك شيئًا خطيرًا." سأل "علي" وهو يجلس قبالتها، ويضع أمامه كوبًا من الشاي.
"لقد سمعت اليوم عن شخصٍ يدعى "عصام"، يسأل عني في المدينة. ويقول أنه صديقٌ لـ "أحمد"، ويريد أن يعرض عليّ فرصة عمل." قالت "نور" وهي تراقب ردة فعل "علي" عن كثب.
تغيرت ملامح "علي" للحظة، ثم عاد ليظهر عليها الهدوء المصطنع. "عصام؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل. هل أنتِ متأكدة؟"
"هذا ما قيل لي. ولكنني لا أعرف شيئًا عنه. ولم يذكره "أحمد" قط." قالت "نور" بتركيز.
"ربما كان "أحمد" يعرفه، ولم يذكر اسمه لكِ. فـ "أحمد" كان لديه الكثير من الأصدقاء في العمل." قال "علي" بنبرةٍ تبدو منطقية، ولكن "نور" شعرت فيها بشيءٍ من التردد.
"ولكن، هل تعرفه أنت؟ أو سمعت عنه؟" سألت "نور" مباشرة.
تردد "علي" قليلاً قبل أن يجيب. "همم... لا أعتقد. ولكن، يمكنني أن أسأل بعض الأشخاص في المدينة. ربما يعرفونه."
"هذا سيكون لطفًا منك." قالت "نور" وهي تشعر بأنها بدأت تغرق في متاهةٍ من الشكوك.
"ولماذا تسأل "أم أحمد" عني؟" سأل "علي" فجأة، بنبرةٍ تحمل اتهامًا مبطّنًا.
تفاجأت "نور" بالسؤال. "لم أسأل "أم أحمد" عنك. هي التي ذكرت أنك جئت قبل أيام."
"ولكنها تحدثت عني بطريقةٍ غير مطمئنة. أليس كذلك؟" قال "علي" بنظراتٍ حادة.
"هي فقط كانت قلقةً على أحوالنا." دافعت "نور" عن "أم أحمد".
"قلقة؟ أم تريد أن تتأكد من أنني لستُ خطرًا عليكِ؟" سأل "علي" بلهجةٍ لا تخلو من السخرية.
شعرت "نور" بالضيق. كان "علي" يوجه لها الكلام بطريقةٍ تجعلها تشعر بأنها متهمة. "يا "علي"، لا أفهم ما تقول. كل ما نريده هو الأمان لنا."
"الأمان؟" قال "علي" بضحكةٍ خفيفة. "الأمان يأتي بالقوة يا "نور". وبالسيطرة على الأمور. وأنا، كابن عمك، من واجبي أن أتأكد من أنكِ في أيدٍ أمينة."
"وهل أنتَ في وضعٍ يسمح لك بأن تكون حاميًا؟" سألت "نور" بجرأة، متذكرةً ما قالته "أم أحمد" عن طموحات "علي".
ارتبك "علي" للحظة، ثم استجمع نفسه. "أنا أفعل ما بوسعي. ولكن، "نور"، أنتِ في وضعٍ صعب. والدكِ قد رحل، وخطيبكِ قد مات. وأنا أريد فقط أن أرى مستقبلكِ آمنًا. وربما... ربما يمكننا أن نساعد بعضنا البعض."
نظرت "نور" إلى "علي" بذهول. هل كان يقصد ما تقوله؟ هل كان يعرض عليها مساعدته بطريقةٍ غير مباشرة؟
"ماذا تقصد بـ "مساعدتنا لبعضنا البعض"؟" سألت "نور" بحذر.
"أعني، أن الظروف قد تتغير. وأننا قد نجد أنفسنا في حاجةٍ إلى بعضنا البعض. خاصةً إذا كان هناك أشخاصٌ آخرون يريدون استغلالك." قال "علي" بلمحةٍ من الخبث في عينيه.
"أنا لستُ ضعيفة يا "علي". ولن أسمح لأحدٍ باستغلالي." قالت "نور" بثبات.
"لا أقصد أنكِ ضعيفة. ولكن، ربما تحتاجين إلى من يدعمك. إلى من يحميك. وأنا... أنا أرى فيكِ خيرَ شريكةٍ لحياتي. رجلٌ مثل "عصام" أو غيره، لن يفهمكِ كما أفهمكِ أنا."
كانت كلمات "علي" كصدمةٍ لـ "نور". لم تتوقع أبدًا أن يصل به الأمر إلى هذا الحد. كان يحاول استغلال ضعفها، واستغلال حزنها.
"يا "علي"، أنا لم آتِ إلى هنا لأسمع هذا الكلام. لقد جئت لأسألك عن "عصام". أما عن حياتي، فأنا قادرةٌ على تدبيرها بنفسي." قالت "نور" بنبرةٍ حاسمة، وقامت لتنهض.
"انتظري يا "نور"." قال "علي" وهو يمسك بذراعها. "لا تتعجلي. أنتِ في حاجةٍ إلى التفكير. "عصام" هذا، إذا كان حقًا يريد مساعدتك، فهو بالتأكيد لديه دوافعه. ومن يدري، ربما يريد أن يتزوجكِ."
"ماذا؟" صرخت "نور" بقوة. "هل جننت؟ أنا لم أره من قبل. وكيف لك أن تتهمه بهذه التهم؟"
"فقط أقول الاحتمالات. لا تجعلي قلبكِ يعميكِ يا "نور". فـ "أحمد" قد رحل. وعليك