الحب الحلال الجزء الثالث
ظل الشك يلقي بظلاله
بقلم ليلى الأحمد
كانت الأيام تتوالى على "نور" حاملةً معها ثقلًا لم تعهده من قبل. لم يعد سكون الليل هو الملاذ الوحيد لراحة بالها، بل أصبح مرتعًا للقلق يتسلل إلى أحلامها، ينسج خيوطًا من الشك حول علاقتها بـ "أحمد". في البداية، كانت قادرة على تجاهل تلك الهمسات الداخلية، تلك التي كانت تثيرها في بعض الأحيان تصرفات أحمد المفاجئة أو صمته المطبق الذي كان يكسر حاجز الوضوح بينهما. لكن اليوم، بلغ الشك منها مبلغًا جعلها تعيد النظر في كل شيء.
بدأت القصة منذ بضعة أسابيع، حين لاحظت نور تغيرًا طفيفًا في سلوك أحمد. لم يكن تغيّرًا جذريًا، بل كان أشبه بتسلل غاز خفيف إلى جو الغرفة، لا تدركه إلا حين تبدأ أنفاسها بالاختناق. كان يكثر من الخروج متأخرًا، يبتكر أعذارًا واهية، ويده دائمًا ممسكة بهاتفه، تتسلل إليه نظرات سريعة، وشفرات ابتسامة عابرة لا تعرف مصدرها. في كل مرة كانت تسأله، كان يجيب بإجابات مقتضبة، ووجهه يحمل شيئًا من الانزعاج، كأنه يخشى أن تكشف كلماتها عن سرٍّ لم يكن ينوي إفشاءه.
تذكرت نور بوضوح تلك الليلة التي عاد فيها متأخرًا جدًا، بعد منتصف الليل. كان وجهه شاحبًا، وعيناه تحملان تعبًا غريبًا. حين سألته عن سبب تأخره، قال إن اجتماعات العمل كانت مطولة. لكن نور، التي تعرف أحمد جيدًا، أدركت أن هناك ما هو أبعد من اجتماعات العمل. كانت تعرف كيف يبدو أحمد منهكًا بعد يوم عمل شاق، ولكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف. كان هناك توتر غامض، وندى بارد على جبينه لا علاقة له بالطقس.
لم تكن نور من النوع الذي يبحث في تفاصيل حياة الآخرين، ولكن حبها لأحمد جعلها قلقة. كانت تخشى عليه، وتخشى على علاقتهما التي بدأت تتفتح كزهرة يانعة في بستان الأمل. في أحد الأيام، بينما كان أحمد في الخارج، طلبت من أختها "ليلى" أن تمر بها. ليلى، بخبرتها الحياتية وذكائها الحاد، كانت دائمًا ملاذ نور في أوقات الحيرة.
جلست ليلى في صالون منزل نور، وأمامها كوب من الشاي الدافئ. بدأت نور تسرد مخاوفها، والكلمات تخرج منها مترددة، كأنها تخشى أن تصدق نفسها. "لا أعرف يا ليلى. أشعر أن أحمد يخفي شيئًا. تصرفاته تغيرت، وصمته يزداد."
نظرت ليلى إليها بعينيها الثاقبتين، وقالت بهدوء: "نور، أنتِ تعرفين أحمد أكثر مني. ولكن هل لديكِ دليل؟ هل رأيتِ شيئًا ملموسًا؟"
هزت نور رأسها: "لا، ليس لدي دليل. ولكن قلبي ينبئني. أشعر أن هناك أمرًا يثقل كاهله، وأنه لا يشاركني إياه. هذا الصمت، هذا الابتعاد... إنه يخلق فجوة بيننا."
تنهدت ليلى، ثم وضعت يدها على يد نور: "يا عزيزتي، الحياة ليست دائمًا بيضاء أو سوداء. أحيانًا، تكون هناك درجات من الرمادي. ربما يمر أحمد بضغوط عمل لا يريد أن يقلقك بها. ربما هناك أمر شخصي يحاول حله بمفرده."
"ولكنه لم يكن هكذا من قبل. كان دائمًا يشاركني أدق تفاصيل يومه، حتى أشدها إرهاقًا. الآن، أصبح الأمر مختلفًا. أصبح كالجدار الصامت الذي يفصل بيننا." كانت الدموع تتجمع في عيني نور، ولكنها حاولت كتمها.
"وما الذي يجعلكِ تفكرين في الأسوأ؟ هل لديكِ شكوك حول وفائه؟" سألت ليلى بحذر.
ارتعش صوت نور: "لا. لا أشك في وفائه. ولكن الشك الذي يقتلني هو أنني لستُ كافية له، أو أن هناك شيئًا في حياته لا يمكنني مشاركته. ربما هي مسؤولية كبيرة، أو خطأ ارتكبه، أو... أو شيء آخر."
في تلك الليلة، لم تستطع نور النوم. قلبت الوسادة عدة مرات، واستمعت إلى نبضات قلبها المتسارعة. كانت تتذكر حديثها مع ليلى، وتفكر في إمكانية أن تكون مبالغة. ولكن شعور عدم الارتياح كان أقوى من أي محاولة لتجاهله.
قررت نور أن تمنح أحمد مساحة، وأن تنتظر. ربما كان مجرد سوء فهم، أو مرحلة عابرة. ولكن مع مرور الأيام، ازدادت الأمور تعقيدًا. لاحظت نور أن هاتف أحمد أصبح شيئًا مقدسًا، يخفيه دائمًا، ويغلق شاشته فور انتهاء المكالمة، حتى لو كان يتحدث معها. في أحد الأيام، بينما كان أحمد يتوضأ لصلاة العشاء، سقط هاتفه على الأرض، وانفتحت شاشته. لم تستطع نور مقاومة فضولها الذي كان ينهشها. لم تكن تريد أن تتجسس، ولكن الشك كان قد استولى على عقلها.
نظرت إلى الشاشة، ورأت قائمة بالمكالمات. كانت هناك مكالمات ورسائل من رقم غريب، رقم لم تره من قبل. وكان اسم المسجل صغيرًا بجانب الرقم: "أمير". من هو أمير؟ ولماذا يتحدث أحمد معه بهذا القدر من السرية؟
انقبض قلب نور. لم تكن تتذكر أن أحمد قد ذكر اسم "أمير" من قبل. شعرت بأنها دخلت متاهة لا تعرف نهاية لها. هل كان "أمير" صديقًا قديمًا؟ أم زميل عمل؟ أم... أم شخص آخر؟
حين عاد أحمد، كانت نور تحاول جاهدة أن تبدو طبيعية، ولكن عينيها كانت تلمعان ببريق من القلق. في وقت لاحق من تلك الليلة، بينما كانا يستعدان للنوم، سألته نور ببساطة: "أحمد، من هو أمير؟"
تجمد أحمد في مكانه للحظة. رفع عينيه لينظر إليها، وكان وجهه خالٍ من التعبير. ثم قال ببرود: "شخص أعرفه."
"ولكنك تتحدث معه كثيرًا. وهاتفك... دائمًا مغلق." لم تستطع نور كتم نبرة صوتها التي حملت شيئًا من التوبيخ.
تنهد أحمد، ثم قال: "هذا عمل خاص، نور. لا يتعلق بكِ."
هذه الجملة الأخيرة ضربت نور كالصاعقة. "لا يتعلق بكِ." هذه الجملة كانت تعني الكثير. كانت تعني أن هناك عالمًا في حياة أحمد لا تشاركه فيه، وأنها ليست جزءًا منه. شعرت بأن الجدار بينهما قد ازداد ارتفاعًا، وأن الظل الذي كان يلقي بظلاله أصبح الآن كثيفًا، يكاد يخنقها.
في تلك الليلة، لم تنم نور. استلقت بجوار أحمد، تسمع أنفاسه المنتظمة، بينما كان قلبها يدق بعنف. شعرت بالوحدة والضياع. هل كان هذا هو الحب الذي كانت تتوق إليه؟ حب يحمل معه هذه الآلام وهذه الأسئلة المحيرة؟ هل كانت تفقد أحمد، ليس بسبب غدره، بل بسبب سرٍّ لم تستطع فهمه؟ كانت تعلم أن عليها مواجهة هذا الظل، ولكنها لم تكن تعرف كيف، أو إلى أين سيقودها هذا الطريق.