الحب الحلال الجزء الثالث

خيوط الماضي تتشابك

بقلم ليلى الأحمد

لم تكن ليالي نور هانئة منذ تلك الليلة. كلما حاولت إبعاد فكرة "أمير" عن رأسها، كانت تعود إليها كشبح مزعج، ينسج قصصًا من الخيال القاتم في عقلها. كان صمت أحمد، وبروده المفاجئ، أشبه بالوقود الذي يصب على نار الشك. كانت تراقبه، تبحث عن أي إشارة، أي كلمة، أي حركة قد تفسر ما يجري. لكن أحمد كان يبدو وكأنه يتقن فن إخفاء مشاعره، وإبقاء كل شيء تحت السيطرة.

في أحد أيام الجمعة، قررت نور أن تذهب لزيارة جدتها، السيدة "فاطمة"، التي تقطن في بيت قديم له عبق الذكريات في حيٍّ بعيد عن صخب المدينة. كانت جدتها امرأة حكيمة، وعيناها تحملان نورًا يتسلل من زمنٍ مضى، وتجارب حياتية صقلت شخصيتها. كانت السيدة فاطمة دائمًا ما تنصح نور، وتمنحها من حكمتها ما يخفف عنها همومها.

جلست نور بجوار جدتها على الأريكة العتيقة، وبدأت تسرد لها ما يجول في خاطرها، معتذرة في البداية عن ثقل الهموم التي ستلقيها على كاهلها. "يا جدتي، أشعر بأنني أضيع. أحمد، الذي أحببته كثيرًا، أصبح بعيدًا. أشعر بأنه يحمل سرًا، وأنه لا يريدني أن أعرف."

نظرت السيدة فاطمة إليها بابتسامة دافئة، ثم أمسكت بيدها. "يا نور، كل زواج، كل علاقة، تمر بمراحل. قد تكون هناك أوقات من الهدوء، وأوقات من العاصفة. والأهم هو كيف نتعامل مع هذه العواصف."

"ولكنني لا أفهم، يا جدتي. لا أفهم سبب هذا الصمت. لا أفهم من هو "أمير" الذي يتحدث معه بالسر. كلما سألته، أجابني بالهروب، أو باللامبالاة."

تنهدت السيدة فاطمة، وقالت: "الحياة ليست دائمًا مفاتيح جاهزة. أحيانًا، يجب أن نبحث عن هذه المفاتيح بأنفسنا. ولكن ليس بالطريقة التي قد تزيد الأمور سوءًا. التجسس، أو الضغط المستمر، قد يبني جدارًا أعلى بدلًا من هدمه."

"وماذا أفعل إذًا؟ أن أبقى صامتة بينما روحي تتآكل؟" سألت نور بلهجة فيها شيء من اليأس.

"ليس صامتة، يا بنيتي. ولكن بحكمة. هل فكرتِ، ولو للحظة، أن هذا السر قد يكون شيئًا يتعلق به هو شخصيًا؟ ربما مسؤولية، أو خطأ قديم، أو دين؟ قد يكون يحاول حمايتك من الهم. الرجال، في كثير من الأحيان، يحملون ثقل العالم على أكتافهم، ولا يريدون أن يشاطروا نساءهم آلامهم."

"ولكن هذا ليس أحمد الذي أعرفه، يا جدتي. أحمد كان دائمًا يشاركني كل شيء."

"نعم، كان كذلك. ولكن قد يكون هناك ما يجعله يشعر بأن هذه المرة مختلفة. ربما ماضٍ يعود ليطارده. هل سألتِ ليلى، أختك، إذا كانت لديها فكرة؟"

"سألتها. وهي تشجعني على الصبر، ولكنني لا أستطيع. أشعر بأنني على حافة الهاوية."

ابتسمت السيدة فاطمة وقالت: "الحكمة تأتي مع التجربة، يا نور. ربما هذا هو الوقت الذي يجب أن تختبري فيه حكمتك. هل تثقين بأحمد؟"

"أثق به... ولكن الشك يقتلني."

"الشك عدو لدود، يا ابنتي. وهو ينمو في أرض الصمت. حاولي أن تتحدثي إليه مرة أخرى، ولكن هذه المرة، ليس بسؤال مباشر عن "أمير"، بل عن حاله هو. اسأليه كيف يشعر. اسأليه إذا كان هناك شيء يقلقه. عبري له عن حبك وخوفك عليه، لا كاتهام، بل كشراكة."

تركت نور بيت جدتها محمّلةً بنصائحها الثمينة، ولكن القلق لم يفارق قلبها. في طريق عودتها، مرت بمسجد الحي، ودخلت لأداء صلاة العصر. وقفت أمام المحراب، وأسدلت دموعها على خديها. دعت الله أن يكشف لها الحقيقة، وأن يهدي أحمد، وأن يعيد السكينة إلى حياتها.

في الأيام التالية، حاولت نور اتباع نصيحة جدتها. لم تعد تفتح الموضوع بشكل مباشر، ولكنها كانت تحاول التحدث إلى أحمد عن مشاعره، عن يومه. كانت تحاول أن تخلق جوًا من الألفة والراحة، لتشجعه على الانفتاح. كانت تعد له وجباته المفضلة، وتجلس بجانبه حين يعود مرهقًا، لا لتسأله، بل لتمنحه دعمها الصامت.

لكن أحمد كان لا يزال بعيدًا. يبدو أنه غارق في عالمه الخاص. في إحدى الليالي، وبينما كان أحمد مستغرقًا في هاتفه، لاحظت نور اسمًا يظهر على الشاشة: "الشيخ يوسف". كانت هذه المرة مختلفة. لم يكن رقمًا مجهولًا، ولم يكن اسمًا غريبًا. كان الشيخ يوسف، إمام المسجد الذي يرتادونه.

ارتعش قلب نور. هل كان "أمير" هذا متعلقًا بالدين؟ بالمسجد؟ أم أن الشيخ يوسف هو "أمير"؟ لم تستطع ربط الأمور. ولكن ظهور اسم الشيخ يوسف أعطاها خيطًا جديدًا، وإن كان غامضًا.

في اليوم التالي، بعد صلاة الفجر، انتظرت نور حتى خرج الشيخ يوسف من المسجد. اقتربت منه بخجل، وقالت: "يا شيخ، أرجو المعذرة على إزعاجك. أردت أن أسأل عن أمرٍ يؤرقني."

نظر إليها الشيخ يوسف بابتسامة هادئة، وقال: "تفضلي يا ابنتي، ما الذي يقلقك؟"

"هل... هل أحمد بن عبد الله... هل هو من الأشخاص الذين تهتم بهم بشكل خاص؟ هل لديه مشكلة تحاولون مساعدته فيها؟" سألت نور، محاولةً ألا تبدو فضولية بشكل مبالغ فيه.

ابتسم الشيخ يوسف بتفهم، وقال: "أحمد شاب طيب، ولكنه يمر ببعض الظروف الصعبة. نعم، نحاول مساعدته قدر الإمكان."

"ظروف صعبة؟ هل... هل هي متعلقة بـ... بالمال؟" سألت نور، وتذكرت أن أحمد كان قد تحدث عن بعض الديون التي تراكمت عليه قبل زواجهما، ولكنه أكد لها أنه سيتمكن من تسديدها.

"نعم، يا ابنتي. جزء من الصعوبات متعلقة ببعض الأمور المالية القديمة. ولكن هناك أيضًا شيء آخر... شيء يتعلق بمسؤولية كبيرة كُلّف بها."

"مسؤولية؟" كررت نور، وهي تشعر بأنها تقترب من الحقيقة، ولكنها ما زالت بعيدة.

"نعم. مسؤولية تجاه أحدهم. شخص يحتاج إلى رعايته، وهو يشعر بثقل هذه المسؤولية." قال الشيخ يوسف، وهو يلقي نظرة حزينة.

"من هو هذا الشخص، يا شيخ؟" سألت نور بلهفة.

"هذا أمرٌ خاصٌ جدًا، يا نور. ولكن أستطيع أن أقول لكِ أن أحمد يحاول بصدق أن يقوم بما يجب عليه. لديه قلب طيب، ولكنه مثقل بالهموم. أدعي له بالتوفيق، وكوني سنده. الرجل يحتاج إلى من يقف بجانبه في مثل هذه الأوقات."

تركت نور المسجد وعقلها يعج بالأسئلة. "مسؤولية تجاه أحدهم." "شيء يتعلق بماضٍ." "أمور مالية قديمة." كانت هذه الكلمات تتشابك في رأسها، وترسم صورة غير مكتملة. هل كان "أمير" هذا هو الشخص الذي يتحدث عنه الشيخ يوسف؟ وهل كانت المشكلة بهذه الضخامة؟

عادت إلى منزلها، وجدت أحمد يجلس في الصالة، ينظر إلى الفراغ. بدت عليه علامات الإرهاق الشديد. جلست بجانبه، ولم تسأله أي سؤال. فقط وضعت يدها على يده.

"أحمد..." قالت بصوت ناعم، "إذا كان هناك شيء يزعجك، أو يثقل كاهلك، فأنا هنا. أنا زوجتك. شريكتك. مهما كان الأمر، سنواجهه معًا."

نظر إليها أحمد، ورأى في عينيها الصدق، والحب، والقلق. لم يرى اتهامًا، بل رأى دعمًا. شعر بأن الجدار الذي بناه حول نفسه بدأ يتصدع. تنهد بعمق، وقال بصوت مرتجف: "أنا... أنا آسف يا نور. كنت أحاول حمايتك."

"حمايتي من ماذا، أحمد؟" سألت بهدوء، مستعدة لسماع ما سيأتي.

بدا أحمد مترددًا، ثم قال: "هناك أمرٌ قديمٌ يا نور. أمرٌ من الماضي. يتعلق ب... بوالدتي."

كلمة "والدتي" جعلت نور تشعر بأنها تقترب أكثر. كانت تعرف أن والدة أحمد قد توفيت منذ سنوات، وأنها كانت مريضة. ولكن ما علاقة هذا بـ "أمير"؟ وما هي هذه المسؤولية؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%