الحب الخفي الجزء الثالث

رحلة الشفاء ورسائل القدر

بقلم ليلى الأحمد

توشحت سماء دمشق بغطاء من السواد المخملي، تتلألأ فيه نجومٌ كعيونٍ ساهرةٍ تراقب أحوال العباد. في تلك الليلة الهادئة، كانت غرفةُ ليلى أشبه بملاذٍ يتنفسُ عبقَ الياسمين، يحملُ معه أريجَ الذكرياتِ وعطرَ الأمل. منذُ خروجها من المستشفى، لم تفقد ليلى ذلك الرابطَ الروحيّ العميقَ الذي نسجتهُ مع أحمد. كان كلُّ نبضٍ في قلبها يشعرُ بحضورهِ، وكلُّ همسةٍ من نسيمِ الليلِ تحملُ إليهِ شوقها.

جلستْ على شرفةِ غرفتها، تتأملُ القمرَ الذي يبدو وكأنهُ يبتسمُ لها. في يدها، كانت تحتضنُ رسالةً ورقيةً قديمةً، تحملُ بين طياتها حكايةَ حبٍّ بدأتْ ببراءةٍ وتعمقتْ في صدق. كانت تلك الرسالةُ الأولى التي أرسلها إليها أحمد قبلَ وفاتهِ، مليئةً بكلماتٍ صادقةٍ ووعودٍ لم تتحقق. كلما قرأتها، شعرتْ بدفءٍ يسري في عروقها، كأنهُ لا يزالُ بجانبها، يهمسُ لها بكلماتِ الحنان.

"يا أحمد، أين أنت؟" همستْ بصوتٍ خافتٍ، تتسللُ إليهِ دمعةٌ نقيةٌ وترتسمُ على خدها. "لقد تركتني في دنيا لا معنى لها بدونك. لكنني أؤمنُ بقدرِ الله، وأؤمنُ بأنّ أرواحنا لم تنفصل."

في الجهةِ الأخرى من المدينة، كانَ مالكٌ يسيرُ في أزقةِ المدينةِ القديمةِ. كانَ وجههُ يعكسُ خليطاً من التأملِ والحيرة. لم يغبْ عن بالهٍ قطٍّ يومٌ واحدٌ من الأيامِ التي قضاها مع ليلى. كانَ يدركُ أنَّ مشاعرهُ تجاهها تجاوزتْ حدودَ الصداقةِ بكثير، وأنَّ قلبهُ قد اختارها دونَ إرادتهِ. لكنَّ قسوةَ الظروفِ التي حالتْ بينهما، والمصاعبُ التي عاشتها ليلى، كانتْ تُلقي بظلالِها على أيِّ محاولةٍ للتقربِ منها.

"كيفَ لي أنْ أُبادلها مشاعرَ أخٍ، وقلبي ينبضُ لها بحبٍّ يفوقُ كلَّ حدود؟" تساءلَ بصوتٍ مرتفعٍ، والصدى يرددُ كلماته بينَ الجدرانِ الحجريةِ. "هلْ منَ الممكنِ أنْ أُعيدَ بناءَ الثقةِ، وأنْ أُصلحَ ما كسرتهُ الأيام؟"

كانَ يعلمُ أنَّ سعادةَ ليلى هيَ أهمُّ شيءٍ لديه. كانَ يراقبها من بعيدٍ، يسعى جاهداً لتقديمِ المساعدةِ دونَ أنْ يشعرها بأيِّ ضغطٍ أو عبء. لقدْ أدركَ أنَّ شفاءها ليسَ مجردَّ شفاءٍ جسديٍّ، بلْ هوَ رحلةٌ نفسيةٌ عميقةٌ تتطلبُ الصبرَ والتفهم.

في تلكَ الليلةِ، وصلَ إلى هاتفهِ رسالةٌ نصيةٌ من رقمٍ غيرٍ معروف. فتحها بفضولٍ، وكانتْ تحملُ عباراتٍ غامضةً: "إنَّ القدرَ لهُ طرقٌ عجيبةٌ في لمّ الشتاتِ. راقبْ جيداً، فقدْ تكونُ الإجابةُ أقربَ مما تتخيل."

شعرَ مالكٌ بقشعريرةٍ تسري في جسدهِ. هلْ يمكنُ أنْ تكونَ هذهِ الرسالةُ دليلاً على شيءٍ ما؟ هلْ هناكَ منْ يعرفُ حقيقةَ ما يجري؟ لقدْ أصبحَ أسيراً لتساؤلاتٍ لا نهايةَ لها، وكلُّ منها يزيدُ من وطأةِ الشكِّ والفضولِ في نفسه.

في صباحِ اليومِ التالي، تلقتْ ليلى اتصالاً من طبيبها المعالج. كانَ صوتهُ يحملُ نبرةً مطمئنةً. "ليلى، لقدْ حققْتِ تقدماً ملحوظاً. جسدكِ يستجيبُ للعلاجِ بشكلٍ ممتاز، وروحكِ تتجددُ يوماً بعدَ يوم. أنا فخورٌ بكِ جداً."

ابتسمتْ ليلى بامتنان. "شكراً لكَ دكتور. لولا دعمكم ودعمُ عائلتي، لما كنتُ في هذا الحال."

كانتْ تعلمُ أنَّ الشفاءَ ليسَ سهلاً، وأنَّ هناكَ تحدياتٍ أخرى تنتظرها. لكنَّ هذهِ الأخبارَ الطيبةَ أعطتها دفعةً قويةً لمواصلةِ رحلتها.

بعدَ المكالمةِ، وبينما كانتْ تستعدُّ للخروجِ من غرفتها، لاحظتْ شيئاً غريباً على طاولةِ سريرها. كانتْ علبةٌ صغيرةٌ مزينةٌ بشريطٍ حريريٍّ. فتحتها ببطءٍ، لتجدَ بداخلها سواراً فضياً رقيقاً، مزيناً بحجرٍ كريمٍ لامعٍ. ومعَ السوارِ، كانتْ هناكَ بطاقةٌ صغيرةٌ عليها كلمةٌ واحدةٌ مكتوبةٌ بخطٍّ أنيقٍ: "صبراً".

لم تعرفْ منْ أرسلها. هلْ هوَ مالكٌ؟ أمْ شخصٌ آخر؟ تذكرتْ الرسالةَ الغامضةَ التي تلقاها مالكٌ. هلْ هناكَ قوى خفيةٌ تعملُ في الخفاءِ لمساعدتها؟

قبضتْ على السوارِ بيدٍ مرتعشةٍ، وشعرتْ بأنهُ لم يكنْ مجردَ هدية، بلْ كانَ رسالةً صامتةً تحملُ وعداً ببدايةٍ جديدة. نظرتْ نحو النافذة، حيثُ كانتْ أشعةُ الشمسِ الذهبيةُ تتسللُ لتُضيءَ أركانَ الغرفة. بدأتْ تشعرُ بأنَّ الأملَ يتسللُ إلى قلبها، وأنَّ المستقبلَ، رغمَ غيومِ الماضي، قدْ يحملُ لها نوراً ينتظرها.

لم تكنْ تعرفُ ما يخبئه لها الغد، لكنها كانتْ مستعدةً لمواجهته. لقدْ اكتشفتْ في داخلها قوةً لم تكنْ تتوقعها، قوةً مستمدةً من حبِّ منْ رحلوا، ومنْ اهتمامِ منْ بقوا. شعرتْ بأنَّ حياتها لم تعدْ مجردَ ظلٍّ لأحلامٍ قديمة، بلْ أصبحتْ لوحةً تتشكلُ بألوانِ الحاضرِ، وبوعدِ المستقبل.

*

في تلكَ الليلةِ، وبعدَ وصولِ الرسالةِ الغامضةِ، لم يغمضْ لمالكٍ جفنٌ. كانَ يجلسُ في مكتبهِ، والضوءُ الخافتُ للمصباحِ يُضيءُ وجههُ المتعب. لقدْ أصبحَ أسيرَ شبكةٍ منَ الأسرارِ والشكوك. منْ هوَ مرسلُ الرسالة؟ وماذا تعني كلماتها؟

كانَ يدركُ أنَّ هناكَ منْ يراقبُ ليلى، وربما يراقبُه هوَ أيضاً. لم يكنْ الأمرُ يتعلقُ بمجردِ قصةِ حبٍّ، بلْ امتدَّ ليشملَ قوى أكبرَ ربما.

تذكرَ حديثَهُ الأخيرَ معَ جدتهِ، السيدةَ فاطمة. كانتْ قدْ حذرتْهُ منْ أنَّ بعضَ الأقدارِ تكونُ متشابكةً بطرقٍ لا يتوقعها المرء، وأنَّ الحقيقةَ قدْ تكونُ مدفونةً تحتَ طبقاتٍ منَ الخداع. هلْ كانتْ جدتهُ على علمٍ بشيءٍ لم يُخبرهُ به؟

بينما كانَ غارقاً في أفكارهِ، سمعَ طرقاً خفيفاً على بابِ مكتبهِ. كانَ خادمهُ الأمين، علي. "سيدي، لقدْ وصلَ ساعي بريدٍ بأمانةٍ خاصةٍ لك."

أخذَ مالكٌ الأمانةَ، وكانتْ عبارةً عنْ ظرفٍ سميكٍ مختومٍ بختمٍ غريبٍ لم يرَهُ من قبل. فتحهُ ببطءٍ، ليجدَ بداخلهِ بضعَ أوراقٍ قديمةٍ، ونسخةً منَ الوصيةِ الأولى لجدتهِ، السيدةَ فاطمة.

بدأتْ عيناهُ تتجولانُ في السطور، وعندما وصلَ إلى بندٍ محددٍ، توقفَ قلبهُ للحظة. كانتِ الوصيةُ تتحدثُ عنْ وجودِ صندوقٍ سريٍّ، مخبأٍ في مكانٍ آمنٍ، يحتوي على أسرارٍ عائليةٍ قديمةٍ. لم يكنْ مالكٌ يعرفُ شيئاً عنْ هذا الصندوق.

"لا بدَّ أنَّ هذا الصندوقَ يحملُ مفتاحَ اللغز،" تمتمَ بصوتٍ خافتٍ. "لا بدَّ أنَّ فيهِ إجاباتٍ لتساؤلاتي، وربما حتى عنْ سرِّ هذهِ الرسائلِ الغامضة."

شعرَ بأنَّ رحلةً جديدةً بدأتْ، رحلةً ليستْ بالسهلة، ولكنها ضروريةٌ لكشفِ الحقيقة. لقدْ أصبحتْ لديهِ مهمةٌ واضحة: البحثُ عنْ هذا الصندوقِ السريّ.

نظرَ إلى صورةِ ليلى التي كانتْ موضوعةً على مكتبهِ. "سأفعلُ كلَّ ما بوسعي لأحميكِ، وليلى. سأكشفُ كلَّ الأسرارِ التي تهددُ سعادتنا."

في تلكَ اللحظةِ، شعرَ مالكٌ بقوةٍ جديدةٍ تتدفقُ فيه. لم يعدْ مجردَ رجلٍ يحبُّ امرأةً، بلْ أصبحَ حارساً لأسرارٍ قديمةٍ، ومقاتلاً من أجلِ مستقبلٍ مشترك. كانتِ الليالي القادمةُ ستكونُ مليئةً بالمفاجآتِ، وبالكشفِ عنْ حقائقَ قدْ تُغيرُ مجرى حياتهم جميعاً.

*

نظرتْ ليلى إلى السوارِ الفضيٍّ في يدها. كانَ بارداً على بشرتها، لكنَّه حملَ دفئاً غيرَ مرئي. "صبراً،" همستْ. "نعم، سأصبر."

بعدَ أنْ استعادتْ بعضاً من قوتها، قررتْ أنْ تبدأَ في استعادةِ بعضٍ من ذكرياتها المفقودة. كانتْ تعرفُ أنَّ هناكَ جزءاً منها ظلَّ محجوباً، وأنَّ فهمَ ماضيها قدْ يكونُ مفتاحاً لفهمِ حاضرها.

أثناءَ تصفحها لبعضِ الكتبِ القديمةِ في مكتبةِ منزلها، عثرتْ على مذكراتٍ بخطٍّ يدويٍّ لم ترَهُ من قبل. كانتْ تخصُّ والدتها الراحلة. بحذرٍ، فتحتْ المذكرات، وبدأتْ تقرأ.

كانتِ الكلماتُ الأولى تحملُ عبقَ الحبِّ والحنان، وصفحاتٍ منَ السعادةِ الهادئة. لكنَّها سرعانَ ما تحولتْ إلى كلماتٍ تعكسُ القلقَ والغموض. ذكرتْ والدتها شيئاً عنْ "خطرٍ يتربصُ بالعائلة"، وعنْ "سرٍّ يجبُ حمايتهُ بأيِّ ثمن".

"أتمنى أنْ لا تضطرَّ ابنتي أبداً لمعرفةِ حقيقةِ هذا السرّ،" قرأتْ ليلى. "ولكن، إنْ حدثَ، فيجبُ أنْ تكونَ قويةً بما يكفي لمواجهته."

شعرتْ ليلى بأنَّ هناكَ شبهاً غريباً بينَ ما تقرأهُ وبينَ ما تعيشه. هلْ كانَ السرُّ الذي كانتْ والدتها تتحدثُ عنه هوَ نفسه الأسرارُ التي كانتْ تحيطُ بعلاقتها بأحمد؟

في إحدى الصفحاتِ، وجدتْ ليلى رسماً صغيراً لوالدتها، وابتسامةٌ حانيةٌ ترتسمُ على وجهها. تحتَ الرسم، كُتبتْ عبارةٌ واحدةٌ: "أمانةٌ بينَ يديكِ يا صغيرتي."

لم تفهمْ ليلى معنى هذهِ الكلماتِ تماماً، لكنها شعرتْ بأنها تحملُ ثقلاً كبيراً. لقدْ أدركتْ أنَّ هناكَ طبقاتٍ منَ الأسرارِ تتكشفُ أمامها، وأنَّ حياتها لم تكنْ مجردَ قصةِ حبٍّ بسيطة، بلْ كانتْ جزءاً منَ ماضٍ معقدٍ ومتشابك.

نظرتْ إلى السوارِ مرةً أخرى. "صبراً،" كررتْ. "سأكونُ قويةً. سأفهمُ هذا السرّ."

كانتْ تشعرُ بأنَّها تسيرُ على حافةِ هاويةٍ، ولكنها في نفسِ الوقتِ، تشعرُ بتزايدِ القوةِ الداخلية. لقدْ أصبحتْ مستعدةً لمواجهةِ أيِّ شيءٍ قدْ يأتي، مدفوعةً بحبٍّ عميقٍ للأشخاصِ الذينَ فقدتهم، وشوقٍ لا ينتهي للقاءِ منْ تحب.

*

في قلبِ الليلِ، بينما كانتْ المدينةُ نائمةً، كانَ مالكٌ يقومُ بالبحثِ عنْ أولِ دليلٍ يقودهُ إلى الصندوقِ السريّ. لقدْ استنتجَ منْ تحليلِ الوصيةِ الأولى للسيدةِ فاطمة، ومنْ بعضِ الوثائقِ القديمةِ التي حصلَ عليها، أنَّه يجبُ عليهِ البحثُ عنْ "عينِ الصقر" في منزلِ العائلةِ القديم.

كانَ هذا المنزلُ، الذي لم يزرْهُ مالكٌ منذُ سنواتٍ طويلة، يحملُ ذكرياتٍ مختلطةً بينَ الطفولةِ والأسى. كانتِ السيدةُ فاطمة، جدتهُ، قدْ تركتهُ لأسبابٍ لم يفهمها في حينها.

وصلَ مالكٌ إلى المنزلِ، وكانَ الظلامُ يلفُّهُ. كانتِ النجومُ تتناثرُ في السماءِ كحباتِ ألماسٍ مبعثرةٍ. دخلَ بحذرٍ، وصوتُ خطواتهِ يترددُ في أرجاءِ المكانِ الصامت. كانتِ الأثاثُ مغطىً بالأغطيةِ البيضاء، كأشباحٍ جامدةٍ في جوٍّ منَ الخوفِ والترقب.

بعدَ بحثٍ دقيقٍ في الغرفةِ الرئيسية، التي كانتْ غرفةَ جدتهِ، وجدَ مالكٌ تمثالاً صغيراً لصقرٍ على رفٍّ خشبيٍّ قديم. كانَ التمثالُ دقيقَ الصنع، وعيناهُ تبدوانِ وكأنهما تتوهجانِ في الظلام.

"عينُ الصقر،" تمتمَ. "هذهِ هيَ الإشارة."

نظرَ حولهُ، باحثاً عنْ أيِّ تفصيلٍ قدْ يكونُ مخفياً. لمحَ في قاعدةِ التمثالِ نقشاً صغيراً. دققَ النظر، فوجدَ أنهُ ليسَ مجردَ نقش، بلْ هوَ زرٌّ صغيرٌ. ضغطَ عليهِ برفقٍ.

حدثَ صوتُ طقطقةٍ خفيفة، وانفتحَ جزءٌ منَ الرفِّ الخشبيٍّ، ليكشفَ عنْ تجويفٍ صغيرٍ مخفيّ. في الداخل، وجدَ مالكٌ علبةً معدنيةً صغيرةً، مزينةً بنقوشٍ عربيةٍ قديمة.

"هذا هوَ الصندوق،" قالَ بصوتٍ يحملُ مزيجاً منَ الإثارةِ والرهبة.

فتحَ العلبةَ ببطءٍ. لم يكنْ يتوقعُ ما سيجدهُ بداخلها. لم تكنْ وثائقَ أو مجوهرات، بلْ كانتْ عبارةً عنْ مجموعةٍ منَ الرسائلِ المكتوبةِ بخطٍّ يدويٍّ متقنٍ، ورسمٍ قديمٍ لعائلةٍ لا يعرفها، وصورةٍ باهتةٍ لامرأةٍ جميلةٍ تحملُ ملامحَ غريبةً.

بدأَ يقرأُ الرسائلَ. كانتْ تتحدثُ عنْ قصةِ حبٍّ ممنوعٍ، وعنْ عائلةٍ انقسمتْ بسببِ خلافاتٍ عميقةٍ. كانتِ الرسائلُ تشيرُ إلى "سرٍّ عائليٍّ قديم"، وإلى "تضحياتٍ يجبُ أنْ تُدفعَ ثمناً للحفاظِ على السمعةِ".

كانَ مالكٌ يدركُ أنَّ هذهِ الأسرارَ قدْ تكونُ مرتبطةً بحياةِ ليلى، وبماضيها الغامض. هلْ كانتْ والدةُ ليلى جزءاً منْ هذهِ القصةِ؟ هلْ كانَ سببُ ابتعادِ جدتهِ عنْ المنزلِ مرتبطاً بهذهِ الأسرار؟

بينما كانَ يقلبُ في إحدى الرسائل، سقطتْ ورقةٌ صغيرةٌ منْ بينها. كانتْ ورقةً قديمةً، وعليها اسمٌ غريبٌ مكتوبٌ بالحبرِ الأرجوانيّ. تحتَ الاسم، كانتْ هناكَ عبارةٌ واحدةٌ: "أمانةٌ في يدِ الغريب."

شعرَ مالكٌ بصدمةٍ باردةٍ تسري في جسده. هلْ كانَ هوَ "الغريب" المقصود؟ هلْ كانَ قدرهُ أنْ يكونَ مفتاحَ حلِّ لغزٍ قديمٍ؟

لقدْ أصبحتْ الأمورُ أكثرَ تعقيداً مما كانَ يتخيل. لم يعدْ الأمرُ يتعلقُ بمجردِ الحبِّ، بلْ امتدَّ ليشملَ تاريخَ عائلتينِ، وأسراراً قدْيمةً كانتْ مدفونةً في طياتِ الزمن.

*

بينما كانَ مالكٌ يبحثُ عنْ الأدلةِ في منزلِ العائلةِ القديم، كانتْ ليلى تعيشُ لحظاتٍ منَ الهدوءِ النسبيّ. كانتْ تقضي وقتها في حديقةِ منزلها، تستمتعُ ببرودةِ المساءِ ورائحةِ الزهور.

في إحدى الأمسيات، بينما كانتْ تجلسُ بجوارِ نافورةٍ صغيرةٍ، لاحظتْ وجودَ طائرٍ صغيرٍ يقفُ على حافةِ النافورة. كانَ الطائرُ يحملُ في منقارهِ شيئاً لامعاً. بعدَ لحظاتٍ، أسقطَ الطائرُ ما كانَ يحملهُ على مقربةٍ منها، ثمَّ طارَ بعيداً.

اقتربتْ ليلى بحذرٍ، لتجدَ شيئاً صغيراً يشبهُ قلادةً صغيرةً، مصنوعةً منَ المعدنِ اللامع. كانتِ القلادةُ على شكلِ ورقةِ شجرٍ، وعليها نقشٌ دقيقٌ.

"ما هذا؟" تساءلتْ بصوتٍ هامسٍ.

أخذتْ القلادةَ، وشعرتْ بأنها مألوفةٌ بطريقةٍ ما. بدأتْ تتذكرُ لمحاتٍ منْ طفولتها، صوراً لوالدتها وهيَ ترتدي قلادةً مشابهةً.

"هلْ كانتْ هذهِ قلادةَ أمي؟"

نظرتْ إلى النقشِ على القلادة، فوجدتْ أنهُ يحملُ رمزاً غريباً، يشبهُ حرفاً منَ الأبجديةِ القديمة.

في تلكَ اللحظة، سمعتْ صوتاً خفيفاً يأتي منْ خلفِ شجيراتِ الياسمين. استدارتْ، لتجدَ السيدةَ فاطمة، جدةَ مالكٍ، واقفةً أمامها.

"ليلى، يا ابنتي،" قالتْ بصوتٍ هادئٍ، يحملُ نبرةً منَ الحزنِ العميق. "لقدْ كنتُ أراقبكِ."

"جدتي فاطمة؟" قالتْ ليلى بتعجبٍ. "لم أكنْ أعرفُ أنكِ هنا."

"كنتُ أراقبُكِ منْ بعيد، يا ابنتي. كنتُ أنتظرُ اللحظةَ المناسبةَ لأتحدثَ معكِ."

اقتربتْ السيدةُ فاطمة، وجلستْ بجوارِ ليلى. نظرتْ إلى القلادةِ في يدها. "هذهِ القلادةُ تحملُ سراً قديماً، يا ليلى. سراً يتعلقُ بعائلتكِ، وبعائلتي."

بدأتْ السيدةُ فاطمةُ تحكي قصةً متشابكةً، قصةَ حبٍّ قديمٍ، وتضحياتٍ، وانقساماتٍ عائليةٍ. تحدثتْ عنْ علاقةٍ كانتْ تربطُ بينَ والدتها، ووالدِ مالك. تحدثتْ عنْ سرٍّ عائليٍّ طُمسَ عبرَ السنين، وعنْ سوءِ فهمٍ أدى إلى فراقٍ مؤلم.

"والدتكِ، رحمها الله، كانتْ امرأةً قويةً وحكيمةً،" قالتْ السيدةُ فاطمة. "لقدْ تركتْ لكِ هذهِ القلادةَ كدليلٍ، كرسالةٍ صامتةٍ. هيَ تعلمُ أنَّ القدرَ سيجمعُنا في يومٍ ما."

شعرتْ ليلى بأنَّ عقلها يمتلئُ بالتساؤلاتِ. كلُّ كلمةٍ كانتْ تسمعها تفتحُ باباً لطبقةٍ جديدةٍ منَ الأسرار. لقدْ أدركتْ أنَّ قصةَ حبها معَ أحمد، ومعاناتها، لم تكنْ مجردَ أحداثٍ عشوائية، بلْ كانتْ جزءاً منَ نسيجٍ أكبرَ وأكثرَ تعقيداً.

"ولكن، لماذا كلُّ هذا؟" سألتْ ليلى. "لماذا كلُّ هذهِ الأسرار؟"

"لأنَّ الحقيقةَ، يا ابنتي، غالباً ما تكونُ مؤلمةً،" أجابتْ السيدةُ فاطمة. "ولكنها أيضاً، هيَ الطريقُ الوحيدُ للشفاءِ والسلام."

في تلكَ اللحظة، شعرتْ ليلى بأنَّها تقفُ على أعتابِ كشفِ حقيقةٍ قدْ تغيرُ حياتها إلى الأبد. لقدْ أصبحتْ مستعدةً لسماعِ كلِّ شيء، حتى لو كانَ مؤلماً. كانَ الأملُ في الحبِّ، وفي استعادةِ ما فُقد، هوَ ما يدفعها للأمام.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%