الحب الخفي الجزء الثالث

صدق الكلمات في عينين متعبتين

بقلم ليلى الأحمد

في صباح اليوم التالي، استيقظت لينا على صوت زقزقة العصافير الذي يتدفق من نافذة غرفتها، مزيجًا من خيوط الشمس الذهبية التي تتسلل عبر الستائر. كان الهواء منعشًا، يحمل معه عبق الياسمين المتفتح في حديقة القصر. لكن قلبها لم يكن هادئًا كهدوء الصباح. كان لا يزال يحتفظ بصدى كلمات السيد مالك، وبتلك النظرة التي لم تستطع تفسيرها.

بعد تناول فطورها، توجهت لينا إلى مكتب والدها القديم، المكان الذي كان يضج بالحياة والعمل. الآن، كان المكان أشبه بمتحفٍ صغير، يضم بقايا ذكريات رجلٍ عظيم. كانت تأتي إلى هنا كل يوم، تحاول فهم أوراق والده، تدقق في حساباته، وتتعلم مبادئ الإدارة من كتبٍ قديمة. كانت هذه هي طريقتها في الشعور بأنها قريبة منه، وفي الحفاظ على إرثه.

اليوم، كان لديها مهمة أخرى. عليها أن تزور "السيدة فاطمة"، وهي شريكة والدها القديمة في إحدى المشاريع العقارية، وهي سيدةٌ ذات خبرة واسعة، لكنها كانت بعيدة عن الأضواء بعد وفاة زوجها. أراد السيد مالك أن يلتقي بها، ليفهم طبيعة شراكة والد لينا معها عن قرب.

ارتدت لينا عباءة بسيطة، وحقيبة يد أنيقة، ثم استقلت سيارتها الفارهة، متجهةً نحو منزل السيدة فاطمة الذي يقع في حيٍ هادئ من أحياء المدينة. كان الحي يتميز ببيوته القديمة، وشوارعه الضيقة، وأشجاره المورقة، وكأنه يحمل عبق الماضي.

عندما وصلت، استقبلتها السيدة فاطمة بابتسامةٍ دافئة، وصوتٍ حنون. كانت امرأةٌ في أواخر الستينات، ترتدي ملابس بيتٍ مريحة، وتجلس في صالةٍ تعبق بالياسمين. "أهلًا بك يا ابنتي. لقد سمعت عن وصول السيد مالك. أتمنى أن يسير كل شيء على ما يرام." قالت السيدة فاطمة، وهي تشير إلى مقعدٍ بجانبها. "شكرًا لكِ يا عمة فاطمة. أتمنى ذلك أيضًا." أجابت لينا، وهي تشعر بالراحة في حضورها.

بدأت لينا الحديث عن طبيعة عمل والدها، وعن العلاقة التي كانت تربطه بها. كانت السيدة فاطمة تستمع باهتمام، وتشاطرها بعض الذكريات، وتفسر لها بعض الأمور التي كانت غامضة على لينا. "والدكِ كان رجلًا نبيلًا، كريمًا. وكان يؤمن دائمًا بأن العمل يجب أن يبنى على الثقة والاحترام المتبادل." قالت السيدة فاطمة، وعيناها تحمل لمعة حزن. "وأنتِ كنتِ شريكته الوفية." أكدت لينا. "نحن لم نكن مجرد شركاء عمل، يا لينا. كنا كالعائلة. وأنا أعتبركِ ابنتي. لهذا السبب، سأقول لكِ ما يدور في خلدي حول هذا الشأن."

أخذت السيدة فاطمة نفسًا عميقًا، ثم قالت: "السيد مالك شخصٌ غامض. سمعته طيبة، ولكنني لم ألتقِ به من قبل. أتمنى أن يكون هدفه نبيلًا، وأن يحافظ على ما أسسه والدكِ." "هو يبدو جادًا في عمله. ولديه رؤية مستقبلية." قالت لينا، وهي تتذكر حديث الأمس. "الجدية في العمل شيء، والنية الطيبة شيء آخر. دائمًا ما كان والدكِ يقول: 'ما بني على باطل، فهو باطل'. تأكدي من أن كل شيءٍ شفاف، وأن المصالح واضحة."

شعرت لينا بأن هذه النصيحة قيمة. إنها تعكس حكمة السيدة فاطمة، وخبرتها في عالم الأعمال. "سأضع كلامكِ في اعتباري، يا عمة فاطمة. شكرًا لكِ على كل شيء." "الدعاء لكِ بالتوفيق يا ابنتي. وأنا هنا إن احتجتِ أي شيء."

عادت لينا إلى القصر، وشعورٌ جديدٌ يراودها. لم تعد مجرد شاهدة على صفقة، بل أصبحت جزءًا من هذه المعركة. إنها تحاول الدفاع عن إرث والدها، وعن مستقبل عائلتها.

في ذلك المساء، تلقت لينا اتصالًا من السيد مالك. كان يطلب منها تحديد موعدٍ آخر لمناقشة تفاصيلٍ تتعلق باستثمارٍ معين. "بالتأكيد، سيد مالك. متى يناسبك؟" أجابت لينا، محاولةً أن تبدو واثقة. "غدًا، بعد صلاة العصر. في مكتبي." "سأكون هناك."

كان مكتب السيد مالك في برجٍ شاهق، يطل على المدينة بأكملها. عندما دخلت لينا، شعرت بأنها دخلت عالمًا مختلفًا. مكتبٌ فخم، مزينٌ بقطع فنية حديثة، وسطحه المكتب الزجاجي يعكس ضوء المكان. كان مالك واقفًا خلف مكتبه، يتفحص بعض الأوراق. عندما رآها، ابتسم ابتسامةً خفيفة، لم تصل إلى عينيه. "تفضلي بالجلوس، سيدتي لينا." قال وهو يشير إلى كرسيٍ مريح. جلست لينا، وتشعر بأنها مراقبة. لم يكن هناك أحدٌ غيرهما في المكتب، لكنها شعرت بأن هناك قوةً خفية تحيط بالمكان.

بدأ مالك الحديث عن المشروع، وقدم لها عرضًا تفصيليًا. كانت لديه خطةٌ محكمة، واستراتيجيةٌ واضحة. لكن لينا لم تستطع تجاهل السؤال الذي يشغل بالها. "سيد مالك، هل يمكنني أن أسألك سؤالًا شخصيًا؟" رفع مالك رأسه، ونظر إليها. "تفضلي." "ما الذي دفعك للاهتمام بهذا المشروع تحديدًا؟ يبدو أن لديك استثماراتٍ كثيرة." تردد مالك للحظة، ثم قال: "والدكِ كان شخصًا له مكانته. وأنا أؤمن بأن إكمال ما بدأه هو واجب. بالإضافة إلى أن هذا المشروع يحمل قيمةً استراتيجية كبيرة."

"هل تقصد أنك تريد فقط الربح؟" سألت لينا، وهي تشعر بنبرةٍ من التحدي في صوتها. ابتسم مالك ابتسامةً أوسع قليلًا. "الربح هو دافعٌ طبيعي في عالم الأعمال، سيدتي. لكن هناك أهدافٌ أسمى. بناء، وتطوير، وترك بصمةٍ إيجابية." "وهل تعتقد أنك تستطيع تحقيق ذلك؟" "أنا أؤمن بقدرتي على ذلك. وأتمنى أن نكون شركاءً في هذه الرحلة."

كانت لينا تشعر بأنها أمام رجلٍ لا يكشف عن كل ما لديه. كان هناك شيءٌ من الغموض في شخصيته، شيءٌ يجعلها تشك، وتشعر بالفضول في آنٍ واحد. "أتمنى ذلك. لكن يجب أن تكون الأمور واضحة تمامًا. لا أريد أن تكون هناك أي شبهات." "أنا أقدر صراحتكِ. الشفافية هي أساس أي علاقةٍ ناجحة، سواء كانت عائلية أم تجارية."

خرجت لينا من مكتبه، وهي تشعر بأنها حصلت على بعض الإجابات، لكنها اكتسبت المزيد من الأسئلة. هل كان مالك مجرد رجل أعمال طموح، يسعى لتحقيق مصالحه؟ أم أن هناك ما هو أعمق في هذه العلاقة؟ نظرت إلى المدينة من نافذة سيارتها، وشعرت بأنها تقف على مفترق طرق. أمامها، طريقٌ يمتد نحو المستقبل، مليءٌ بالاحتمالات. وخلفها، عالمٌ من الذكريات، ومسؤولياتٌ ثقيلة.

كانت كلمات السيدة فاطمة تتردد في أذنيها: "تأكدي من أن كل شيءٍ شفاف". لم تكن متأكدة بعد. لكنها شعرت بأن هذه البداية، بدايةً غير متوقعة، قد تحمل في طياتها الكثير.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%