الحب الخفي الجزء الثالث
متاهات العقل ووشوشات القلب
بقلم ليلى الأحمد
واصلت ليلى تأمل كلماته، وكلمات مازن التي بدت وكأنها رسائل مشفرة. "العواطف الجميلة يمكن أن تتحول إلى عبءٍ إذا لم نوجهها بالشكل الصحيح. الدين والحلال هما بوصلة تمنعنا من الضياع." كانت هذه الكلمات أشبه بنقطة تحول، وبداية لتساؤلات أعمق. هل كانت هي نفسها تضيع؟ هل كانت عواطفها تجاه مازن، وإن لم تكن تعبر عن نفسها بكلماتٍ فاضحة، تخالف شرع الله؟
فكرت في طبيعة العلاقة التي نسجتها معه. كانت علاقة ودٍ واحترام، صداقةٌ في حدودٍ معينة. لكن في داخلها، كان هناك شيءٌ يتجاوز ذلك. كان هناك شوقٌ لاهتمامٍ خاص، لرؤيته، لسماع صوته. كان هذا الشوق، رغم محاولتها كبحه، أشبه بإدمانٍ صامت. إدمانٌ على الشعور الذي يمنحها إياه حضوره، على الأحاديث التي تفتح أمامها آفاقًا جديدة.
كانت مشكلتها تكمن في أنها كانت تسمح لهذا الشعور بالنمو في قلبها دون أن تواجهه بالحقائق. كانت تمنح نفسها فرصةً للتعلق، لتتعلق بما قد لا يكون لها. كانت تعلم أن مازن شابٌ ملتزم، وأن كلماته عن "الحلال" لم تكن مجرد كلام، بل كانت فلسفة حياة. ولكنها، في ضعفها، كانت تتمنى لو أن هذه الفلسفة تسمح بوجودها.
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى وشعرت بشيءٍ من النشاط الغريب. لم يكن نشاطًا مبنيًا على سعادة، بل على تصميم. تصميمٌ على فهم ما يحدث داخلها، وعلى اتخاذ قرار. قررت أن تبدأ يومها بزيارةٍ لدار العجزة، المكان الذي اعتادت أن تقضي فيه بعض وقتها، والذي كانت تجد فيه سلامًا خاصًا.
كانت رائحة الزهور المختلطة بعبق التاريخ تملأ المكان. كان صوت ضحكات المسنين، وأنينهم الهادئ، أشبه بصدى لأصوات الحياة المتغيرة. جلست مع الحاجة فاطمة، امرأةٌ تجاوزت الثمانين من عمرها، ولكن عينيها كانتا لا تزالان تحملان بريقًا من الحكمة والحياة.
"يا ابنتي، أرى في عينيكِ شيئًا يشبه العاصفة. هل تحملين همومًا ثقيلة؟" سألت الحاجة فاطمة بلسانٍ رقيق.
ابتسمت ليلى ابتسامةً باهتة. "بعض الهموم يا جدتي، ولكنها ليست ثقيلة كما تبدو."
"الهموم يا صغيرتي، لا تقاس بحجمها، بل بكيفية حملها. وإن كان الحمل ثقيلاً، فليكن الاستناد إلى الله قويًا."
تأملت ليلى كلمات الحاجة فاطمة. كانت هذه المرأة العجوز، بكل ما مرت به في حياتها، ترى الحقيقة بوضوح. "أنا أحاول يا جدتي، ولكن أحيانًا أجد نفسي في متاهاتٍ لا أفهمها."
"المتاهات يا ابنتي، هي أحيانًا نتيجة اختياراتنا. اختياراتٌ نصنعها بعقولنا، ولكن قلوبنا هي التي تختار الطريق. وإن اختارت القلوب طريقًا مخالفًا للعقل، أصبحت المتاهة هي المصير."
هذه الكلمات كانت أصداءً لما قاله مازن. "العواطف الجميلة يمكن أن تتحول إلى عبءٍ إذا لم نوجهها بالشكل الصحيح."
"وهل يجب على العقل أن يفرض رأيه دائمًا على القلب؟" سألت ليلى، وهي تشعر ببعض التحدي في صوتها.
ضحكت الحاجة فاطمة ضحكةً خفيفة. "ليس فرضًا، بل توجيهًا. القلب يشعر، والعقل يدرك. والشريعة هي التي تجمع بينهما. إن القلب يتوق إلى الحب، إلى الوصال، وهذا طبيعي. ولكن إن كان هذا الحب يتجاوز الحدود، ويصبح تعلقًا أعمى، فهو يخرجنا عن الطريق. وأقرب الطرق لتوجيه العواطف يا ليلى، هو أن نتذكر دائمًا غاية الخلق. غاية الخلق هي عبادة الله، والتقرب إليه. فهل هذه العواطف تقربنا إلى الله، أم تبعدنا عنه؟"
كان هذا السؤال مباشرًا، ومؤلمًا. كانت تعلم الإجابة. كانت مشاعرها تجاه مازن، وشوقها له، كان يستهلك الكثير من وقتها وطاقتها. كانت تقضي ساعاتٍ في التفكير فيه، في مراسلاته، في تحليل كلماته. كانت هذه كلها طاقاتٍ كان يمكن توجيهها إلى دراستها، إلى طموحاتها، إلى علاقتها بالله.
"أنا لا أعرف يا جدتي. أشعر بالحيرة."
"الحيرة يا ابنتي، بداية اليقين. لأنها تدفعنا للبحث عن الحقيقة. والبحث عن الحقيقة هو بداية طريق الفهم. وإن فهمتِ أن هذا التعلق، وهذا الشوق، يستهلككِ، ويجعلكِ تفقدين تركيزكِ، ويشغلكِ عن ذكر الله، فاعلمي أنه قد أصبح عبئًا. وقد يكون هذا العبء أحيانًا، إدمانًا يمنعنا من رؤية النور."
"إدمانٌ؟" تكررت الكلمة على لسان ليلى، وكأنها اكتشافٌ جديد.
"نعم، إدمان. ليس بالضرورة أن يكون الإدمان على شيءٍ مادي. قد يكون الإدمان على شعور، على تعلق، على وهم. وإدمان القلب، يا ليلى، هو أخطر أنواع الإدمان. لأنه يسيطر على روح الإنسان، ويفقده إرادته. وقد يكون ما تشعرين به الآن، هو بداية لهذا الإدمان."
شكت ليلى في نفسها. هل كانت تبالغ؟ هل كانت مشاعرها تجاه مازن بهذه الخطورة؟ كانت تعلم أن مازن لم يطلب منها شيئًا يخالف الشرع، ولكن تعلقها هي به، ورغبتها في أن يكون قريبًا منها، كان قد تجاوز الحدود.
"وماذا أفعل يا جدتي؟ إن كان إدمانًا، فكيف أتحرر منه؟"
"التحرر يا ابنتي، يبدأ بالاعتراف. الاعتراف بأن هناك مشكلة. ثم تأتي الخطوة التالية: الدعاء. ادعي الله أن يهديكِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يبعد عنكِ كل ما يشغلكِ عن ذكره. ثم استعيني بالله، وابدئي بخطواتٍ صغيرة. قللي من التواصل، ركزي على ما هو أهم، وعلى ما يقربكِ إلى الله. وقد يكون من الضروري، أن تقطعي هذا التواصل تمامًا، ولو لفترة. حتى تعيدي ترتيب أفكاركِ، ومشاعركِ، وتجدي طريقكِ مرة أخرى."
نظرت ليلى إلى وجه الحاجة فاطمة. كانت ترى فيه نورًا، نورًا لا يأتي إلا من إيمانٍ عميق، وحكمةٍ اكتسبتها السنون. شعرت بأن هذه المرأة العجوز قد فتحت لها بابًا، بابًا إلى عالمٍ من الحقيقة.
"شكرًا لكِ يا جدتي. لقد أنرتِ لي دربي."
"والشكر لله وحده. تذكري يا ابنتي، أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وإن كنتِ تشعرين بالضعف، فاستعيني بالله، واطلبي منه العون. وهو لن يخذل عبده الصالح."
عندما غادرت ليلى دار العجزة، كان قلبها لا يزال مثقلًا، ولكن بصيص أملٍ بدأ يضيء في أعماقها. كانت تفكر في كلمات الحاجة فاطمة، وفي كلمات مازن. كان كلاهما يشير إلى نفس الطريق: طريق الالتزام، طريق الحلال، طريق السكينة التي لا تأتي إلا من خلال القرب من الله.
عادت إلى المنزل، وشعرت بأنها في مفترق طرق. هل ستسمح لهذا "الإدمان" الصامت بأن يسيطر عليها؟ أم أنها ستتخذ قرارًا شجاعًا، قرارًا سيجعلها تعود إلى الطريق الصحيح، حتى لو كان هذا القرار مؤلمًا؟
كانت متاهات العقل ووشوشات القلب تتصارعان داخلها. ولكن صوت العقل، مدعومًا بكلمات الحكمة، بدأ يعلو. كان عليها أن تختار. أن تختار طريق النور، حتى لو كان هذا الطريق يتطلب منها التخلي عن شيءٍ عزيز، عن وهمٍ جميل، ولكنه بعيدٌ كل البعد عن الحلال.