حب على الورق الجزء الثالث
ظلال على أسوار الماضي
بقلم سارة العمري
كانت اليد التي ترتعش فوق طيات الثوب الأبيض، كالفراشة المذعورة، تبحث عن موطئ قدم في عالمٍ لم تطأه من قبل. وقفت "لينا" أمام المرآة، تراقب انعكاسها الشاحب، وقد تسربت خيوط القلق إلى بشرتها الناعمة كصقيعٍ غادر. لم يكن هذا حلمها، ولا حتى أقرب أمانيها. كانت دائمًا ترى نفسها في مكانٍ آخر، على مسرحٍ مختلف، حيث تتراقص الكلمات بحريةٍ لا تقيدها قيود، وتنتصر الأفكار على حواجز العرف والتقاليد. لكن هنا، في قاعةِ الخطوبة المزينة بعبق الزهور البيضاء، وبين ضحكاتٍ بدت لها كوشوشاتٍ خفيّة، كانت تقف على عتبةِ مصيرٍ نسجته أيدي الآخرين، أيدي الأهل، والأعراف، وربما، حتمية القدر.
تنهدت بصوتٍ بالكاد تسمعه أذنها، وأدارت وجهها بعيدًا عن الطيف الذي كان يعكس حياتها القادمة. كانت "حسام"، الرجل الذي ستشارك معه حياتها، شابًا طيبًا، ذو خلقٍ ودينٍ، كما شهدت له الألسنة، وكان والداها راضيين، بل سعيدين بهذا الزواج. لم يكن هناك ما يعيب "حسام"، بل على العكس، كان كل شيء فيه يدعو للقبول والرضا. لكن "لينا" كانت تحمل في قلبها همومًا أخرى، وشغفًا أعمق، لم تجد له متنفساً في رحاب هذا الزواج المرتّب. كانت أحلامها تتجاوز قاعات الأفراح، وكلمات "نعم" المنتظرة. كانت تتوق إلى عالمٍ تتنفس فيه الكلمات، وتزهر فيه الأفكار، وتُبنى فيه جسورٌ من نورٍ بين العقول.
جلست على كرسيٍ خشبيٍ قديم، أزهرت زخارفه الباهتة بنقوشٍ تحمل عبق الزمان. كانت الغرفة التي جلست فيها، على الرغم من فخامتها، تحمل طابعًا تقليديًا راسخًا، تكسوه طبقةٌ من الغبار الذي لم تمسه يدٌ إلا لتمسحه بعجالة. كانت النوافذ العالية تطل على حديقةٍ واسعة، تزينها أشجارٌ زيتونٍ عتيقة، تتراقص أغصانها تحت أشعة الشمس الذهبية. كانت "لينا" دائمًا تجد في تلك الأشجار رفاقًا صامتين، قصصًا لا تُروى، وحكاياتٍ تتجاوز صخب الحياة.
نظرت إلى يدها مرةً أخرى، وقد تبرق خاتم الخطوبة الذي وُضع عليها للتو، كتلةً من الذهب والماس، ثقيلةٌ على إصبعها، كعبءٍ لا تستطيع حمله. تذكرت همسات أمها، وهي ترتب لها تفاصيل هذا اليوم، "يا ابنتي، إنها فرحة العمر. اجعليها ذكرى لا تُنسى". كيف لها أن تجعلها ذكرى لا تُنسى، وهي تشعر وكأنها تخون جزءًا من روحها؟ كيف لها أن تبني سعادةً على أنقاض أحلامٍ لم تتحقق بعد؟
في الخارج، علت الأصوات، وارتفعت الزغاريد، معلنةً بداية فصلٍ جديدٍ في حياتها. كانت "لينا" تعلم أن هذه الأصوات، وهذا الاحتفال، هو مسرحها الجديد، وأنها مطالبةٌ بلعب دورها بإتقان. لكنها كانت تخشى أن تفقد نفسها في هذا الدور، أن تذوب في قالبٍ لا يناسبها، وأن يتحول شغفها إلى رمادٍ تحت وطأة الواجب.
فتحت حقيبتها الجلدية القديمة، التي رافقتها في دراستها، وفي رحلاتها الفكرية، وأخرجت منها مفكرتها المفضلة، وغلافها الأزرق الداكن، يتوسطه نقشٌ ذهبيٌ باهت. كانت تلك المفكرة ملاذها، عالمها السري، حيث تتدفق الكلمات بحريةٍ، وتُولد القصص من العدم. فتحتها على صفحةٍ بيضاء، كبياض قلبها المتعب، وأخذت قلمها. لم تكن تعرف ماذا ستكتب، لكنها شعرت بحاجةٍ ملحةٍ إلى التعبير، إلى تفريغ ما يعتمل في صدرها من مشاعر متضاربة.
"اليوم"، بدأت تكتب، بمدادٍ خفيفٍ، يكاد لا يترك أثرًا على الورق، "يقف زواجٌ موصوفٌ لي، كصفقةٍ تُبرم، وكقطعةٍ تُباع. يقفون حولي، يهنئونني، ويسعدون، بينما قلبي يرتعش، كعصفورٍ محبوسٍ في قفصٍ ذهبي. يخطبونني، وأنا أستمع، وأصمت، وكأنني قطعةٌ من أثاثٍ، تُوضع في مكانها المناسب. يقدمون لي رجلًا صالحًا، طيبًا، ما عابته ألسنةٌ قط. ولكنه ليس الرجل الذي تخيلته، ولا الطريق الذي اخترته. هل للحياة أن تُبنى على الاختيارات المفروضة؟ هل للسعادة أن تُزرع في أرضٍ ليست أرضنا؟".
ارتجفت أصابعها وهي تكتب، وشعرت بأن الكلمات تتدفق كالسيل، تحمل معها بحرًا من المشاعر لم تكن مستعدةً لمواجهته. كانت تلك المفكرة هي الملجأ الوحيد، والشاهد الصامت على صراعها الداخلي. كانت تعلم أن كتاباتها هذه، لن يراها أحد، وأنها ستبقى حبيسة تلك الصفحات، كأسرارٍ لا تُكشف. لكن مجرد كتابتها، كان يمنحها شعورًا بالراحة، وكأنها تستعيد جزءًا من السيطرة على حياتها، ولو على الورق.
انقطع تدفق الكلمات بتوقفٍ مفاجئٍ عند باب الغرفة. دخلت أمها، وبابتسامةٍ دافئة، لكن عينيها كانت تشعّان بالقلق، "يا ابنتي، لقد حان وقتك. العريس وأهله في انتظارك. هيا، لا تتأخري".
نهضت "لينا" ببطء، وضعت القلم في المفكرة، وأغلقتها بعناية. نظرت إلى أمها، ثم إلى المرآة مرةً أخرى. لم تعد ترى الطيف الشاحب، بل رأت فتاةً تحاول أن تبتسم، وإن كانت ابتسامتها خافتةً، تحمل في طياتها قوةً خفية، وقدرةً على التحمل. لقد كان عليها أن تلعب دورها، وأن تُظهر للعالم وجهًا آخر، وجهًا يعكس الالتزام، والاحترام، والطاعة. ولكن في أعماقها، ظلّت هناك شعلةٌ صغيرةٌ من التمرد، ونداءٌ خفيٌ يناديها نحو أحلامها، نحو عالمٍ من الكلمات، لا يزال في انتظارها، وإن كان بعيدًا، كضوءٍ خافتٍ في نهاية نفقٍ طويل.