حب على الورق الجزء الثالث
بين شقّي الرحى
بقلم سارة العمري
كانت إحدى ليالي الربيع الأولى، تحمل معها وعدًا بالدفء بعد شتاءٍ طويل. جلست السيدة فاطمة، والدة أحمد، في صالة منزلها الواسع، تحت ضوء المصباح الهادئ. كانت ترتدي ثوبًا حريريًا فضفاضًا، وشعرها الأبيض المصفف بعنايةٍ يضفي عليها هالةً من الوقار. أمامها، على طاولةٍ خشبيةٍ مصقولة، وُضعت صينيةٌ مليئةٌ بالحلويات العربية التقليدية، تفوح منها رائحة الهيل والزعفران.
كان أحمد يجلس بجانبها، يروي لها تفاصيل يومه، بينما كانت هي تستمع بعينيها اللتين بدت فيهما علامات الإرهاق تتزايد. لم يكن أحمد يرغب في إثقال كاهلها بأيٍّ من أخباره المقلقة. لقد قرر، بعد تفكيرٍ طويل، أن يقضي فترةً من الوقت في محاولةٍ لإيجاد حلٍّ لمشكلته، حلٍّ يرضي الجميع، خصوصًا والدته.
قبل أيام، وبعد لقائه بنور، كان أحمد قد زار عمتَه السيدة أمينة. كانت هي الأخرى ترى أن ما يمر به أحمد يتطلب منه حكمةً وصبرًا. قالت له وهي تقدم له كوبًا من القهوة العربية المرة: "يا أحمد، أعرف أن قلبك طيب، وأنك تحب نور. ولكن والدتكِ، يا بني، تحتاج إلى راحة البال. زواجك من فتاةٍ من عائلتنا سيمنحها سعادةً لا توصف، وسيمنحكِ أنتَ أيضًا استقرارًا عائليًا تعتز به. هل فكرتَ في ابنة عمكِ، سلمى؟ إنها فتاةٌ صالحة، ومن عائلةٍ طيبة."
كلمة "سلمى" ألقت بظلالٍ مفاجئةٍ على تفكير أحمد. سلمى، ابنة عمه، كانت دائمًا بالنسبة له مجرد ابنة عمٍّ، لكنها لم تكن يومًا محلّ اهتمامٍ رومانسي. كانت لطيفةً، مهذبةً، ولكنها لم تكن نور. ورغم ذلك، فإن إلحاح والدته، والخوف على صحتها، جعله يفكر في هذا الاحتمال بجديةٍ أكبر.
في صباح اليوم التالي، وبعد زيارةٍ لوالدته، قرر أحمد أن يذهب إلى منزل عمه. كان يعلم أن عمه، السيد حازم، رجلٌ يحترم العادات والتقاليد، ويقدّر أهمية الروابط العائلية. عندما وصل أحمد، وجد عمه جالسًا في مكتبه، يقرأ كتابًا قديمًا. رحب به بحرارة، ودعاه للجلوس.
بدأ أحمد الحديث، وذكر في كلامه أهمية استقرار العائلة، وأنه يفكر في مستقبله. رأى السيد حازم في عينيه شيئًا من التردد، فبادره بالسؤال: "ما الأمر يا أحمد؟ تبدو مهمومًا."
بعد لحظاتٍ من الصمت، قرر أحمد أن يبوح بما في صدره. تحدث عن والدته، عن مرضها، وعن رغبتها في رؤيته مستقرًا. ثم، بترددٍ واضح، ذكر اسم سلمى.
فوجئ السيد حازم قليلاً، ولكن سرعان ما ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ تفهم. قال: "سلمى فتاةٌ رائعة يا أحمد. وهي أيضًا تقدرك. إذا كنتَ ترى أن هذا هو الطريق الأفضل لوالدتكِ، ولأمنكِ واستقراركِ، فأنا وأمها سنكون سعداء جدًا. ولكن لا تنسَ، يا بني، أن قرار الزواج قرارٌ مصيري، يجب أن يكون مبنيًا على التوافق والقناعة."
خرج أحمد من عند عمه وقلبه مثقلٌ بالأفكار. كان يشعر بأنه عالقٌ بين شقّي الرحى. حبٌّ صادقٌ يربطه بنور، وبدايةٌ لحياةٍ جديدةٍ معها، ولكن في المقابل، هناك مسؤوليةٌ تجاه والدته، ورغبةٌ في تحقيق سعادتها، ورغبةٌ أخرى في استرضاء العائلة.
في هذه الأثناء، كانت نور تواصل حياتها بشكلٍ طبيعي، ولكنها كانت تشعر بفراغٍ يتزايد في قلبها. رغم رسالة أحمد، لم يكن هناك تواصلٌ مكثفٌ كالسابق. كانت تحاول ألا تضغط عليه، ولكن القلق كان يتسلل إليها. بدأت تتساءل إن كان قد حدث شيءٌ ما، شيءٌ لم تخبره به.
قررت نور أن تتصل بصديقتها المقربة، ليلى. كانت ليلى دائمًا نعم الصديقة، تستمع بانتباه، وتقدم النصح بحكمة. بعد أن قصت نور عليها ما تشعر به، قالت ليلى: "يا نور، ربما لديه ما يشغله. أعرف أحمد، إنه شابٌّ مسؤول. لا تقلقي كثيرًا. أعطيه بعض الوقت. وربما، لو شعرتِ بالحاجة، يمكنكِ التحدث مع والدته؟ قد تعرفين شيئًا."
فكرة التحدث مع والدة أحمد كانت ترهب نور. لم تكن تعرفها جيدًا، ولم تكن متأكدةً من ردة فعلها. ولكن إلحاح القلق دفعها إلى التفكير بجدية.
في يومٍ آخر، وبينما كان أحمد يقوم بزيارةٍ والدته، فوجئ باتصالٍ من سلمى. كانت تدعوه لتناول العشاء مع عائلتها في نهاية الأسبوع. ترددت نور لحظة، ثم قبلت الدعوة، معللةً ذلك بأنها تريد التحدث معه عن أمورٍ تخصّ الجامعة.
علمت السيدة فاطمة بخبر دعوة سلمى، وارتسمت على وجهها ابتسامةٌ مشرقة. قالت لأحمد: "هذه فرصةٌ رائعة يا بني. سلمى فتاةٌ ممتازة، وسوف تجلب لك السعادة."
شعر أحمد ببعضٍ من الضغط. كان يعلم أن والدته تتمنى ذلك، وكان يعلم أن عمه يدعم هذه الفكرة. ولكن قلبه، في مكانٍ ما، كان لا يزال متعلقًا بنور.
في ليلة الدعوة، ذهب أحمد إلى منزل عمه. كانت الأجواء دافئةً، ومليئةً بالضحكات. سلمى، بطبيعتها الهادئة والراقية، كانت تبدو جميلةً في ثوبها الأزرق. تبادلا الحديث، وتحدثا عن الجامعة، وعن أحلامهما. كان أحمد يشعر براحةٍ معها، ولكنها لم تكن الراحة التي يشعر بها مع نور، لم تكن تلك الشرارة التي تجعل القلب يرقص.
خلال العشاء، تطرقت والدة سلمى إلى موضوع زواج الشباب. نظرت إلى أحمد مباشرةً، وقالت: "نرى أنك يا أحمد، شابٌّ مثاليٌّ لسل مى. إنها تحبك منذ زمن، وأنا أرى في عينيكَ استعدادًا للعمر."
شعر أحمد بحرجٍ شديد، ولم يستطع أن يخفي ارتباكه. نظر إلى سلمى، ورآها تبتسم بلطف، ولكن في عينيها لم يكن هناك ذلك البريق الذي يبحث عنه.
بعد العشاء، وجد أحمد فرصةً للانفراد بسلمى. قال لها بصوتٍ خفيض: "سلمى، أنتِ تعلمين أننا عائلة، وأننا تربطنا علاقةٌ طيبة. ولكن فيما يخصّ موضوع الزواج، أريد أن أكون صريحًا معكِ. قلبي متعلقٌ بشخصٍ آخر."
نظرت سلمى إليه بصدمةٍ واضحة. قالت بصوتٍ متردد: "ولكن... والدتكَ، وعمي، كانوا يتحدثون عن..."
قاطعها أحمد برفق: "أعرف، وأنا أقدر رغبتهم. ولكن هذا ليس قرارهم وحدهم. أنا أقدركِ يا سلمى، وأقدر طيبتكِ. ولكن الحب، الحب الحقيقي، لا يمكن أن يبنى على التقاليد وحدها."
شعرت سلمى بخيبة أملٍ واضحة، ولكنها حاولت أن تظهر بعضًا من القوة. قالت: "أتفهم يا أحمد. أنا سعيدةٌ لأنك أخبرتني. أتمنى لكَ كلّ التوفيق."
خرج أحمد من منزل عمه في تلك الليلة، وهو يشعر بأنه اتخذ خطوةً صعبةً، ولكنه كان يعلم أنها خطوةٌ صحيحة. لقد رفض فكرة الزواج من سلمى، مفضلاً أن يظلّ صريحًا، حتى لو كان الثمن هو بعضٌ من خيبة الأمل. ولكنه كان لا يزال قلقًا بشأن ما سيحدث، بشأن ردة فعل والدته، وبشأن مستقبل علاقته بنور.
في المقابل، كانت نور تشعر بأن الوقت يمرّ، وأن الصمت بينها وبين أحمد يزداد ثقلاً. بدأت تراودها أفكارٌ مظلمة، أفكارٌ بأن أحمد ربما قد اختار طريقًا آخر، طريقًا بعيدًا عنها. كان عليها أن تعرف، أن تتأكد.