حب على الورق الجزء الثالث

شبكاتُ الغيرةِ وتكاتفُ الأحبة

بقلم سارة العمري

كانت السيدة زكية، ابنة عمة أحمد، امرأةً لا تدع شيئًا يفلت من ملاحظتها. ولدت في عائلةٍ تحكمها التقاليد الصارمة، وكانت ترى أن دورها في الحياة هو الحفاظ على ما تسميه "نقاء" العائلة، وتقاليدها. عندما رأت نور تدخل منزل السيدة فاطمة، شعرت بأن هناك أمرًا ما ليس على ما يرام. كان قلبها يخفق بغيرةٍ دفينة، وشعورٌ بالتهديد يتسلل إليها.

لم تكن السيدة زكية معارضةً للحب، ولكنها كانت ترى أن الحب يجب أن يكون ضمن إطارٍ محدد، إطارٍ يوافق عليه الجميع، خاصةً كبار العائلة. ونور، بالنسبة لها، لم تكن تندرج تحت هذا الإطار. كانت فتاةً غريبة، ذات أصولٍ لا تعرفها جيدًا، ولم تكن من اختيار العائلة.

في اليوم التالي، بدأت السيدة زكية ببثّ الشكوك بين نساء العائلة. بدأت تتحدث مع السيدة نوال، زوجة عمها، والتي كانت دائمًا على خلافٍ مع السيدة فاطمة. "يا نوال،" قالت لها بصوتٍ منخفض، بينما كانتا تشربان القهوة في منزل السيدة نوال، "هل سمعتِ عن الفتاة التي يواعدها أحمد؟ السيدة فاطمة تتحدث عنها وكأنها أصبحت فردًا من العائلة. ولكن من تكون هذه الفتاة؟ ولماذا لم نأخذ رأينا؟"

ارتسمت على وجه السيدة نوال ابتسامةٌ ماكرة. لطالما كانت تشعر بالضيق من صلاح السيدة فاطمة، ومن حب العائلة لها. "نعم يا زكية،" قالت، "سمعتُ بعض الهمسات. إنها غريبةٌ جدًا. لا نعرف أصلها، ولا نعرف نواياها. أظن أن السيدة فاطمة تدلل أحمد أكثر من اللازم."

بدأت الشكوك تتناقل بين نساء العائلة، وبدأت تظهر تعليقاتٌ هامسةٌ، تارةً عن أصول نور، وتارةً عن نواياها. لم تكن هذه مجرد همساتٍ بسيطة، بل كانت بداياتٍ لشبكاتٍ من التآمر، تتشكل في الظل.

في هذه الأثناء، كان أحمد ونور يشعران بالراحة والسكينة معًا. كانت لقاءاتهما تتم في جوٍّ من الود والاحترام، سواءً في منزل والدته، أو في حدائق الجامعة. بدأ أحمد يشعر بأن علاقته بنور تزداد قوةً، وأنها قادرةٌ على مواجهة أيّ صعاب.

"يا نور،" قال أحمد ذات يومٍ وهما يجلسان في حديقةٍ هادئة، "أرى أن الأمور تتحسن. أمي بدأت تتقبلكِ، وهذا بحدّ ذاته انتصارٌ كبير."

ابتسمت نور، وقالت: "كلّ هذا بفضل صبركِ وحكمتكِ يا خالتي فاطمة. إنها سيدةٌ رائعة."

"وكنتِ أنتِ، يا نور،" أضاف أحمد، "التي منحتني القوة لمواجهة كلّ شيء. حبكِ هو بلسمي."

كانت هذه الكلمات كافيةً لتمتلئ قلوبهم بالدفء، ولكن في الأفق، كانت هناك عاصفةٌ تتشكل.

في أحد الأيام، قررت السيدة فاطمة أن تقيم عشاءً للعائلة، على أن يكون الهدف الرئيسي منه هو الحديث عن مستقبل أحمد. أرسلت الدعوات، وارتدى الجميع أفضل ما لديهم. كان أحمد ونور حاضرين، وشعرت نور بأنها تتعرض لبعض النظرات الغريبة.

جلست السيدة زكية بجانب السيدة نوال، وبدأتا الهمس. "انظري إلى تلك الفتاة،" قالت السيدة نوال، "تتجرأ على الحضور إلى لقاء العائلة وكأنها ملكة. أظن أنها تحاول أن تفرض نفسها."

"لا تقلقي،" أجابت السيدة زكية، "لم تنتهِ القصة بعد. سنرى كيف ستتصرف عندما يتدخل الكبار."

بدأ العشاء، وكان الجو في البداية هادئًا. ثم، في لحظةٍ معينة، رفعت السيدة نوال صوتها، وقالت: "يا فاطمة، سمعتُ أن لديكِ ضيفةً مميزة اليوم. فتاةٌ شابةٌ، تبدو جميلةً جدًا. ولكن هل تحدثتِ مع العائلة عنها؟ هل عرفنا من تكون؟"

شعرت السيدة فاطمة ببعضٍ من الضغط، ولكنها حافظت على رباطة جأشها. "نعم،" قالت بهدوء، "إنها نور، وهي قريبةٌ من أحمد، وربما تكون زوجته المستقبلية."

هذه الكلمة، "مستقبلية"، كانت كافيةً لإشعال فتيل الغضب في نفوس بعض الحاضرين. ارتفع صوت السيدة زكية: "زوجته المستقبلية؟ يا فاطمة، هل أنتِ جادة؟ هل نسيتِ تقاليدنا؟ هل نسيتِ مكانتنا؟ لا يمكن أن نقبل بمثل هذه الزيجة."

ارتفعت الأصوات، وبدأ الجدل يدور. رأى أحمد ونور كيف تحول اللقاء العائلي الدافئ إلى ساحةٍ للمعركة. شعر أحمد بالغضب، ولكن نور أمسكت بيده برفق.

"يا عمي، يا خالتي،" قال أحمد بصوتٍ قوي، "نور هي الإنسانة التي أحببتها، وهي التي أريد أن أقضي حياتي معها. إذا كانت هناك تقاليد، فلا يجب أن تكون هذه التقاليد حاجزًا أمام الحب والسعادة."

"الحب يا أحمد،" قالت السيدة زكية بنبرةٍ حادة، "ليس كلّ شيء. هناك عائلة، هناك سمعة، وهناك ماضٍ يجب أن نحترمه."

"وما هو ماضي نور؟" سأل أحمد، "هل هو ماضٍ مشين؟ إنها فتاةٌ صالحة، ونقية، وأخلاقها عالية."

"لا نعرف شيئًا عنها!" صرخت السيدة نوال، "من يضمن لنا أنها لن تسبب لنا مشاكل في المستقبل؟"

في هذه اللحظة، تدخل السيد حازم، والد سلمى، وعم أحمد. كان رجلًا حكيمًا، يزن كلامه قبل أن ينطقه. "يا أخواتي، يا أبناء عمي،" قال بصوتٍ هادئ، "نحن عائلةٌ واحدة. والخلافات موجودةٌ دائمًا. ولكننا يجب أن نجد الحلول. أحمد رجلٌ عاقل، والسيدة فاطمة، والدته، امرأةٌ حكيمة. إذا كانا يريان أن هذه الفتاة مناسبة، فلماذا لا نعطيهم الفرصة؟"

"ولكن يا حازم،" قالت السيدة زكية، "هذه ليست مجرد فتاة. هذه فتاةٌ لا نعرف عنها شيئًا. قد تكون لها عائلةٌ غير صالحة، قد تكون لها أهدافٌ أخرى."

"وهذا هو السبب،" قالت نور بصوتٍ ثابت، رغم ارتعاش قلبها، "الذي جعلني أرغب في التحدث معكم. أنا لستُ مجرد فتاةٍ غريبة. أنا نور، ابنة المهندس علي، وابنة السيدة ليلى. عائلتي معروفةٌ بأخلاقها، وبأعمالها الصالحة. وأنا هنا لأثبت لكم أنني جديرةٌ بثقة أحمد، وجديرةٌ بحبكم."

نظرت إليها السيدة زكية والسيدة نوال بنوعٍ من الدهشة. لم يكن لديهم أيّ فكرةٍ عن هذه التفاصيل.

"إذا،" قال السيد حازم، "فإذا كانت عائلتكِ معروفةً، وأخلاقكِ عالية، فلماذا لا نسمع منكِ؟ لماذا لا تخبريننا عن نفسكِ؟"

بدأت نور تروي قصتها. تحدثت عن طفولتها، عن تربيتها، وعن القيم التي تعلمتها. تحدثت عن حبها لأحمد، وعن رغبتها في بناء أسرةٍ صالحة. بينما كانت تتحدث، بدأ بعضٌ من الحضور يميلون إلى الاستماع، وإلى تفهم وجهة نظرها.

كانت السيدة فاطمة تراقب كلّ هذا بصمت، وتشعر بالرضا عن قوة ابنتها. ورغم أنها لم تكن تتوقع هذه المعارضة، إلا أنها كانت تعلم أن حب نور وأحمد أقوى من أيّ عوائق.

في نهاية المطاف، لم يتمّ اتخاذ قرارٍ نهائيٍّ في تلك الليلة. ولكن بدا واضحًا أن نور قد كسرت بعضًا من الحواجز. وبدأت تزرع بذرةً من الشك في قلوب المتشككين.

بعد انتهاء العشاء، اقتربت السيدة فاطمة من أحمد ونور، وقالت: "يا أبنائي، الطريق لن يكون سهلاً. ولكنني معكم. وسنقف معًا ضدّ أيّ محاولةٍ لإيذائكم."

شعر أحمد ونور بامتنانٍ كبير. لقد شعرا بأن لديهما دعمًا قويًا، دعمًا سيساعدهما على مواجهة ما هو قادم. ولكن هل كانت كلمات السيدة فاطمة كافيةً لتهدئة الغيرة المتفجرة، ولإيقاف شبكات التآمر التي بدأت تنسجها السيدة زكية والسيدة نوال؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%