حب على الورق الجزء الثالث
ظلال الماضي ومستقبلٌ يُبنى
بقلم سارة العمري
استقرت نسمةُ الأملِ في قلبِ ليلى، بعدَ الخطوةِ الجريئةِ التي اتخذتها باتجاهِ الحقيقة. كانتْ كلماتُ خالتها، أمينة، صادقةً وخاليةً من أيِ زيف، ورغمَ أنَّها ألقتْ بظلالٍ رماديةٍ على أحلامِها الوردية، إلا أنَّها منحتْها أيضاً بوصلةً واضحةً للسيرِ في دروبِ الحياةِ الملتوية. عادتْ إلى منزلِ والديها، تغمرُها أسئلةٌ لا حصرَ لها، وتُحلّقُ في ذهنِها صورٌ متناقضةٌ لشخصٍ لطالما ظنتْ أنَّها تعرفهُ تمامَ المعرفة.
كانَ أحمدُ، شقيقُها الأصغر، ينتظرُها بشوقٍ وحنين. فورَ أنْ رآها، انطلقتْ نحوهُ عيناهُ البريئتان، وكأنَّهُ يبحثُ عنْ سلوى في وجهِها. "ليلى! أينَ ذهبتِ؟ قلقتُ عليكِ كثيراً." قالَ بصوتٍ يرتعشُ قليلاً.
ابتسمتْ لهُ ابتسامةً خفيفة، تحملُ في طياتِها الكثيرَ منَ الحزنِ المكتوم. "كنتُ أتحدثُ معَ خالتي أمينة يا أحمد، لقدْ كانَ لديها بعضُ الأمورِ التي تودُّ أنْ تُشاركني إياها."
جلسَ أحمدُ بجانبِها، مستنداً بكتفهِ إلى كتفِها. "خالتي أمينة دائماً ما تكونُ غامضةً بعضَ الشيء، أليسَ كذلك؟"
تنهدتْ ليلى بعمق. "ربما، لكنَّها هذهِ المرةَ كانتْ صريحةً جداً. أخبرتني عنْ بعضِ الأشياءِ التي كنتُ غافلةً عنها، أشياءٌ تتعلقُ بماضينا، وبِمنْ نحب."
توقفَ أحمدُ عنِ اللعبِ بفتحاتِ قميصهِ، ورفعَ رأسهُ ناظراً إليها بانتباه. "ماذا تقصدين؟ هلْ حدثَ شيءٌ ما؟"
ترددتْ ليلى للحظة. كيفَ لها أنْ تشرحَ لأحمدَ الصغيرِ عنْ قسوةِ الواقعِ وعنْ خيانةٍ قدْ تكونُ طالتْ قلبَ والدهِ؟ "تذكرُ يا أحمد، أنَّ بعضَ القصصِ قدْ لا تكونُ كما تبدو لنا في البداية. وأنَّ الأشخاصَ الذينَ نُحبُّهم قدْ يحملونَ في قلوبِهم أسراراً لا ندركُها."
عانقها أحمدُ بحنان. "لا بأس يا ليلى، أنا معكِ. مهما كانَ الأمر، سنكونُ معاً."
كانَ كلامُ أحمدَ كبلسمٍ على جروحِها. في تلكَ اللحظة، أدركتْ أنَّ قوةَ الروابطِ العائليةِ هيَ السندُ الحقيقيُّ في مواجهةِ تقلباتِ الدهر. وبينما كانَ أحمدُ يلعبُ ببعضِ الألعابِ في حديقةِ المنزل، بدأتْ ليلى تتأملُ في كلامِ خالتها.
"يا ابنتي، لمْ يكنْ والدكِ بخيلاً أبداً، بلْ كانَ رجلاً طيباً وكريماً. لكنَّ قسوةَ الأيامِ والظروفِ التي مرَّ بها، جعلتهُ يضطرُّ لاتخاذِ بعضِ القراراتِ التي قدْ تبدو لنا صعبةً في حينها. هناكَ شخصٌ كانَ لهُ تأثيرٌ كبيرٌ عليهِ في الماضي، شخصٌ استغلَّ طيبتهُ في لحظةِ ضعف."
هذهِ الكلماتُ ترنُّ في أذني ليلى. منْ يكونُ هذا الشخص؟ وكيفَ أثرَ على والدها؟ وهلْ كانَ هذا سبباً لكلِ ما واجهوهُ منْ صعوبات؟
ذهبتْ ليلى إلى مكتبِ والدها، الذي بقيَ مغلقاً منذُ وفاتهِ. طالما تمنَّتْ أنْ تجدَ فيهِ إجاباتٍ لأسئلتِها. أمسكتْ بالمفتاحِ النحاسيِّ البارد، فتحتِ البابَ ببطء. الغرفةُ لمْ تتغير. رائحةُ الورقِ القديمِ والتبغِ الخفيفِ ما زالتْ عالقةً في الأجواء. بدأتْ تبحثُ بينَ الأوراقِ والملفاتِ المتراكمةِ على المكتب. بينَ صورٍ عائليةٍ قديمةٍ ووثائقَ مالية، وقعَ بصرُها على صندوقٍ خشبيٍّ صغيرٍ، يبدو أنهُ كانَ مخبأً بعنايةٍ تحتَ درجِ المكتب.
فتحتْ الصندوقَ بحذر. كانَ مليئاً بالرسائلِ القديمةِ، كلها مكتوبةٌ بخطٍ أنيقٍ ورقيق. لمْ تحملْ الرسائلُ أسماءَ مرسلينَ محددة، بلْ كانتْ تحملُ تواريخَ قديمةً وجملةً واحدةً متكررة: "إلى حبيبي الذي أخشى عليهِ منْ كلِّ سوء."
كانتْ ليلى تعلمُ يقيناً أنَّ هذهِ الرسائلَ ليستْ لوالدتها. منْ تكونُ صاحبةُ هذا الخط؟ ومنْ هوَ "حبيبي الذي تخشى عليهِ منْ كلِّ سوء"؟ هلْ كانَ والدها؟
وبينَ الرسائل، وجدتْ دفترَ يومياتٍ صغيرٍ، غلافهُ منَ الجلدِ البالي. فتحتهُ، فوجدتْ فيهِ صفحاتٍ مليئةً بخطِ والدها. لمْ يكنْ مكتوباً كشعرٍ أوْ خواطر، بلْ كانَ أشبهَ بإفصاحاتٍ مؤلمةٍ عنْ أفكارٍ ومشاعرَ لمْ يستطعْ أبوحَ بها لأحد.
قرأتْ بتمعن، وقلبُها يخفقُ بقوة. كانَ والدها يصفُ فيها علاقةً معَ امرأةٍ أخرى، امرأةً لمْ يذكرْ اسمها، لكنَّه وصفَ جمالَ روحِها، وعمقَ تأثيرِها عليه. كانَ يصفُ كيفَ أنَّ هذهِ المرأةَ كانتْ تدعمهُ في أصعبِ الظروف، وكيفَ أنَّها كانتْ مصدرَ إلهامٍ وقوةٍ له. لكنَّه في الوقتِ نفسهِ، كانَ يشيرُ إلى خلافاتٍ عائليةٍ شديدةٍ كانتْ تحولُ دونَ استمرارِ هذهِ العلاقة، وخصوصاً معَ أسرةٍ مرموقةٍ كانتْ ترفضُ هذا الارتباط.
"كنتُ أحبُّها حباً عميقاً، لكنَّ الظروفَ حكمتْ علينا بالبعد. لمْ أستطعْ أنْ أتجاوزَ رغبةَ والديَّ، وأنْ أُخالفَ ما يرونهُ صواباً. لكنَّ قلبي لمْ ينسَها أبداً. لقدْ تركتْ فيَّ بصمةً لا تُمحى."
انتهتْ ليلى منْ قراءةِ الصفحة. شعرتْ بحزنٍ شديدٍ على والدها، وعلى كلِّ ما مرَّ بهِ منْ آلامٍ ومشاعرَ مكبوتة. كانتْ هذهِ الأسرارُ تلقي بظلالٍ جديدةٍ على صورةِ الرجلِ الذي لطالما اعتقدتْ أنَّها تعرفهُ.
هلْ كانتْ هذهِ المرأةُ هيَ التي تحدثتْ عنها خالتها؟ وهلْ كانتْ هذهِ "الظروف" هيَ التي أجبرتْ والدها على اتخاذِ قراراتٍ لاحقاً؟
أغلقتْ الصندوقَ والدفترَ، وأعادتْ كلَّ شيءٍ إلى مكانِهِ. خرجتْ منَ المكتبِ، وقدْ حملتْ معها أثقالاً جديدة. نظرتْ إلى أحمدَ الذي كانَ يلعبُ بابتسامةٍ بريئة. أدركتْ أنَّ مهمتَها لمْ تنتهِ بعد. كانَ عليها أنْ تفهمَ الماضي، ليسَ فقطْ لتُبرئَ والدها، بلْ أيضاً لتُبنى مستقبلاً أكثرَ وضوحاً وأماناً، مستقبلاً بعيداً عنْ شبيهِ الخيانةِ أوْ الأسرارِ التي قدْ تُفسدُ العلاقاتِ الطيبة.
في تلكَ الليلة، وبينما كانتْ تتأملُ النجومَ منْ نافذتها، تذكرتْ حديثَها معَ خالد. كيفَ أنَّهُ كانَ صادقاً في مشاعرِهِ، وكيفَ أنَّهُ لمْ يُحاولْ إخفاءَ شيءٍ عنها. في ذاكَ الوقت، شعرتْ بأنَّها وجدتْ في خالدَ ملاذاً منْ كلِّ هذهِ التعقيدات. لكنْ الآن، بعدَ اكتشافِها لأسرارِ والدها، بدأتْ تتساءلُ: هلْ يمكنُ أنْ تكونَ هناكَ أسرارٌ مخفيةٌ في حياةِ خالدَ أيضاً؟ هلْ يمكنُ أنْ يكونَ لديهِ ماضٍ لمْ يُبوحْ بهِ؟
تنهدتْ بعمق. لمْ يعدْ الأمرُ يتعلقُ بها وحدها، بلْ بمستقبلِ عائلتها، وبِ مستقبلِ أيِّ علاقةٍ قدْ تبدأ. كانَ عليها أنْ تستعيدَ ثقتها، وأنْ تبنيَ جسورَ الأمانِ منْ جديد.