حب على الورق الجزء الثالث
همساتٌ من الماضي وتساؤلاتٌ في الحاضر
بقلم سارة العمري
تسللَ شعاعُ الشمسِ الأولِ ليُداعبَ وجوهَ النائمين، لكنَّ ليلى كانتْ مستيقظةً قبلَ الجميع. عيناها متعبتان، لكنَّهما تلمعانِ بتصميمٍ جديد. أحداثُ الأمسِ خلَّفتْ أثراً عميقاً في نفسها، ومزيجاً منَ الأسى والفضولِ والحذر. لمْ يعدْ باستطاعتها تجاهلُ ما اكتشفتهُ عنْ والدها. الصورةُ التي كانتْ راسخةً في ذهنِها بدأتْ تتصدعُ، ليظهرَ في شقوقِها رجلٌ أعمقُ وأكثرُ تعقيداً، رجلٌ حاربَ مشاعرهُ وانتصرَ عليهِ واقعه.
أعدتْ لنفسِها كوباً منَ القهوةِ الساخنة، جلستْ تتأملُ في حديقةِ المنزلِ الهادئة. كانتْ تتمنى لو أنَّ والديها ما زالا على قيدِ الحياة، لتسألهما عنْ كلِّ شيء. لكنَّ القدرَ كانَ لهُ رأيٌ آخر.
"صباحُ الخير يا ليلى."
جاءَ الصوتُ مفاجئاً منْ خلفِها. استدارتْ ليلى لترى خالتها أمينة تقفُ عندَ بابِ الشرفة، ترتدي حجاباً أنيقاً وابتسامةً هادئة.
"صباحُ النور يا خالتي. لمْ أكنْ أتوقعُ أنْ أراكِ بهذهِ السرعة."
"لمْ أستطعْ النومَ جيداً الليلة الماضية، يا ابنتي. أشعرُ أنَّكِ تحتاجينَ إلى المزيدِ منَ الإجابات، وأنا هنا لأُقدمَها لكِ، قدرَ استطاعتي."
جلستْ أمينةُ بجانبِ ليلى، وأخذتْ نفساً عميقاً. "كما قلتُ لكِ بالأمس، لمْ تكنْ الأمورُ سهلةً على والدكِ. كانَ في حيرةٍ منْ أمره. كانتْ هناكَ امرأةٌ أحبَّها بصدق، لكنَّ أسرتَنا، وتحديداً جدكِ، كانَ لديهِ رؤيةٌ أخرى لمستقبلِ العائلة. كانتْ هناكَ مصالحُ اجتماعيةٌ وعائليةٌ لا يمكنُ تجاهلُها."
"منْ كانتْ هذهِ المرأةُ يا خالتي؟ هلْ هيَ نفسها التي وجدتُ رسائلَها وصندوقَها؟"
أومأتْ أمينةُ برأسِها ببطء. "نعم، هيَ هي. كانتْ فتاةً طيبةً جداً، منْ عائلةٍ كريمة، لكنَّها لمْ تكنْ بالحسبِ والنسبِ الذي كانَ يريده جدكِ. أصرَّ جدكِ على زواجِ والدكِ منْ فتاةٍ أخرى، فتاةٍ منْ أسرةٍ قويةٍ تُعززُ منْ مكانةِ عائلتنا. وكانَ والداكِ، رحمهمَا الله، رجليْ دينٍ وخوفٍ منَ الله، فأطاعا والديهما. لمْ يكنْ القرارُ سهلاً على والدكِ، بلْ كانَ قاسياً جداً. لكنَّه آمنْ بأنَّ هذا هوَ الطريقُ الصحيحُ لِرضا اللهِ ووالديه."
شعرتْ ليلى بوخزةٍ في قلبِها. "لكنَّ أمي... هلْ كانتْ تعلمُ بهذا؟"
"والدتكِ كانتْ تعرفُ بوجودِ هذهِ المرأةِ في حياةِ والدكِ قبلَ أنْ يلتقيا. لكنَّها، كقلبٍ كبيرٍ وروحٍ نقية، أحبَّتْ والدكِ بصدق، وآمنتْ بأنَّ الحلالَ يجمعُ القلوب. وافقتْ على الزواجِ منهُ، وكانتْ نعمَ الزوجةُ والأم. لمْ تُظهرْ لهُ أيَّ استياءٍ أوْ غضب، بلْ كانتْ لهُ السندَ والدفء. هيَ التي بنتْ معهذا المنزلَ، وهيَ التي شاركتْهُ أحلامَهُ."
"إذاً، لمْ تكنْ هناكَ خيانةٌ بالمعنى المباشر؟" سألتْ ليلى، وقلبُها بدأُ يرتاحُ قليلاً.
"لمْ تكنْ هناكَ خيانةٌ في السريرِ أوْ في الروحِ بينَ والديكِ. لقدْ كانَ حبهُ لتلكَ المرأةِ شيئاً منَ الماضي، شيئاً لمْ يستطعْ نسيانهُ تماماً، لكنَّهُ لمْ يُضيِّعْ حقهُ الشرعيَّ أوْ العاطفيَّ في حياتِهِ معَ والدتكِ. ومعَ ذلك، لمْ يستطعْ أنْ ينسى كلَّ تلكَ السنواتِ منْ الوحدةِ العاطفيةِ قبلَ زواجِهِ، ولمْ ينسَ تلكَ المرأةَ التي أحبَّها. هذا ما جعلَهُ يُحاولُ تعويضَ بعضِ الأبناءِ أكثرَ منَ غيرهم، ويُحاولُ أنْ يمنحَهمْ ما لمْ يحصلْ عليهِ هو."
"ومنْ هيَ هذهِ المرأةُ التي تلقَّتْ رسائلَ منْ والدي؟ هلْ لها علاقةٌ بـ... بالأسرةِ الأخرى التي تحدثتِ عنها؟"
نظرتْ أمينةُ بعيداً، وعلامةٌ منَ الحزنِ اعتلتْ وجهَها. "نعم، كانتْ قريبةً لنا. لكنَّ الظروفَ فرَّقتْ بينَ العائلتين. لمْ يكتملْ زواجُ والدكِ بها، وانتهتْ القصةُ بحزنٍ وألمٍ على الطرفين. لكنَّ والدكِ لمْ ينسَ وعدهُ لها، أوْ مشاعرِها. ولذلك، حاولَ، قدرَ استطاعتِهِ، أنْ يُكرمَ ذكراها، وأنْ يُحافظَ على بعضِ ما كانَ بينهما."
"وهلْ لهذهِ الأمورِ علاقةٌ بـ... بـ... بالوضعِ الحالي؟ بموضوعِ إرثِ جدي؟" كانَ السؤالُ يخرجُ منْ بينِ شفتيها بصعوبة.
أومأتْ أمينةُ مرةً أخرى. "نعم، يا ابنتي. إنَّ هذهِ الأمورَ قدْ نسجتْ شبكةً معقدةً منَ العلاقاتِ والمصالح. والدكِ، بسببِ تلكَ العلاقةِ القديمة، وبسببِ بعضِ الوعودِ التي قطعها، حاولَ أنْ يُبقيَ على خيطٍ رفيعٍ منَ التواصلِ معَ أسرةِ تلكَ المرأة. وهذا، للأسف، لمْ يُعجبْ بعضَ الأطرافِ الأخرى في عائلتنا، الذينَ كانوا يخططونَ لِشيءٍ آخر."
"وما هوَ هذا الشيءُ الآخر؟" سألتْ ليلى، تشعرُ بأنَّ الأمورَ تتكشفُ أمامَها شيئاً فشيئاً.
"كانَ هناكَ اتفاقٌ، يا ليلى، اتفاقٌ لمْ يُعلمْ بهِ الكثيرونَ. كانَ يتعلقُ ببعضِ الممتلكاتِ وأموالِ جدي. والدكِ، عندما اكتشفَ أنَّ الأمورَ قدْ تتجهُ نحوِ الظلمِ أوِ الاستغلال، حاولَ أنْ يُعطِّلَ هذا الاتفاق، أوْ على الأقلْ أنْ يُحافظَ على حقوقِ الجميع. هذا ما جعلهُ هدفاً لبعضِ الأشخاصِ الذينَ كانوا يسعونَ لِ مصالحهم."
"وهلْ لهذا علاقةٌ بالرجلِ الذي حاولَ أنْ يُضرَّ بسمعتي؟"
"نعم، للأسف. هوَ شخصٌ لهُ مصلحةٌ كبيرةٌ في تمريرِ هذا الاتفاق. وعندما رأى أنَّ والدكِ يقفُ في وجهِهِ، حاولَ أنْ يُشتتَ الانتباه، وأنْ يُحطمَ عائلةَ والدكِ. وبما أنَّكِ كنتِ أقربَ الناسِ إليه، فقدْ بدأَ بكِ."
شعرتْ ليلى ببردٍ يسري في عروقِها. كلُّ شيءٍ بدأَ يتضح. الألغازُ التي كانتْ تُحيطُ بها بدأتْ تتلاشى، لتُفسحَ المجالَ لِ حقيقةٍ مؤلمة. لكنَّ هذهِ الحقيقةَ منحتْها أيضاً القوةَ والشجاعة.
"شكراً لكِ يا خالتي. لقدْ أوضحتِ لي الكثير." قالتْ ليلى، وعيناها تلمعانِ بقوة. "الآن، أنا أعرفُ لماذا فعلَ والدي ما فعل. أعرفُ لماذا كانتْ لديهِ بعضُ الترددات. لكنَّني أيضاً أعرفُ أنَّهُ كانَ رجلاً شريفاً، حاولَ أنْ يُحافظَ على حقوقِ الجميع."
"بالضبط يا ابنتي. وهذا هوَ الميراثُ الحقيقيُّ الذي تركهُ لكِ. القوةُ، والنزاهة، والحق."
"ولكن، ماذا عنْ خالد؟ هلْ لهُ علاقةٌ بكلِّ هذا؟" سؤالٌ آخرُ يطفو على السطح.
ترددتْ أمينةُ قليلاً. "خالدٌ... لهُ علاقةٌ ببعضِ الأشخاصِ الذينَ لهمْ مصلحةٌ في هذا الاتفاق. لكنَّني واثقةٌ منْ أنَّه لمْ يكنْ يعلمُ بالكثيرِ مما يحدث. قلبُهُ طيبٌ، لكنَّه قدْ يكونُ متورطاً بطرقٍ لا يُدركُها."
"ماذا يعني هذا؟"
"يعني يا ليلى، أنَّ عليكِ أنْ تكوني حذرةً جداً. وأنْ تفهمي كلَّ خيوطِ هذهِ القصةِ قبلَ أنْ تتخذي أيَّ قرارٍ يتعلقُ بخالد."
شعرتْ ليلى بأنَّ الطريقَ أمامَها أصبحَ أكثرَ وعورة. لمْ يعدِ الأمرُ يتعلقُ بوالدها فقط، بلْ امتدَّ ليشملَ خالدَ وشخصياتٍ أخرى. كانَ عليها أنْ تُدركَ الحقيقةَ كاملةً، وأنْ تُحافظَ على نفسها وعلى سمعتِها.