حب على الورق الجزء الثالث

خيوطٌ متشابكةٌ ومستقبلٌ على المحك

بقلم سارة العمري

عادَ الهدوءُ إلى منزلِ ليلى، لكنَّهُ هدوءٌ مُثقلٌ بالحقيقة. لمْ تعدْ مجردَ ابنةٍ حزينةٍ على فقدانِ والدها، بلْ أصبحتْ حارسةً لأسرارِ الماضي، وباحثةً عنْ حقيقةٍ قدْ تُعيدُ ترتيبَ أوراقِ حاضرِها ومستقبلِها. نظرتْ إلى رسائلِ والدها، وإلى دفاتره، بعينٍ جديدة. لمْ تعدْ ترى فيها مجردَ ذكريات، بلْ وثائقَ تُدينُ ظالمينَ وتُبرئُ بريئاً.

تذكرتْ حديثَها معَ خالدَ قبلَ أسابيع. كمْ كانتْ متأكدةً منْ صدقهِ وأمانته. لكنَّ كلامَ خالتها ألقى ببعضِ الشكوكِ في قلبِها. كيفَ يمكنُ لخالدَ أنْ يكونَ مرتبطاً بأشخاصٍ لهمْ مصلحةٌ في الظلم؟ وهلْ كانَ يعلمُ بنواياهم؟

قررتْ ليلى أنْ تواجهَ الأمر. لمْ تعدْ تحتملُ هذهِ الحيرة. في المساءِ، وبينما كانتْ الشمسُ تُلقي بآخرِ خيوطِها الذهبيةِ على الأفق، أمسكتْ هاتفَها واتصلتْ بخالد.

"مرحباً خالد. كيفَ حالكَ؟"

"ليلى! الحمدُ لله، بخير. ولكنَّ صوتَكِ يبدو مختلفاً. هلْ أنتِ بخير؟"

"أنا بخير، ولكنَّ لديَّ بعضُ الأمورِ التي تودُّ أنْ أتحدثَ معكِ فيها. هلْ يمكنُ أنْ نلتقيَ غداً؟"

"بالتأكيد. أيُّ وقتٍ يناسبكِ. أنا في خدمتكِ دائماً."

شعرتْ ليلى بارتياحٍ طفيف. على الأقل، كانَ خالدُ مستعداً لمقابلتها، ولمْ يُظهرْ أيَّ تردد.

في صباحِ اليومِ التالي، التقتْ ليلى بخالدَ في أحدِ المقاهي الهادئة، بعيداً عنْ أعينِ الفضوليين. كانَ خالدُ ينتظرُها، وبدتْ عليهِ علاماتُ القلقِ الخفيف.

"ليلى، ما الذي يحدث؟ هلْ هناكَ شيءٌ مقلق؟"

جلستْ ليلى قبالته، وأخذتْ نفساً عميقاً. "خالد، لقدْ اكتشفتُ أموراً كثيرةً في الأيامِ الماضية. أمورٌ تتعلقُ بوالدي، وبالماضي، وبالحاضر."

"وأنا مستعدٌ لسماعِ كلِّ شيء. أنتِ تعلمينَ أنَّني لنْ أتخلى عنكِ."

"أعلمُ ذلك. لكنَّني بحاجةٍ إلى أنْ أعرفَ الحقيقةَ منك. هلْ تعرفُ شيئاً عنْ اتفاقٍ يتعلقُ بإرثِ جدي؟ اتفاقٍ كانَ فيهِ والدي يحاولُ أنْ يُحافظَ على حقوقِ الجميع؟"

نظرَ خالدُ إلى الأرضِ للحظة، وكانَ يبدو عليهِ التردد. "لقدْ سمعتُ بعضَ الهمساتِ عنْ هذا الأمر. ولكنَّها مجردُ همسات. لمْ أكنْ أعرفُ التفاصيل."

"ولكنَّكَ تعلمُ بمنْ لهمْ مصلحةٌ في تمريرِ هذا الاتفاق، أليسَ كذلك؟"

تجهمَ وجهُ خالد. "ليلى، أنتِ تعلمينَ أنَّني أعملُ معَ أشخاصٍ مختلفين. ولكنَّني لمْ أكنْ يوماً منَ الذينَ يُحبونَ الظلمَ أوِ الاستغلال."

"ولكنَّكَ كنتَ على اتصالٍ ببعضِ الأشخاصِ الذينَ حاولوا أنْ يُضرُّوا بسمعتي، أليسَ كذلك؟"

ارتفعتْ عينا خالدَ بدهشة. "منْ قالَ لكِ هذا؟ منْ حاولَ أنْ يُضرَّ بسمعتكِ؟"

"لقدْ علمتُ أنَّ هناكَ منْ حاولَ أنْ يُورطني في أمرٍ ما، وأنَّهمْ كانوا يستخدمونَ بعضَ الوسائلِ غيرِ المشروعة. وقيلَ لي إنَّ لهمْ علاقةٌ بـ... بأشخاصٍ تعرفينهم."

صمتَ خالدُ للحظة، ثمَّ قالَ بصوتٍ هادئ: "ليلى، أنا آسفٌ جداً. ولكنَّني لمْ أكنْ أعلمُ أنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ سيتجهونَ إلى هذا الحد. لقدْ كنتُ أعملُ معَ بعضِهم في مشروعٍ تجاريٍّ بسيط، ولكنَّني اكتشفتُ مؤخراً أنَّ نواياهم لمْ تكنْ حسنة. لقدْ حاولوا أنْ يُورطوني في بعضِ الأمورِ المشبوهة، وقدْ رفضتُ ذلكَ تماماً. لكنَّني لمْ أكنْ أعرفُ أنَّهمْ سيُحاولونَ إيذاءَكِ. لو كنتُ أعرفُ، لَـ... لَـ... لَـمنعتُهمْ بكلِّ قوتي."

"ولماذا لمْ تُخبرني؟ لماذا لمْ تُحذرني؟"

"كنتُ أحاولُ أنْ أُثبتَ لوالديَّ، ولنفسي، أنَّني أستطيعُ أنْ أكونَ ناجحاً في عملي. وخفتُ أنْ أُخبركِ بالأمرِ فيُقللُ ذلكَ منْ شأنِ نجاحي في عينيكِ. وأيضاً، كنتُ أخشى أنْ أُزعجَكِ بالأمورِ التجاريةِ المعقدة. لقدْ كنتُ مخطئاً، وأنا أعتذرُ لكِ عنْ هذا الخطأ."

كانَ اعتذارُ خالدَ صادقاً، لكنَّ قلبَ ليلى لمْ يهدأ تماماً. كانتْ تشعرُ بأنَّ هناكَ المزيدَ منَ الخيوطِ التي لمْ تُكشفْ بعد.

"وماذا عنْ علاقتِكَ بأشخاصٍ لهمْ مصلحةٌ في استمرارِ الاتفاقِ الذي كانَ والدي يُعارضُهُ؟"

نظرَ خالدُ إلى الأمامِ بحزن. "أعلمُ أنَّ هناكَ أطرافاً في عائلتنا، وفي عائلةٍ أخرى، يريدونَ تمريرَ هذا الاتفاق. ولكنَّني لمْ أكنْ جزءاً منْهم. لقدْ حاولتُ أنْ أكونَ وسيطاً، وأنْ أُساعدَ في إيجادِ حلٍّ عادل. ولكنَّ الأمورَ كانتْ معقدةً جداً، وبعضُ الأشخاصِ كانوا عنيدينَ جداً."

"هلْ كنتَ تعلمُ أنَّ والدي كانَ يُعارضُ هذا الاتفاق؟"

"نعم، كنتُ أعرفُ أنَّ لديهِ تحفظاتٍ. وكانَ يحاولُ أنْ يُحافظَ على بعضِ الحقوق. ولكنَّه لمْ يُخبرني بالتفاصيلَ الدقيقة. كانَ دائماً ما يقولُ لي: 'يا خالد، كنْ حذراً، ولا تدعْ أحداً يغدرُ بكَ أوْ بمنْ تُحب.'"

"وماذا عنْ المرأةِ التي أحبَّها والدي في الماضي؟ هلْ لكَ علاقةٌ بأسرتِها؟"

توقَّفَ خالدُ للحظة، ثمَّ قالَ بتردد: "أسرةُ تلكَ المرأةِ... لقدْ كانوا يعرفونَ والدي جيداً. وعلاقاتُهم كانتْ متوترةً معَ بعضِ أفرادِ عائلتِنا. ولكنَّني لمْ أعرفْ عنْ علاقةِ حبٍّ قويةٍ بينَ والدي وبينَ ابنتِهم."

شعرتْ ليلى بخيبةِ أملٍ طفيفة. كانتْ تتمنى لو أنَّ خالدَ يعرفُ أكثرَ، لو أنَّهُ يستطيعُ أنْ يُساعدَها في كشفِ كلِّ شيء.

"خالد، أنا أُقدرُ صدقكَ. ولكنَّني أشعرُ بأنَّ هناكَ الكثيرَ منَ الأسرارِ التي لمْ تُكشفْ بعد. وخاصةً فيما يتعلقُ بالجانبِ الماليِّ والقانونيِّ لهذا الاتفاق. هلْ يمكنكَ أنْ تُساعدني في فهمِ هذهِ الأمور؟"

"بالطبع. سأفعلُ كلَّ ما بوسعي. ولكنَّني أحتاجُ إلى بعضِ الوقتِ لأُرتِّبَ أفكاري، ولأُراجعَ بعضَ الوثائق."

"شكراً لكَ يا خالد."

نهضتْ ليلى، وشعرتْ بأنَّ خطوتَها كانتْ صائبة. على الرغمِ منْ كلِّ الشكوكِ التي ألقاها كلامُ خالتها، إلا أنَّها وجدتْ في خالدَ صدقاً ورغبةً في المساعدة. لكنَّ الطريقَ ما زالَ طويلاً، وكانَ عليها أنْ تتأكدَ منْ كلِّ شيءٍ قبلَ أنْ تُقدمَ على أيِّ خطوةٍ أخرى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%