حب على الورق الجزء الثالث
همسات الظلام وضوء الفجر
بقلم سارة العمري
تسللت خيوط الفجر الأولى، لم تكن تلك الخيوط بشيرة خير، بل كانت أشبه بنذير شؤم يلوح في الأفق. في غرفة فاطمة، لم ينم لها جفن. كانت عيناها الواسعتان تحدقان في سقف الغرفة، ترسم عليه قصصاً لم تحدث بعد، وتستشعر عبق خطر قادم. رائحة البخور التي كانت تعبق المكان بالأمس، تحولت الآن إلى ثقل يكتم الأنفاس. لم تكن المشكلة في والدها، فقد كان رجلًا طيبًا، لكن المشكلة كانت في ذاك الرجل الذي اتخذه صديقًا، الرجل ذو العينين الثاقبتين والابتسامة التي تخفي ألف معنى.
تذكرت حديثها الأخير مع أخيها الأكبر، أحمد. كان صوته يحمل قلقًا لم تعهده فيه من قبل. "فاطمة، حاولي أن تكوني حذرة. أشعر بشيء غريب تجاه هذه الزيارة. أبي يبدو متأثرًا جدًا بكلامه." لم تعر فاطمة لكلماته اهتمامًا كبيرًا في حينها، ظنت أنها مجرد هواجس أخٍ محب. لكن الآن، وبعد أن أمضت ليلة كاملة في التفكير، بدأت تدرك مدى صدق قلق أحمد.
نهضت من فراشها بصمت، وتوجهت نحو خزانة ملابسها. لم يكن لديها وقت كافٍ لترتيب أفكارها، لكن كان عليها أن تبدأ. فتحت أحد الأدراج السفلى، وأخرجت منه صندوقًا خشبيًا قديمًا، مزخرفًا بالنقوش الإسلامية. كان هذا الصندوق سرًا بينها وبين جدتها الراحلة، يحتوي على أشياء عزيزة، بعضها ذو قيمة معنوية لا تقدر بثمن. من بين تلك الأشياء، كانت هناك وثيقة، وثيقة أودعتها جدتها لديها قبل سنوات، قائلة: "عندما تشعرين أن هناك من يبتغي الظلم، أو عندما يداهمك أمر جلل، افتحي هذه الوثيقة."
وضعت الوثيقة في جيب فستانها الداخلي، ثم ارتدت عباءتها. صوت خطوات أمها الخافتة في أرجاء المنزل أيقظت فيها شعورًا بالمسؤولية. لم ترد أن تقلقها. خرجت من غرفتها، متجنبة أي صوت قد يلفت الانتباه. كان الجو لا يزال باردًا، رغم أن الشمس بدأت تلوح في الأفق.
في قاعة الطعام، كان والدها جالسًا، يحتسي فنجان قهوته الصباحية. بدت عليه علامات الإرهاق، لكن عيناه كانتا تتلألآن ببريق غريب، بريق لم تره فيه من قبل. بجانبه، كان يجلس السيد غسان، الرجل الذي وصفه والدها بـ"الصديق الوفي". كان غسان يبتسم، ويروي لوالدها قصة، لكن عينيه كانت تجولان في أرجاء القاعة، تدرس كل زاوية، كل تفصيل.
"صباح الخير يا أبي، صباح الخير يا سيد غسان." قالت فاطمة بصوت هادئ، حاولت جاهدة ألا يبدو في صوتها أي أثر للتوتر.
ابتسم والدها ابتسامة باهتة. "صباح النور يا ابنتي. متى استيقظتِ؟"
"قبل قليل يا أبي. هل أعد لكم إفطارًا؟"
"لا داعي يا ابنتي، لقد طلبنا بعض الأطعمة. غسان سيشاركنا إفطارنا اليوم." قال الأب، وكانت نبرته تحمل رغبة واضحة في إظهار كرم الضيافة.
شعرت فاطمة ببرودة تسري في عروقها. كان طلب الأطعمة في يوم كهذا، وهو رجل ضيف؟ شعرت بأن هناك شيئًا ما لا يسير على ما يرام. جلست بجانب والدها، وحاولت أن تبدو طبيعية، لكن قلبها كان يدق بعنف.
بدأ غسان حديثه، متوجهًا إليها مباشرة. "لقد سمعت الكثير عنكِ يا ابنة عمي. أحمد يمدح أخلاقكِ وذكائكِ."
ابتسمت فاطمة ابتسامة بالكاد ظهرت على شفتيها. "شكرًا لك. وأنا أيضًا سمعت عن كرمك وأفضالك." كان كلامها يحمل لسعة بسيطة، لكن غسان لم يبدُ أنه لاحظها.
"حقيقة،" قال غسان، وأمال رأسه قليلاً، "أنا هنا اليوم لأتحدث مع والدك في أمر مهم. أمر قد يغير حياتنا جميعًا."
نظر الأب إلى غسان، ثم إلى فاطمة، وكأنما يطلب منها أن تفهم. "غسان له اقتراح عزيز على قلبي، اقتراح يتعلق بمستقبل أعمالنا، وبمستقبل هذه العائلة."
هنا، لم تستطع فاطمة السيطرة على فضولها، بل وربما على خوفها. "وما هو هذا الاقتراح، إن سمحت لي بالسؤال؟"
ضحك غسان ضحكة قصيرة، كانت أشبه بزئير قطة تحاول إخفاء أنيابها. "هو اقتراح يتعلق بزواج. زواج مبارك، يربط بين عائلتين عريقتين. زواج يجمع بيني وبين... ابنتك."
تجمدت فاطمة في مكانها. لم تستطع أن تصدق ما سمعته. والدها، الذي طالما رفض فكرة زواجها المبكر، وفكرتها حتى الآن، كيف يمكن أن يوافق على هذا؟ نظرت إلى والدها، فوجدت في عينيه مزيجًا من الاندفاع والرضا، وكأنه وقع في فخ ما.
"أتفهم أن الأمر قد يبدو مفاجئًا لكِ يا ابنة عمي،" قال غسان، وكأنه يقرأ أفكارها، "لكنني أحترم عاداتنا وتقاليدنا. لم أكن لأتقدم بهذا الطلب لولا أنني أرى فيكِ الزوجة الصالحة، والشريكة المثالية. والدكِ وافقني الرأي."
التفتت فاطمة إلى والدها، وكادت أن تصرخ. "يا أبي! كيف؟ لم نتحدث في هذا الأمر من قبل! ولم أسأل أنا عن رأيي!"
قال والدها بهدوء، وكأنما كان مستعدًا لهذه اللحظة. "فاطمة، غسان رجل صاحب نفوذ، ورجل أعمال ناجح. زواجكما سيحقق لكِ ولنا الكثير من الاستقرار والرخاء. وهو رجل يعرف كيف يحافظ على سمعة عائلته. ألا ترين كم هو مهتم بمسألة النسب والتقاليد؟"
شعرت فاطمة بالغثيان. كانت كلمة "النسب" و"التقاليد" تقال في سياق يحمل معنى مختلفًا تمامًا. شعرت بأنها سلعة تُباع وتُشترى.
"يا أبي،" قالت بصوت متقطع، "لقد كنت دائمًا أقول أن زواجي يجب أن يكون عن حب وتفاهم، وليس مجرد صفقة!"
"الحب يأتي مع العشرة يا ابنتي،" رد والدها، وكان صوته يحمل صرامة غريبة، "والتفاهم يمكن بناؤه. غسان رجل صالح، وسيعاملكِ بالحسنى. وأنا أثق في اختياره."
نظرت فاطمة إلى غسان، ورأت في عينيه نظرة امتلاك، نظرة لم تكن موجودة من قبل. كانت نظرة انتصار. هنا، أدركت أنها في خطر حقيقي. لم يكن الأمر مجرد زواج غير مرغوب فيه، بل كان شيئًا أعمق، شيئًا يحاول أن يخفيه غسان خلف واجهة الاحترام.
"أتمنى أن تفهمي، يا ابنة عمي،" قال غسان، ويده تمتد لتلمس يدها، لكن فاطمة سحبت يدها بسرعة. "هذه فرصة لا تعوض. وأنا متأكد أنكِ ستسعدين بها."
"لا! لن أسعد بها!" قالت فاطمة بصوت عالٍ، لم تعد قادرة على تمالك نفسها. "أنا لن أتزوج منك! ولن أوافق على هذا الزواج!"
انقبض وجه والدها، بينما ابتسم غسان ابتسامة عريضة، بدت أكثر تهديدًا من ذي قبل. "هذا ما سنراه، يا ابنة عمي. والدكِ قد وافق، وهذا يكفي. لم يعد رأيكِ مهمًا جدًا في هذه المسألة."
كانت هذه الكلمات بمثابة سهم اخترق قلب فاطمة. شعرت بانهيار كل شيء. كل ما بنته من أحلام، كل ما آمنت به، بات الآن مهددًا بالزوال. نهضت من مقعدها، وعيناها مغرورتان بالدموع. "لن أسمح بهذا!"
ركضت خارج القاعة، متوجهة إلى غرفتها. أغلقت الباب خلفها، وانهارت على الأرض. صوت بكائها اختلط بصرخات قلبها. في تلك اللحظة، شعرت بالوحدة التامة. لم يعد لديها أحد لتلجأ إليه، سوى الذكريات والوثيقة التي في جيبها.
فتحت الصندوق الخشبي مرة أخرى، وأخرجت الوثيقة. كانت ورقة صفراء، عليها خط يد جدتها. بدأت بقراءتها، والدموع تنهمر على وجهها. كانت الرسالة تتحدث عن مخاوف جدتها من شخص كان يحيط بعائلتهم، شخص حاول السيطرة على ممتلكاتهم باسم الزواج، شخص كان يمتلك دهاءً وخبثًا. وتحدثت الرسالة عن دليل، دليل على فساد هذا الرجل، دليل كان بيد جدتها، لكنها أخفته في مكان سري، وأودعت الوصف في هذه الوثيقة.
"إن وجدتِ نفسكِ في محنة، يا فاطمة،" قرأت بصوت متقطع، "وابتليتِ برجل يسعى للمال والجاه على حساب كرامة الآخرين، فابحثي عن مفتاح الخزانة الخشبية خلف لوحة الشاعر. هناك ستجدين ضالتكِ. تذكري، الحقيقة دائمًا ما تكون أشد لمعانًا من الذهب."
نظرت فاطمة حولها، ثم إلى لوحة قديمة معلقة على جدار غرفتها، لوحة تصور منظرًا طبيعيًا من الصحراء. تحركت نحوها، وفتشت خلفها. وجدت ثقبًا صغيرًا، أدخلت فيه يدها، فشعرت ببرودة معدن. سحبت، فإذا بها مفتاح صغير، صدئ.
كانت هذه بداية الهروب، بداية المعركة. شعرت بأنها أصبحت أقوى، رغم كل شيء. كان عليها أن تفهم ما هو هذا الدليل، وماذا تخفي جدتها. ولم يعد هناك وقت للتردد. كان الظلام يحيط بها، لكنها أصرت على أن تبحث عن نور الفجر.