حب على الورق الجزء الثالث
أسرار الماضي ودروب الخلاص
بقلم سارة العمري
بيدين مرتعشتين، أمسكت فاطمة بالمفتاح الصغير. كان باردًا، وكأن البرد قد تسرب إلى جوهره من آلاف الليالي التي قضاها مختبئًا. نظرت إلى اللوحة، ثم إلى جدار الغرفة، وكأنها تبحث عن إشارة أخرى، عن دليل مادي على ما تقوله الوثيقة. كان هناك، خلف اللوحة تمامًا، جزء من الجدار يبدو مختلفًا قليلاً، كأنه قد تم إصلاحه حديثًا، أو ربما تم إخفاء شيء فيه.
لم يكن لديها أدوات، ولم يكن الوقت مناسبًا لإحداث ضجة. تذكرت خزانة ملابسها الخشبية القديمة، التي كانت جدتها تحتفظ فيها ببعض الكتب والتحف. كانت إحدى زوايا الخزانة متهالكة قليلاً، ربما يمكن استخدامها. دفعت فاطمة الدولاب الخشبي، وصوته احتك بالأرضية أحدث ضجيجًا خفيفًا. فتحت باب الخزانة، وبدأت تبحث بعينيها. كانت ترى الملابس القديمة، وأغراض جدتها التي لم تتخلص منها.
لمحت زاوية الخزانة التي تحدثت عنها. كانت هناك قطعة خشبية صغيرة، تبدو وكأنها منفصلة عن بقية الهيكل. وضعت المفتاح في ثقب صغير بالكاد يمكن رؤيته. دار المفتاح ببطء، ومع صوت طقطقة خفيفة، انفتح جزء صغير من زاوية الخزانة، أشبه بدرج سري.
سحبت فاطمة الدرج بحذر. كان فارغًا تقريبًا، ما عدا قطعة قماش قديمة مطوية بعناية. فتحت القماش، فوجدت بداخله مظروفًا جلديًا قديمًا. لم يكن مغلقًا بأي ختم، بل كان مفتوحًا جزئيًا. وضعت يدها داخل المظروف، وسحبت ما بداخله.
كانت ورقة مطوية، عليها بضع سطور بخط اليد، لكن الخط كان غريبًا، وكأنه يعود لشخص غير جدتها. وفوقه، كانت هناك صورتان صغيرتان، ملصقتان بعناية. صورة لرجل، وصورة لامرأة. نظرت إلى الرجل، فشعرت برعشة مفاجئة. كان يشبه إلى حد كبير السيد غسان، لكنه كان أصغر سنًا، وأكثر وضوحًا في ملامحه. أما المرأة، فلم تعرفها. كانت تبدو جميلة، ولكن بعينين حزينتين.
بدأت بقراءة السطور القليلة التي كانت مكتوبة. كانت عبارة عن شهادة، شهادة من شخص مجهول، يشهد فيها على علاقة غسان بامرأة أخرى، وأن غسان كان يعد هذه المرأة بالزواج، ثم تخلى عنها بعد أن علم بوجود أطفال منها. ثم ذكرت الشهادة أن غسان قد استولى على أموال الرجل الذي كانت المرأة على علاقة به، وأنه قام بتلفيق تهمة له ليتم سجنه، مما أتاح لغسان الاستيلاء على ممتلكاته.
"هذا الرجل،" كانت الشهادة تقول، "يُدعى غسان. وهو يسعى الآن للاستيلاء على ممتلكات عائلة...". لم يكتمل النص، توقف فجأة.
نظرت فاطمة إلى الصور مرة أخرى. من هي هذه المرأة؟ ومن هو هذا الرجل الذي تم تلفيق التهمة له؟ هل يمكن أن يكون هناك علاقة بين هذا الرجل وبين ما يحدث لها الآن؟
ثم، لمعت في ذهنها فكرة. هل كان والدها يعرف بهذا؟ هل كان غسان قد استغل ضعفه أو حاجته؟ تذكرت كلماته: "غسان له اقتراح عزيز على قلبي، اقتراح يتعلق بمستقبل أعمالنا". هل كان هذا الاقتراح هو الاستيلاء على أموال عائلة أخرى؟
"يا له من خسة!" تمتمت فاطمة، وصوتها بالكاد خرج. "يا له من دهاء! لقد تلاعب بوالدي!"
أغلقت المظروف، ووضعته في جيبها مع الوثيقة الأخرى. كانت تحمل الآن عبئًا ثقيلاً، عبئًا يثقل كاهلها، ولكنه يمنحها أيضًا قوة غريبة. قوة الحقيقة.
خرجت فاطمة من غرفتها، وكانت تنوي الذهاب لمواجهة والدها، لكنها توقفت. كانت تعلم أن المواجهة المباشرة في هذا الوقت لن تجدي نفعًا. والدها وقع في شباك غسان، وكان من الصعب إقناعه بالعدول عن رأيه. كان عليها أن تجد طريقة أخرى.
تذكرت أن أباها قد ترك منزل العائلة القديم، المنزل الذي نشأت فيه، واحتفظ به ليكون متحفًا صغيرًا لذكرياته. كانت هناك وثائق قديمة، وكتب، وصور. ربما كان هناك شيء هناك قد يساعدها.
خرجت فاطمة من المنزل بهدوء، متظاهرة بأنها ذاهبة في نزهة صباحية. كانت الشمس قد ارتفعت الآن، وبدأت تشع بنورها الدافئ، لكن فاطمة شعرت ببرودة عميقة. توجهت نحو منزل جدتها القديم، الذي كان يبعد عن منزلهم بضعة كيلومترات.
عندما وصلت، وجدت المنزل مهجورًا، لكنه كان محفوظًا جيدًا. الباب الرئيسي كان مغلقًا، لكن فاطمة كانت تعرف بابًا خلفيًا صغيرًا، كان والديها يستخدمانه عندما كانا يزوران جدتهما. فتحت الباب، ودخلت إلى المنزل.
كان الهواء ثقيلاً، تفوح منه رائحة الغبار والأخشاب القديمة. كانت الأثاث مغطى بالأقمشة البيضاء، وكأنها أشباح تجلس في الظلام. توجهت فاطمة نحو الغرفة التي كانت تخص والدها، والتي كانت تحتوي على مكتبه الخاص.
بدأت تبحث بين الأوراق القديمة، والصناديق. كان كل شيء يبدو عاديًا، مكدسًا. لكنها شعرت بوجود شيء ما. تذكرت كلام جدتها عن "لوحة الشاعر". كان هناك في هذه الغرفة لوحة قديمة، تصور شاعرًا عربيًا مشهورًا، يتأمل في صحراء واسعة.
اقتربت فاطمة من اللوحة، وفحصت إطارها. كان الإطار سميكًا، وكأنه يخفي شيئًا. بدأت تبحث عن أي ثقب، أو أي مفصل. لم تجد شيئًا. لكنها تذكرت أن جدتها كانت تحب الإبداع في إخفاء الأشياء. ربما كان الأمر لا يتعلق بوجود ثقب، بل بضغط معين، أو حركة معينة.
مررت يدها على حافة اللوحة، على حواف الإطار. ثم، في زاوية معينة، شعرت بوجود شيء مختلف. ضغطت عليه برفق، فشعرت بانزلاق خفيف. تحركت اللوحة قليلاً إلى جانب.
كشفت الحركة عن تجويف صغير خلف اللوحة. لم يكن هناك مفتاح، بل كان هناك ملف، ملف سميك، ومغلق بإحكام. سحبته فاطمة بحذر، وشعرت بثقله.
فتحت الملف. كانت هناك مستندات كثيرة، أوراق رسمية، عقود، وشيكات. بدأت تقلب فيها، ثم توقفت عند وثيقة معينة. كانت عقد بيع، يخص جزءًا كبيرًا من ممتلكات والدها، تم بيعه بمبلغ زهيد جدًا، لم يكن يعادل حتى جزءًا صغيرًا من قيمته الحقيقية. وكان اسم المشتري هو... السيد غسان.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. كانت هناك مستندات أخرى، تثبت أن غسان كان يتلاعب بالحسابات، وأن أموالًا كانت تختفي من شركة والدها، وأن غسان كان يضعها في حساباته الخاصة. والأغرب من ذلك، كانت هناك رسائل، رسائل بين غسان وبين شخص آخر، شخص كان يوجه غسان، ويحثه على تسريع عملية الاستيلاء على ممتلكات والد فاطمة، مقابل نسبة من الأرباح.
"من هو هذا الشخص؟" تساءلت فاطمة. نظرت إلى التوقيعات، فلم تجد اسمًا واضحًا، بل مجرد حرفين، حرف "ع" وحرف "ح".
شعرت بأنها على وشك اكتشاف الحقيقة كاملة. كانت هذه المستندات دليلًا قويًا، دليلًا يمكن أن يدمر غسان. لكنها أدركت أيضًا أن الأمر لم ينته بعد. غسان لم يكن يعمل وحده. كان هناك شخص آخر، شخص يبدو أنه يتحكم في الخيوط من وراء الكواليس.
أغلقت الملف، وضغطت على صدرها. كانت تعلم أن عليها أن تكون حذرة. لقد كشفت عن أسرار كبيرة، وأسرار خطيرة. ولم يكن الوقت مناسبًا للوقوف والتفكير. كان عليها أن تعود، وأن تجد طريقة لاستخدام هذه المعلومات، قبل أن يكتشف غسان أنها قد بدأت تبحث.
بينما كانت تغادر المنزل القديم، نظرت إلى الوراء. شعرت بأن المنزل يحمل أسرارًا أكثر مما كشفت. وأن الألغاز تتزايد. كان عليها أن تتذكر أن الظلام قد يحيط بها، لكن الحقيقة، مهما كانت مخفية، ستجد طريقها إلى النور.