حب على الورق الجزء الثالث
شبكة المؤامرات وخيوط الحقيقة
بقلم سارة العمري
عادت فاطمة إلى المنزل، قلبها ينبض بقوة، وعقلها يعج بالأفكار المتشابكة. وضعت الملف السري في مكان آمن، بعيدًا عن أعين المتطفلين، ثم حاولت استعادة رباطة جأشها. كان عليها أن تتصرف بهدوء، وبذكاء. لم تعد مجرد فتاة بريئة، بل أصبحت مقاتلة، تحمل أسلحة قوية في يديها.
جلست في غرفتها، وأخرجت الوثيقتين الأخيرتين. وثيقة جدتها، وشهادة غسان، والمستندات التي وجدتها في المنزل القديم. بدأت بترتيب الأفكار، ومحاولة ربط الخيوط. كان غسان متورطًا في خداع والدها، واستغلاله ماليًا. وكان لديه شريك، شخص يشاركه في هذه الجرائم، شخص غامض، لا يعرف سوى اسمه بحرفين.
تذكرت أخيها أحمد. كان دائمًا الشخص الذي تلجأ إليه في المواقف الصعبة. لكنها كانت تخشى أن تقلقله أكثر مما هو قلق بالفعل. في نهاية المطاف، قررت أنه لا مفر من إخباره.
بعد صلاة العشاء، انتظرت حتى تأكدت من أن والدها وغسان قد انصرفا إلى غرفهما، أو أنهما منشغلان في حديث خاص. ثم توجهت إلى غرفة أحمد، وطرق الباب بخفة.
"من بالباب؟" سمعت صوت أحمد الخافت.
"أنا يا أحمد. افتح."
فتح أحمد الباب، وبدت الدهشة على وجهه. "فاطمة! ما الذي تفعلينه هنا في هذا الوقت؟ هل حدث شيء؟"
أومأت فاطمة برأسها، وقالت بنبرة هادئة قدر الإمكان، "علينا أن نتحدث، أحمد. الأمر خطير."
دعها أحمد تدخل، وأغلق الباب. عندما رأى جدية الموقف، قال، "ما الأمر؟ هل والدك بخير؟"
"والدي بخير، لكنه في خطر، ونحن في خطر. هناك مؤامرة تحاك ضدنا."
بدأت فاطمة بسرد كل ما اكتشفته، منذ بداية وصول غسان، إلى الوثائق التي وجدتها. كانت تتحدث بوضوح، وتوضح كل التفاصيل. أحمد كان يستمع باهتمام بالغ، وعلامات الصدمة والغضب تعلو وجهه.
"هل أنتِ متأكدة يا فاطمة؟" سأل أحمد عندما أنهت حديثها. "هل هذه المستندات حقيقية؟"
"بالتأكيد يا أحمد. لقد تأكدت من كل شيء. والدي وقع ضحية لغسان. وغسان ليس وحده. لديه شريك."
"شريك؟ من هو؟"
"لا أعرف اسمه الكامل. لكنه يشاركه في الأرباح. وجدنا فقط حرفين: 'ع' و 'ح'."
فكر أحمد مليًا، ومرر يده على شعره. "حرفا 'ع' و 'ح'. هذا يبدو مألوفًا. هل هناك من نعرفه بهذا الاسم؟"
"لا أذكر أحدًا في محيطنا يحمل هذين الحرفين كاسم رئيسي."
"ربما يكون شخصًا لا نعرفه مباشرة، لكنه على علاقة بمن نعرفه." قال أحمد، وبدأت عينيه تلمعان بجدية. "لقد بدأت أشعر بالارتياح عندما رأيت غسان يختفي، لكن يبدو أن الأمور تزداد تعقيدًا."
"أحمد، علينا أن نجد طريقة لإثبات كل هذا. قبل أن يتزوج غسان مني، وقبل أن يستولي على كل شيء."
"لا تقلقي يا فاطمة. سنفعل ذلك. لكن علينا أن نكون حذرين جدًا. غسان رجل ماكر، ولا أعتقد أنه سيستسلم بسهولة."
"ماذا عن والدي؟ كيف سنقنعه؟"
"هذا هو الجزء الأصعب. والدكِ وضع ثقته الكاملة في غسان. نحتاج إلى دليل دامغ، دليل لا يمكن إنكاره. ربما نحتاج إلى الكشف عن طبيعة الشريك 'ع ح'."
"لكن كيف؟"
"لدي فكرة. أعرف شخصًا، صديقًا قديمًا للعائلة، يعمل في مجال القانون، وهو أمين ونزيه. سأتصل به غدًا، وأعرض عليه المستندات. ربما يمكنه تقديم المشورة."
"وهل تثقين به؟"
"نعم. إنه رجل يحترم عائلتنا، ويعرف تاريخنا. أعتقد أنه سيساعدنا."
قضت فاطمة وأحمد بقية الليل يتبادلان الأفكار، ويضعان خطة عمل. بدأت فاطمة تشعر بشيء من الأمل، بوجود أخ يدعمها، وبوجود خطة واضحة.
في صباح اليوم التالي، استيقظت فاطمة على صوت باب غرفتها. كانت تتوقع أن يكون أحمد، لكنها فوجئت بوالدها. بدا متعبًا، ولكن في عينيه كان هناك شيء من الحيرة.
"صباح الخير يا ابنتي." قال بهدوء.
"صباح النور يا أبي. هل أنت بخير؟"
"لست متأكدًا. لقد تحدثت مع غسان الليلة الماضية، ويبدو أن لديه بعض الشكوك حول خططنا. يتحدث عن وجود شخص يحاول عرقلة زواجكما."
شعرت فاطمة بقلبها يتوقف. هل عرف غسان أنها بدأت تكشف أمره؟
"وماذا قال لك؟" سألت بصوت ثابت.
"قال لي إن هناك من يحاول تشويه سمعته، وإثارة المشاكل. وأنه يخشى على سمعة العائلتين. طلب مني أن أكون حذرة، وأن أثق به."
"وأنت يا أبي؟ ماذا قلت له؟"
"قلت له إنني أثق به، وأنني لا أصدق أن هناك من يحاول فعل ذلك. لكنني شعرت بشيء من القلق. وكأنكِ كنتِ على حق في قلقكِ. عندما رأيتكِ بالأمس، كنتِ متوترة جدًا."
نظرت فاطمة إلى والدها، ورأت بصدق في عينيه. كان يبدو مضللًا، ولكنه لم يكن شريرًا. كان يبدو وكأنه يحاول التمسك بشيء يظنه صحيحًا.
"يا أبي،" قالت بصوت ناعم، "لقد اكتشفت شيئًا. شيئًا قد يغير نظرتك للأمور."
بدأت فاطمة تعرض على والدها المستندات، واحدة تلو الأخرى. بدأت بالوثيقة التي أخرجتها من خزانة جدتها، ثم الشهادة، ثم المستندات المالية. في البداية، كان والدها ينظر إليها بعين الشك، ثم بعين الدهشة، وأخيرًا بعين الرعب.
كل ورقة كانت بمثابة طعنة في قلبه. كان يرى كيف تم خداعه، وكيف تم استغلاله. كانت الشيكات، والعقود، والرسائل، كلها تثبت فساد غسان.
"مستحيل!" تمتم والدها، والدموع تتكون في عينيه. "غسان؟ صديقي؟ كيف يفعل هذا؟"
"لقد فعل يا أبي. وقد فعل هذا بمساعدة شخص آخر. شخص اسمه 'ع ح'."
"ع ح؟" تكرر والدها، وكأنه يحاول تذكر اسم.
"نعم يا أبي. لا أعرف من هو، لكن غسان كان يراسله، ويشير إليه في رسائله."
"ع ح..." كرر والدها، وفجأة، بدا وكأنه تذكر شيئًا. "عمر حمدان؟"
"عمر حمدان؟" سألت فاطمة، لم تسمع هذا الاسم من قبل.
"نعم. عمر حمدان. كان زميلًا لي في العمل منذ سنوات. رجل طموح، ولكنه كان دائمًا يبحث عن طرق مختصرة للثراء. ترك الشركة منذ زمن، ولم نسمع عنه شيئًا. هل يمكن أن يكون هو؟"
"من الممكن يا أبي. لقد كان غسان يستشيره في خطواته."
"هذا يعني أن الأمر أكبر مما نتصور. إنه ليس مجرد خداع مالي، بل ربما شبكة كاملة."
شعر والد فاطمة بالضعف، وكأنه قد فقد كل قوته. "لقد دمرنا. لقد دمرنا."
"لا يا أبي، لم ندمر. ما زال لدينا الوقت. ما زال لدينا دليل."
"وكيف سنستخدمه؟ غسان قوي، وعلاقاته كثيرة."
"هنا يأتي دور أحمد. لقد اتصل بصديقه المحامي. أعتقد أنه سيساعدنا."
في هذه اللحظة، سمعوا صوت طرقات على الباب. كانت طرقات سريعة، ومتعجلة.
"من هذا؟" سأل والد فاطمة، وبدا صوته مرتجفًا.
"أحمد. أنا. أرجوكم افتحوا."
فتح والد فاطمة الباب، ودخل أحمد، وكان وجهه يعكس قلقًا شديدًا.
"ماذا حدث؟" سأل والد فاطمة.
"لقد تعرضت لهجوم. حاولت الوصول إلى منزل المحامي، واعتراضني شخصان، وحاولا أخذ الملفات مني."
"ماذا؟ هل أنت بخير؟"
"نعم، بفضل الله. تمكنت من الهرب. لكنهما قد يكونان يعرفان أننا نبحث عن دليل."
"هذا يعني أن 'ع ح' يعرف أننا نتحرك." قال والد فاطمة، وبدا صوته يكتسب بعض القوة، قوة الغضب. "علينا أن نتحرك بسرعة. قبل أن يفعلوا شيئًا أسوأ."
أدركت فاطمة أن اللحظة الحاسمة قد حانت. كان عليها أن تواجه هذا الخطر، وأن تدافع عن عائلتها. كان الشبح "ع ح" قد ظهر، وكان لابد من كشفه.