حب على الورق الجزء الثالث

صدى المكتبة القديمة

بقلم سارة العمري

في زاويةٍ قصيةٍ من المنزل العائلي، حيث تتكدس أرفف الكتب القديمة، وحيث يتسرب ضوء الشمس الذهبي بصعوبةٍ عبر غبارٍ كثيفٍ يعلو الرفوف، كان "أمجد" يمضي ساعاتٍ طواله. كانت رائحة الورق القديم، الممزوج بعبيرِ خشبِ الأبنوس، تفوح في الأرجاء، تخلق جوًا من السكينة والتأمل، لم يكن "أمجد" يجد له مثيلًا في صخبِ الحياةِ خارجَ أسوارِ هذهِ المكتبة. كان شابًا، في أواخرِ العشرينياتِ من عمره، يحملُ في عينيهِ بريقَ الذكاء، وعمقَ التفكير، وفي ملامحهِ هدوءَ القارئِ الذي تعودَ على السفرِ عبرَ العصورِ والأزمانِ دونَ أن يبرحَ مكانَهُ.

لم يكن "أمجد" مهتمًا بزخارفِ الحياةِ الظاهرة، ولا بسعيِ الناسِ وراءَ المظاهرِ والماديات. كان شغفُهُ الأكبرُ هوَ البحثُ عن المعرفة، عن كنوزِ الفكرِ والأدبِ التي تتناثرُ في بطونِ الكتب، تنتظرُ من يكتشفُها. كان يرى في كلِّ كتابٍ عالمًا جديدًا، وفي كلِّ صفحةٍ قصةً، وفي كلِّ حرفٍ معنىً. كانت المكتبةُ هيَ مملكتُهُ، وهيَ ملجأهُ، وهيَ مصدرُ إلهامِهِ.

في صباحٍ من أيامِ الربيعِ المنعشة، وبينما كان "أمجد" يقلبُ في صفحاتِ ديوانِ شعرٍ قديم، تتسربُ إليهِ رائحةُ الياسمينِ من الشرفةِ المفتوحة، سمعَ صوتَ خطىً خفيفةٍ تقتربُ. رفعتْ عيناهُ عن الكتاب، ليجدَ "لينا" تقفُ عندَ مدخلِ المكتبة، وقد ارتدتْ ثوبًا بسيطًا، بلونِ السَّماءِ الصافية، تتخللُهُ خيوطٌ فضيةٌ لامعة. كانت تحملُ في يدها صينيةً صغيرةً، عليها كوبانِ من الشايِ الأخضرِ الساخن، وبضعُ حباتٍ من التمر.

"مساءُ الخيرِ يا أمجد"، قالتْ بابتسامةٍ هادئة، "ظننتُ أنكَ قدْ تكونُ هنا. أحضرتُ لكَ شيئًا لتشربهُ".

ابتسمَ "أمجد"، وشعرَ بنبضٍ خفيفٍ يتسربُ إلى صدرهِ. كانت "لينا" دائمًا ما تكونُ إنسانةً لطيفةً، وذكيةً، وذاتَ ذوقٍ رفيع. كانا قدْ تعارفا قبلَ عامينِ في حفلٍ أدبي، وسرعانَ ما اكتشفا اهتماماتٍ مشتركةً في الأدبِ والفن. كانت "لينا" صحفيةً، تكتبُ في إحدى المجلاتِ الثقافية، وكانَ حديثُهما دائمًا ما يدورُ حولَ الكتبِ، والشعراء، والمفكرين.

"مساءُ النورِ يا لينا. شكرًا لكِ. هذا لطفٌ منكِ"، قالَ وهوَ يشيرُ إلى مقعدٍ قريب، "تفضلي، اجلسي".

جلستْ "لينا"، ووضعتْ الصينيةَ على طاولةٍ صغيرةٍ بجانبِها. كانت عيناها تتجولانِ بينَ رفوفِ الكتب، وقدْ بدتْ عليها علاماتُ الإعجاب. "ما أجملَ هذهِ المكتبة، يا أمجد! تبدو وكأنها تحملُ قصصًا لا حصرَ لها".

"بالفعل"، أجابَ "أمجد"، "كلُّ كتابٍ هنا هوَ نافذةٌ على عالمٍ مختلف. أحيانًا أشعرُ وكأنني أتحدثُ معَ أناسٍ عاشوا قبلَ آلافِ السنين".

تناولَ "أمجد" كوبَ الشاي، وشربَ رشفةً منه. كانَ طعمُهُ منعشًا، يبعثُ على الاسترخاء. "ما الذي تشغلينَ بهِ وقتكِ هذهِ الأيام، يا لينا؟ هلْ لديكِ مقالٌ جديدٌ أستطيعُ أنْ أقرأهُ؟"

تنهدتْ "لينا" بخفة، وقدْ اختفتْ الابتسامةُ عن وجهها. "في الحقيقة، الأمورُ في عملي تسيرُ بشكلٍ طبيعي. لكنَّ حياتي الشخصيةَ شهدتْ بعضَ التغييراتِ الأخيرة".

نظرَ إليها "أمجد" بانتباه، وشعرَ بشيءٍ من القلقِ يتسربُ إلى قلبِهِ. كانت "لينا" دائمًا ما تتحدثُ عن أحلامها، وعن شغفها بالكتابة، وعن رغبتها في تحقيقِ ذاتها. كانَ يخشى أنْ تكونَ تلكَ التغييراتُ قدْ قيّدتْ من حريتها.

"هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرام؟" سألَ بصوتٍ هادئ.

ترددتْ "لينا" للحظة، ثمَّ قالتْ بصوتٍ يكادُ يكونُ مسموعًا، "لقدْ تمَّ خطبتي مؤخرًا".

صمتَ "أمجد" للحظة، وكأنَّ الخبرَ قدْ ضربهُ بصاعقة. لم يكنْ يتوقعُ ذلكَ أبدًا. كانَ يرى في "لينا" صديقةً عزيزة، ولكنَّهُ في أعماقِهِ، كانَ يشعرُ بنبضٍ مختلفٍ تجاهها، نبضٌ حاولَ دائمًا أنْ يكتمَهُ، وأنْ يُقنعَ نفسهُ بأنَّهُ مجردُ إعجابٍ أدبي.

"تهانينا، يا لينا"، قالَ أخيرًا، وحاولَ أنْ يجعلَ صوتَهُ طبيعيًا قدرَ الإمكان. "أتمنى لكِ كلَّ التوفيق".

"شكرًا لكَ يا أمجد"، قالتْ "لينا"، وعادتْ الابتسامةُ الخافتةُ إلى وجهها، ولكنَّها لم تصلْ إلى عينيها. "كانَ الأمرُ مفاجئًا لي أنا أيضًا. لمْ أكنْ أتوقعُ أنْ يحدثَ كلُّ هذا بهذهِ السرعة".

"وماذا عنْ أحلامكِ؟ عنْ الكتابة؟" سألَ "أمجد"، لم يستطعْ كتمَ فضولِهِ.

نظرتْ "لينا" إلى الخارج، نحو حديقةِ المنزلِ التي أصبحتْ الآنَ ألوانُها أكثرَ بهجةً، وشمسُها أكثرَ دفئًا. "أظنُّ أنَّني سأحاولُ أنْ أوازنَ بينَ كلِّ شيء. الحياةُ تتطلبُ منا أحيانًا أنْ نتخلى عنْ بعضِ الأشياءِ التي نحبها، وأنْ نُركزَ على ما هوَ أهم".

شعرَ "أمجد" بمرارةٍ خفيفةٍ تتسللُ إلى قلبِهِ. كانَ يدركُ أنَّ "لينا" تتحدثُ عنْ الالتزاماتِ الأسرية، والمسؤولياتِ الزوجية. ولكنهُ كانَ يخشى أنْ تضيعَ فيها، أنْ تُدفنَ شغفُها تحتَ ركامِ الحياةِ اليومية.

"أتمنى أنْ لا تضطري للتخلي عنْ أيِّ شيءٍ تحبينهُ"، قالَ "أمجد"، "فالشغفُ هوَ الذي يمنحُ الحياةَ لونَها".

ابتسمتْ "لينا" بصدقٍ هذهِ المرة. "لنْ أفعلَ ذلكَ أبدًا يا أمجد. سأبقى دائمًا ابنةَ الكلماتِ والأحلام".

في تلكَ اللحظة، شعرَ "أمجد" بأملٍ يتجددُ في قلبِهِ. ربما لمْ تكنْ الأمورُ قدْ انتهتْ بعد. ربما كانتْ "لينا" قويةً بما يكفي لِتُحققَ التوازنَ الذي تحدثتْ عنهُ.

"إذا احتجتِ أيَّ شيءٍ، أوْ أردتِ التحدثَ عنْ أيِّ كتابٍ، أوْ أيِّ فكرةٍ، فأنا موجودٌ دائمًا"، قالَ "أمجد".

"شكرًا لكَ يا أمجد. أنتَ دائمًا نعمَ الصديق"، قالتْ "لينا"، وبدتْ وكأنَّ كلماتهً قدْ أعادتْ إليها بعضَ الهدوء.

نهضتْ "لينا" بعدَ قليل، وقبلَ أنْ تغادر، التفتتْ إليهِ وقالتْ: "كنتُ أفكرُ في كتابةِ مقالٍ عنْ تأثيرِ القراءةِ على تكوينِ الشخصية. هلْ لديكَ أيُّ أفكارٍ قدْ تفيدني؟"

شعرَ "أمجد" بسعادةٍ غامرة. لقدْ كانتْ هذهِ هيَ اللحظةُ التي كانَ ينتظرُها، فرصةٌ لِتستمرَ خيوطُ التواصلِ بينهما، فرصةٌ لِتُسافرَ أحلامُهما معًا، ولوْ على الورق.

"بالتأكيد"، قالَ "أمجد"، وقدْ بدأتْ عيناهُ تلمعانِ بشغف. "لديَّ الكثيرُ منَ الأفكارِ التي قدْ تثيرُ اهتمامكِ".

وبينما كانتْ "لينا" تغادرُ المكتبة، تركتهُ جالسًا، يفكرُ في عالمِ الكلماتِ، وفي مستقبلٍ لا يزالُ يحملُ في طياتِهِ الكثيرَ منَ المفاجآت.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%