حب على الورق الجزء الثالث

همسٌ في أروقةِ اليقين

بقلم سارة العمري

بعدَ أيامٍ قلائلٍ منَ الخطوبةِ الرسمية، بدأتْ "لينا" تشعرُ بتغييرٍ طفيفٍ في حياتها. لمْ يكنْ تغييرًا جذريًا، بلْ كانَ همسًا خفيًا، يترددُ في أرجاءِ المنزل، وفي نظراتِ منْ حولها. كانتْ تشعرُ بأنَّ هناكَ عينينِ تلاحقانِ خطواتها، وأنَّ هناكَ حديثًا يدورُ في غرفٍ أخرى، وأنَّ هناكَ قراراتٍ تُتخذُ، لمْ تُشاركْ فيها.

"حسام"، خطيبها، كانَ شابًا مهذبًا، ولطيفًا، ويتحدثُ معها بأدبٍ واحترام. كانَ يتصلُ بها كلَّ يوم، يسألها عنْ أحوالها، ويُطمئنُ عليها. ولكنهُ كانَ يتحدثُ دائمًا عنْ الأمورِ العملية، عنْ تجهيزاتِ الزواج، عنْ قاعةِ الحفلات، عنْ قائمةِ المدعوين. لمْ يكنْ هناك أيُّ حديثٍ عنْ أحلامها، عنْ شغفها، عنْ طموحاتها. كانتْ تشعرُ بأنَّها تتحدثُ معَ شخصٍ مُبرمج، يُركزُ على تفاصيلٍ ماديةٍ لا تعنيها كثيرًا.

في أحدِ الأيام، وبينما كانا يتحدثانِ عبرَ الهاتف، وجرأتْ "لينا" على فتحِ موضوعٍ يشغلُ بالها، قالتْ بتردد: "حسام، هلْ سبقَ لكَ أنْ قرأتَ روايةً عربيةً قديمة؟ لديَّ اهتمامٌ خاصٌ بالدراساتِ الأدبيةِ، وأفكرُ في كتابةِ مقالٍ عنْ هذا الموضوع".

صمتَ "حسام" للحظة، ثمَّ قالَ بصوتٍ بدا لـ"لينا" فيهِ بعضُ البرود: "الدراساتُ الأدبية؟ يا لينا، أعتقدُ أنَّ هذهِ الأمورَ قدْ تكونُ مُسليةً في وقتِ فراغكِ، ولكنْ، بعدَ الزواج، ستكونُ لديكِ مسؤولياتٌ أكبر، وأولوياتٌ مختلفة. ربما يجبُ أنْ تُركزي على الأمورِ التي تُهمُّ أسرتنا، وعلى بناءِ مستقبلٍ مشتركٍ لنا".

شعرتْ "لينا" بأنَّ شيئًا ما انكسرَ بداخلها. لمْ يكنْ هذا الردُّ الذي كانتْ تتوقعه. لقدْ كانتْ تأملُ في دعمٍ، أوْ على الأقلِّ في فهمٍ. لكنَّها وجدتْ جدارًا صلبًا منَ اللامبالاة.

"ولكنَّ هذهِ الأمورَ مهمةٌ بالنسبةِ لي يا حسام"، قالتْ بصوتٍ حاولَ أنْ يكونَ ثابتًا. "إنها جزءٌ منْ شخصيتي".

"أفهمُ ذلكَ يا عزيزتي. ولكنَّ الحياةَ الواقعيةَ تختلفُ عنْ أحلامِ الشباب. علينا أنْ نكونَ واقعيين. الأهمُ الآنَ هوَ أنْ نُركزَ على زواجنا، وعلى بناءِ بيتٍ مستقرٍ وسعيد. هلْ تريدينَ مني أنْ أُساعدكِ في البحثِ عنْ قاعةِ الزواج؟ لقدْ رأيتُ قاعةً جديدةً، رائعةً جدًا، أعتقدُ أنها ستُناسبُ ذوقكِ".

تنهدتْ "لينا" بخيبةِ أمل. شعرتْ بأنَّ كلماتها قدْ ضاعتْ في الفراغ. لقدْ أدركتْ أنَّ "حسام" لا يفهمُ شغفها، وأنَّهُ ينظرُ إلى اهتماماتها على أنها مجردُ هواياتٍ ثانوية.

في تلكَ الليلة، لمْ تستطعْ "لينا" النوم. جلستْ في غرفتها، وبدأتْ تكتبُ في مفكرتها.

"لقدْ حاولتُ، ولكنَّهُ لمْ يفهم. لقدْ حاولتُ أنْ أشرحَ لهُ جزءًا منْ روحي، ولكنهُ استبدلَ أحلامي بخططٍ جاهزة. هلْ هذا هوَ الزواجُ الذي تحدثتْ عنهُ أمي؟ هلْ هوَ المكانُ الذي سأجدُ فيهِ الدعمَ، أمْ المكانُ الذي سأُدفنُ فيهِ أحلامي؟ أشعرُ بأنَّني أقفُ على مفترقِ طرقٍ، وأمامَ عالمينِ مختلفين. عالمٌ يتحدثُ عنْ الحبِّ، والكلمات، والأفكار، وعالمٌ يتحدثُ عنْ القاعاتِ، والمدعوين، والأثاث. أيُّ عالمٍ سأختار؟ وأيُّ عالمٍ سيختارني؟"

في الأيامِ التالية، بدأتْ "لينا" تشعرُ بمزيدٍ منَ الانعزال. كانتْ تقضي وقتًا أطولَ في المكتبةِ، تتحدثُ إلى الكتب، وكأنها أصدقاؤها الوحيدون. كانتْ تجلسُ لساعاتٍ، تقلبُ الصفحات، تبحثُ عنْ إجاباتٍ، عنْ سلوى.

في إحدى زياراتها للمكتبة، وبينما كانتْ تبحثُ عنْ كتابٍ نادرٍ، اصطدمتْ بـ"أمجد". كانَ يحملُ بيدهِ كومةً منَ الكتب، وقدْ بدا عليهِ الإرهاق.

"آسفٌ جدًا"، قالَ "أمجد"، وقدْ أخرجَ الكتبَ منْ يديهِ.

"لا بأس"، قالتْ "لينا"، وبدأتْ تُساعدهُ في جمعِ الكتب. "هلْ أنتَ بخير؟ تبدو مُتعبًا".

"نعم، أنا بخير. فقطْ أعملُ على مشروعٍ كبيرٍ يتطلبُ مني الكثيرَ منَ البحث. أنتِ تعرفينَ طبيعةَ عملي".

"بالتأكيد. ولكنْ، هلْ وجدتْ ما تبحثُ عنهُ؟"

"حتى الآنَ، لا. ما زلتُ أبحثُ عنْ مصدرٍ معينٍ لمقالٍ سأكتبهُ عنْ الشعرِ الجاهلي. ولكنْ، ماذا عنكِ؟ كيفَ حالكِ؟"

ترددتْ "لينا" للحظة، ثمَّ قالتْ: "لستُ متأكدةً منْ حالي يا أمجد. أشعرُ بأنَّني ضائعةٌ بعضَ الشيء".

نظرَ إليها "أمجد" بانتباه، وشعرَ بأنَّ خلفَ كلماتها حكايةً أكبر. "ما الذي يُقلقكِ؟" سألَ بصوتٍ هادئ.

"لا أعرفُ كيفَ أبدأ"، قالتْ "لينا". "يبدو أنَّني أعيشُ حياتينِ مختلفتين. حياةٌ على الورق، مليئةٌ بالأحلامِ والشغف، وحياةٌ في الواقع، مليئةٌ بالواجباتِ، والمسؤولياتِ التي أشعرُ بأنها تُقيّدني. أشعرُ بأنَّني يجبُ أنْ أتخلى عنْ جزءٍ منْ نفسي لِأُرضي الآخرين".

"ولكنْ، لماذا يجبُ أنْ تتخلي عنْ جزءٍ منْ نفسكِ؟" سألَ "أمجد"، وقدْ بدتْ نظراتهُ تحملُ تفهمًا عميقًا. "أعتقدُ أنَّ السعادةَ الحقيقيةَ تكمنُ في أنْ تكوني على طبيعتكِ، وأنْ تُحققي التوازنَ بينَ كلِّ جوانبِ حياتكِ. لا يجبُ أنْ يكونَ الزواجُ نهايةً لأحلامكِ، بلْ يجبُ أنْ يكونَ نقطةَ انطلاقٍ لِتُحققِيها بشكلٍ أفضل".

"هذا ما أردتُ أنْ أقولهُ لخطِيبي، ولكنَّهُ لمْ يفهم"، قالتْ "لينا"، وبدأتْ الدموعُ تتساقطُ على خديها.

"لا تيأسي يا لينا"، قالَ "أمجد"، وقدْ شعرَ بحزنٍ عميقٍ عليها. "ربما يحتاجُ الأمرُ إلى وقتٍ، وإلى صبرٍ، وإلى شرحٍ أعمق. الرجلُ الذي يُحبُّكِ حقًا، والذي يُقدّرُكِ، سيسعى لفهمكِ، وسيدعمكِ في تحقيقِ أحلامكِ. لا تدعي شيئًا يُطفئُ النورَ الذي في عينيكِ".

كلماتُ "أمجد" لامستْ قلبَ "لينا". لقدْ شعرتْ بأنَّها وجدتْ أخيرًا شخصًا يفهمُ ما تشعرُ بهِ، شخصًا لا يحكمُ عليها، بلْ يُحاولُ أنْ يُساعدها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%