حب على الورق الجزء الثالث
ظلال الشك بين جنبات القلب
بقلم سارة العمري
تسلل الشك إلى قلب سارة كحشرة صغيرة، تنخر في صلابة ثقتها بالزمن، وتُلقي بظلالها على صفاء علاقتها بأحمد. لم يكن الأمر يتعلق بخيانة سافرة، ولا بكلمات جارحة، بل كان شيئاً أكثر خفاءً، وأشد إيلاماً: غياب. غيابٌ لم يكن مكتوباً في جدول أعماله، ولا مبرراً بظروف قاهرة، بل كان مجرد انشغالٍ لا ينتهي. أصبحت لقاءاتهما المخطط لها بعناية، والتي كانت تتسم في بدايتها بوهجٍ عاطفيٍّ طاغٍ، تبدو الآن كبقايا محترقة من نارٍ كانت ستحيل الأخشاب رماداً.
تلك الليلة، جلست سارة وحدها في شرفتها المطلة على حديقة منزل والديها الفسيحة، تحتضن فنجاناً من الشاي الدافئ، وعلى وجهها علاماتٌ أثقلتها الهموم. كانت السماء مرصعة بالنجوم، كل نجمةٍ تحمل في طياتها قصة، لكن نجمتها هي، التي كانت تشعُّ ببريقٍ خاص، بدأت تخفت، يتوارى نورها خلف غيومٍ من المشاغل. تذكرت كيف كانت تلك الأمسيات الهادئة، قبل أن يصبح عالم أحمد مليئاً بالمواعيد المتتالية، والاجتماعات الطارئة، والرحلات المفاجئة. كان يرد على رسائلها بوجهٍ شاحبٍ، وكلماتٍ مقتضبة، تحمل في طياتها اعتذاراً متكرراً عن انشغالٍ لم يعد يسمح له بأن يكون حاضراً بكل جوارحه.
"لكن يا أحمد،" همست سارة بصوتٍ واهنٍ، مخاطبةً الفراغ الذي كان يجب أن يملأه وجوده، "الحياة ليست مجرد أرقامٍ تتحرك على شاشة، ولا صفقاتٍ تُبرم في قاعاتٍ مغلقة. نحن، يا أحمد، نحن حقيقةٌ، نحن أحلامٌ، نحن قلوبٌ تنبضُ تحتاجُ إلى لمسة، إلى كلمةٍ دافئة، إلى حضورٍ يخففُ عنها عبءَ الأيام."
انزلقت دمعةٌ حارةٌ على خدها، لم تكن دموع ضعفٍ، بل دموعَ ألمٍ مخلوطٍ بالحب. حبٌ عنيدٌ، رفض أن ينطفئ حتى تحت وطأة الإهمال. كانت تعرف أن أحمد لم يكن يتعمد إيذائها، وأن طموحه كان جامحاً، ورغبته في إثبات الذات في عالم الأعمال كانت لا تقف عند حد. لكنها كانت أيضاً تدرك أن هذا الطموح، إذا لم يتم ترويضه بمسؤوليات القلب، يمكن أن يصبح وحشاً يلتهم كل شيءٍ جميل.
اتصلت بوالدتها، الحاجة فاطمة، التي كانت دائماً ملاذها الآمن، وملجأها من تقلبات الحياة. "أمي،" قالت بصوتٍ مختنق، "أشعرُ بوحدةٍ غريبة." ردت الأم بصوتٍ حنونٍ، يحملُ دفءَ السنين وخبرتها: "الوحدةُ يا ابنتي قد تكونُ بدايةً لاكتشافِ الذات، أو قد تكونُ نتيجةً لتهميشِ ما هوَ أغلى. قولي لي، ما الذي يُثقلُ صدركِ؟"
حكت سارة لوالدتها عن ضباب الشك الذي بدأ يحيط بعلاقتها بأحمد. تحدثت عن غيابه المتزايد، وعن انعدام التواصل العميق الذي كان يميز بدايتهما. استمعت الحاجة فاطمة بصبرٍ، ثم قالت: "يا ابنتي، الزواجُ ميثاقٌ مقدسٌ، هوَ بناءٌ مشتركٌ، يتطلبُ سقيَ البذورِ بالاهتمامِ والرعايةِ حتى تنبتَ وتُثمر. حينَ تشعرينَ بالبعدِ، وحينَ تلاحظينَ أنَّ طريقَكِ قد ابتعدَ عن طريقِ الشريكِ، فاعلمي أنَّ هناكَ خللاً يحتاجُ إلى إصلاحٍ، لا إلى تهميشٍ."
"لكن كيفَ يا أمي؟" سألت سارة بيأسٍ. "حاولتُ أن أتحدثَ إليه، لكنَّ حججهُ كانت دوماً جاهزةً، وانشغالاتهُ أصبحتْ أكثرَ إقناعاً من أيِّ وقتٍ مضى." "الحبُّ يا ابنتي،" أجابت الحاجة فاطمة، "لهُ لغةٌ أخرى تتجاوزُ الكلماتِ. حينَ لا تستجيبُ الكلماتُ، فلتكنْ الأفعالُ هيَ الحوار. أريهِ ما تشعرينَ بهِ، بطريقةٍ لا يمكنُ أن يتجاهلها. لا تلومي، بل عبّري. عبّري عن نقصٍ في حياتكِ، عن فراغٍ يؤلمكِ. اجعليهِ يشعرُ بأنَّ وجودَهُ بينَ جنباتِ حياتكِ أصبحَ ضرورةً، لا رفاهيةً."
تنهدت سارة بعمق، كلمات والدتها كانت كبلسمٍ، لكنها لم تكن كافيةً لمحوِ ألمِ الوحدةِ، ولا لتبديدِ ظلالِ الشك. كانت تعلمُ أنَّ عليها أن تفعلَ شيئاً، أن تبحثَ عن طريقةٍ لتُعيدَ الشرارةَ إلى عيني أحمد، لتُذكرهُ بأنَّ هناكَ عالماً آخرَ ينتظرُهُ، عالماً يمتلئُ بالحبِّ، بالحياةِ، وبالوجودِ المشتركِ.
في اليوم التالي، اتخذت سارة قراراً. لن تستسلمَ للوحدةِ، ولن تدعَ الشكَّ يتجذرَ في قلبها. كانت ستحاولُ مرةً أخرى، بطريقةٍ مختلفةٍ، بطريقةٍ قد تجعلُ أحمدَ يتوقفُ للحظةٍ، لينظرَ حولهُ، ويرى ما الذي يخسرهُ.
ذهبت إلى سوقٍ قديمٍ في وسطِ المدينة، مكانٌ تفوحُ منهُ رائحةُ التاريخِ والذكريات. بحثت بينَ الأواني الفخاريةِ والكتبِ القديمةِ، حتى عثرتْ على ما كانت تبحثُ عنهُ. أوراقٌ باليةٌ، تحملُ نقوشاً عربيةً قديمةً، مزينةً بزخارفَ نادرةٍ. اشترتْ بضعَ ورقاتٍ، وقلمَ حبرٍ أسودَ، وابتدأتْ في كتابةِ رسالةٍ. لم تكنْ رسالةَ عتابٍ، ولا شكوى. كانتْ رسالةَ حبٍ، رسالةَ تذكيرٍ، رسالةَ دعوةٍ.
كتبتْ فيها عن الأيامِ الأولى، عن سحرِ اللقاءاتِ، عن الأحلامِ المشتركةِ. رسمتْ بكلماتها صوراً للحياةِ التي تخيلتها معهُ، حياةً يتنفسُ فيها الحبُّ، ويُزهرُ فيها الوفاقُ. وفي نهايةِ الرسالةِ، وضعتْ ورقةً صغيرةً أخرى، مكتوباً عليها: "عندما تجدُ فسحةً في قلبِكَ، وفي وقتِكَ، تفضلْ بزيارةِ مقهى 'الياسمين' عندَ الغروبِ. قهوةٌ تنتظركَ، وروحٌ تشتاقُ لحديثكَ."
لم تكنْ متأكدةً مما سيحدثُ. ربما لن يأتيَ أحمدُ، ربما سيستمرُ في الانغماسِ في عالمهِ. لكنها كانتْ تعلمُ أنها فعلتْ ما بوسعها. وأنَّ الحبَّ، إنْ كانَ حقيقياً، يجبُ أنْ يُقاتلَ من أجلهِ، حتى في أصعبِ الظروفِ. وضعتْ الرسالةَ في ظرفٍ أنيقٍ، وأغلقتْهُ بعنايةٍ، واحتفظتْ بهِ، وهيَ تدعو اللهَ أنْ يُلهمَ أحمدَ، وأنْ يُعيدَ إليهِ بصيرةَ القلبِ.