حب على الورق الجزء الثالث

جدائلُ المستقبلِ وقصصٌ خفيةٌ

بقلم سارة العمري

عندما لاحظتْ سارةُ الاضطرابَ الذي اعتور أحمدَ، شعرتْ بأنَّ هناكَ ما هوَ أبعدُ منَ مجردِ خبرٍ عاجلٍ منَ العملِ. كانَ التوترُ الظاهرُ على وجههِ، وسرعةُ ردةِ فعلهِ، كلها علاماتٌ تُنبئُ بأنَّ الأمرَ أعمقُ منَ ذلكَ. في تلكَ الليلةِ، لمْ تتمكنْ سارةُ منَ النومِ. كانتْ تفكرُ في نظرةِ أحمدَ المذعورةِ، وفي الرسالةِ التي أثارتْ كلَّ هذا القلقِ.

في اليومِ التالي، قررتْ سارةُ أنْ لا تتركَ الأمرَ يمرُّ مرورَ الكرامِ. رغمَ أنها لمْ تكنْ ترغبُ في التطفلِ على شؤونِ أحمدَ الخاصةِ، إلا أنَّ حبها لهُ، ورغبتها في حمايتهِ، دفعاها للبحثِ عنْ حقيقةِ ما يحدثُ. بدأتْ تتذكرُ حديثَ خالدٍ عن "كمالياتٍ لا تُفيدُ" وعن "عاداتٍ سيئةٍ". هلْ كانَ هناكَ شيءٌ خفيٌّ في حياةِ أحمدَ لمْ تخبرهُ بهِ؟

تحدثتْ معَ والدتها، الحاجةُ فاطمةُ، عنْ ملاحظاتها. "يا أمي،" قالتْ سارةُ، "أشعرُ بأنَّ أحمدَ يخفي عني شيئاً. رأيتُ القلقَ في عينيهِ، وكأنهُ يواجهُ شبحاً منَ الماضي."

"الماضي يا ابنتي،" قالتْ الحاجةُ فاطمةُ بحكمةٍ، "لهُ أذرعٌ طويلةٌ، وقادرٌ على الوصولِ إلينا في أيِّ لحظةٍ. لكنَّ الإيمانَ، والثقةَ، والشراكةَ، هيَ الحصونُ التي تحمينا. هلْ حاولْتِ أنْ تتحدثي إليهِ بصراحةٍ؟"

"حاولتُ، لكنهُ تهربَ منَ الحديثِ،" أجابتْ سارةُ. "قالَ إنها مجردُ مشاكلَ عملٍ."

"ربما،" قالتْ الحاجةُ فاطمةُ، "ولكنْ، لا تدعي الشكَّ يتسللُ إلى قلبكِ. ابقي قريبةً منهُ، ادعميهِ، وكوني لهُ العونُ. إذا كانَ هناكَ شيءٌ يُثقلُ كاهلهُ، فستكشفهُ الأيامُ، أوْ سيُكشفهُ هوَ عندما يشعرُ بالثقةِ الكافيةِ لمشاركتكَ."

شجعتْ كلماتُ والدتها سارةَ. قررتْ أنْ تستغلَّ الأيامَ القادمةَ لتقويةِ علاقتهما، ولجعلهِ يشعرُ بأنها هيَ الملجأُ الآمنُ لهُ. بدأتْ تُعدُّ لهُ وجباتٍ يحبها، وترسلُ لهُ رسائلَ لطيفةً ومليئةً بالأشواقِ خلالَ يومهِ. كانَ ردُ أحمدَ يتسمُ ببعضِ الارتياحِ، لكنَّ ظلَّ القلقِ كانَ لا يزالُ يخيمُ على عينيهِ.

في غضونِ ذلكَ، كانَ خالدٌ، شقيقُ أحمدَ، قدْ بدأَ يتحركُ بدورهِ. سمعَ بعضَ الإشاعاتِ في أوساطِ العملِ التي تُفيدُ بأنَّ شركةَ أحمدَ تواجهُ ديوناً متراكمةً، وأنَّ هناكَ مستثمراً غامضاً يضغطُ عليهِ. أثارتْ هذهِ الإشاعاتُ قلقَ خالدٍ بشكلٍ كبيرٍ. عرفَ أحمدَ جيداً، وأنَّ كبرياءهُ قدْ يمنعهُ منَ الاعترافِ بوجودِ مشاكلَ ماليةٍ.

قررَ خالدٌ أنْ يتصلَ بصديقٍ قديمٍ لهُ يعملُ في القطاعِ الماليِّ، ليتأكدَ منَ صحةِ هذهِ الإشاعاتِ. بعدَ بعضِ التحرياتِ، تأكدَ خالدٌ منْ أنَّ شركةَ أحمدَ بالفعلِ تمرُّ بأزمةٍ ماليةٍ خانقةٍ. وأنَّ هذا المستثمرَ الغامضَ، الذي يُدعى "أبو الوليدِ"، يهددُ بإنهاءِ الصفقةِ إذا لمْ يحصلْ على مبلغٍ كبيرٍ منَ المالِ فوراً.

أدركَ خالدٌ أنَّ الرسالةَ التي تلقاها أحمدُ، والتي سببتْ لهُ كلَّ هذا الذعرِ، كانتْ على الأرجحِ منْ هذا المستثمرِ. شعرَ خالدٌ بالضيقِ الشديدِ، فهوَ يعلمُ أنَّ أحمدَ قدْ يكونُ وقعَ في فخٍ كبيرٍ.

عادَ خالدٌ إلى منزلِ والديْ سارةَ، وطلبَ التحدثَ إلى أحمدَ على انفرادٍ. وجدَ أحمدَ في مكتبِ والدهِ، يبدو متعباً ومنهكاً.

"أحمد،" قالَ خالدٌ بصوتٍ جادٍّ، "لقدْ علمتُ بكلِّ شيءٍ. أعلمُ بالمشاكلِ الماليةِ التي تواجهها، وبضغوطِ أبو الوليدِ."

شحبَ وجهُ أحمدَ أكثرَ، ونظرَ إلى خالدٍ بصدمةٍ. "كيفَ... كيفَ علمتَ؟" "هذا ليسَ مهماً الآنَ،" قالَ خالدٌ. "المهمُّ هوَ كيفَ سنتجاوزُ هذهِ الأزمةَ. لقدْ بدأتُ بالتحركِ. لقدْ تحدثتُ إلى بعضِ الأشخاصِ، وقدْ نجدُ حلاً. لكننا نحتاجُ إلى أنْ نتعاونَ، وأنْ نكونَ صادقينَ معَ أنفسنا، ومعَ منْ يُحبنا."

نظرَ أحمدُ إلى خالدٍ، وشعرَ بأنَّ هذا هوَ أولُ شخصٍ يثقُ بهِ تماماً في هذهِ اللحظةِ. "لقدْ أصبحتُ عاجزاً يا خالدُ. لقدْ أغلقتْ كلُّ الأبوابِ في وجهي. أشعرُ أنني أُهدمُ كلَّ ما بنيتهُ."

"لنْ تُهدمَ،" قالَ خالدٌ بثقةٍ. "لكننا نحتاجُ إلى خطةٍ. هلْ أخبرتَ سارةَ بكلِّ شيءٍ؟" ترددَ أحمدُ. "لمْ أستطعْ. أخافُ أنْ أُثقلَ عليها، أوْ أنْ تجعلَ هذا الأمرَ يُفسدَ علاقتنا."

"هذهِ هيَ مشكلتُكَ يا أحمدُ،" قالَ خالدٌ. "تُحاولُ أنْ تحملَ كلَّ الأعباءِ وحدكَ. سارةُ تحبكُ، وهيَ تستحقُّ أنْ تعرفَ. الشراكةُ ليستْ في الأوقاتِ الجميلةِ فقط، بلْ في مواجهةِ الصعوباتِ أيضاً."

بعدَ حديثٍ طويلٍ، اقتنعَ أحمدُ بأنَّ عليهِ أنْ يُصارحَ سارةَ. فهمَ أنَّ إخفاءَ الأمرِ لنْ يُفيدَ أحداً، بلْ قدْ يُزيدُ الأمورَ تعقيداً.

في المساءِ، طلبَ أحمدُ منْ سارةَ أنْ تلتقيا في مكانٍ هادئٍ. اختارا حديقةً قريبةً منْ منزلِ والديْ سارةَ، حيثُ يمكنُهما التحدثُ بحريةٍ. حينَ التقيا، رأى أحمدُ في عيني سارةَ الأملَ والترقبَ.

"سارة،" بدأَ أحمدُ بصوتٍ مُرتعشٍ، "هناكِ شيءٌ كانَ يجبُ أنْ أقولهُ لكِ منذُ فترةٍ. أنا... أواجهُ أزمةً كبيرةً في عملي."

ثمَّ بدأَ أحمدُ يحكي لسارةَ كلَّ شيءٍ. حكى لها عنِ الديونِ، وعنْ ضغوطِ المستثمرِ الغامضِ، وعنْ الرسالةِ التي تلقاها، وعنْ خوفهِ منْ خسارةِ كلِّ شيءٍ. كانتْ سارةُ تستمعُ إليهِ بصمتٍ، وقلبها يتألمُ لأجلهِ.

عندما انتهى أحمدُ منَ الحديثِ، احتضنتهُ سارةُ بحنانٍ. "يا أحمد،" قالتْ، "لماذا لمْ تُخبرني؟ لماذا حاولتَ أنْ تحملَ كلَّ هذا وحدكَ؟" "خفتُ،" قالَ أحمدُ. "خفتُ أنْ أخسركِ."

"لنْ أخسركَ أبداً يا أحمدُ،" قالتْ سارةُ، "بلْ على العكسِ، هذهِ الأزمةُ لنْ تُضعفَ علاقتنا، بلْ ستُقويها. نحنُ الآنَ شركاءُ، وسنتجاوزُ هذهِ الأزمةَ معاً. أنتَ لستَ وحدكَ."

شعرتْ سارةُ بقوةٍ جديدةٍ تنبعثُ منَ الداخلِ. أدركتْ أنَّ حبها لأحمدَ لمْ يكنْ مجردَ مشاعرَ رقيقةٍ، بلْ كانَ قوةً دافعةً، وقدرةً على التحملِ والصمودِ.

في تلكَ الليلةِ، لمْ تكنْ سارةُ وسارةُ فقطْ منْ يُخططُ للمستقبلِ. كانَ خالدٌ أيضاً يعملُ خلفَ الكواليسِ، مُحاولاً إيجادَ حلولٍ ماليةٍ، ومُحتملاً للحديثِ معَ أبو الوليدِ بنفسهِ. كانتْ جدائلُ المستقبلِ متشابكة

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%