الزوجة المختارة الجزء الثاني

ليلٌ لا ينتهي ونداءٌ في الظلام

بقلم فاطمة النجار

اهتزّ الفراش تحت جسدها الهزيل، وكأنّ زلزالاً داخلياً يعصف بروحها. استيقظت "فاطمة" على صوتٍ وهمي، همسٌ خافتٌ كان يتسلل إلى أذنيها في عتمة الغرفة، نداءٌ غامضٌ استشعرته قبل أن تسمعه. لمعت عيناها في الظلام، عيونٌ كانت تحمل دفء الصحراء ووحشتها، تتلمس بصرهما خيوط الضوء الخافتة المتسللة من شقّ في الستائر السميكة. كان الليل قد بلغ أشدّه، تلك الساعة التي يشتدّ فيها صمت الكون وتتعالى فيها الأصوات الداخلية.

نهضت فاطمة ببطء، جسدها المنهك يرتعش كجناح طائرٍ مصاب. كانت تتدثر بعباءةٍ بسيطة، نسجتها يداها بخيوطٍ من الصبر والأمل، لكنّ ذلك لم يكن كافياً ليمنع قشعريرة البرد التي تسللت إلى عظامها. كانت قد اعتادت على ليالي الوحدة الطويلة، لكنّ الليلة كانت مختلفة. كان هناك شيءٌ ما يضغط على صدرها، ثقلٌ لا يمكن وصفه، كأنّ قدراً عظيماً على وشك أن يُكشف.

خطت فاطمة بخطواتٍ مترددة نحو النافذة. كانت الغرفة أشبه بصندوقٍ مظلم، لا تكاد تخترقه إلاّ نسماتٌ باردةٌ تحمل معها رائحة التراب والغبار. سحبت الستارة قليلاً، لتكشف عن مشهدٍ لم يكن متوقعاً. السماء كانت صافية، تزينها نجومٌ متلألئة كألماسٍ منثورٍ على مخملٍ أسود. القمر، ذلك الحارس الليلي، كان يشعّ بنوره الفضيّ، يرسم ظلالاً طويلةً وغامضة على الأرض.

لكنّ ما لفت انتباهها لم يكن جمال السماء، بل حركةٌ غريبةٌ في حديقة المنزل. ظلٌّ طويلٌ يتحرك ببطءٍ تحت شجرة التوت العتيقة، ظلٌّ ليس كظلّ الأشجار أو الرياح. توقف الظلّ فجأة، واستدار نحو نافذتها. شعرت فاطمة بنبض قلبها يتسارع، كأنّ طائراً محبوساً يحاول كسر قفصه. هل كان هناك من يتجسس عليها؟ من هذا الذي يتسلل في جنح الظلام؟

لم تكن فاطمة مجرد امرأةٍ عادية. كانت تحمل إرثاً ثقيلاً، أسراراً دفينةً في أعماق قلبها، وحنيناً متأججاً لزمنٍ مضى. كانت تعيش في هذا البيت القديم، بيت جدّها الذي تحوّل إلى ملجأٍ لها بعد أن غيّرت الأقدار مسار حياتها. كانت تملك من الجمال ما يخطف الألباب، ولكنّ جمالها كان يخفي خلفه حكمةً ونضجاً اكتسبتهما من تجارب الحياة القاسية.

تركت فاطمة الستارة تعود إلى مكانها، وعادت أدراجها إلى الفراش. حاولت أن تهدّئ من روعها، وأن تقنع نفسها بأنّ ما رأته لم يكن سوى خيالٍ أو وهم. لكنّ صوت الهمس الخافت عاد ليطاردها، أقوى وأكثر وضوحاً هذه المرة. كان يناديها باسمها، باسمٍ لم يسمعه منها سوى قليلون.

"فاطمة..."

تجمدت في مكانها. صوتٌ مألوفٌ، ولكنه يحمل نبرةً غريبة، نبرةٌ لم تسمعها من قبل. نبرةٌ تجمع بين الألم والرجاء. من يكون؟ وكيف عرف اسمها؟

ارتعشت يداها وهي تتحسس صدرها. هل كان الأمر يتعلق بالماضي؟ بالذكريات التي حاولت عبثاً أن تنساها؟ كانت فاطمة قد بنَتْ لنفسها حصناً منيعاً حول قلبها، حصناً لا يخترقه إلاّ من كان له مفتاحٌ خاص.

لم تستطع النوم. بقيت مستيقظةً حتى انبلاج الفجر، وعيناها تحدقان في السقف، تستمع إلى كلّ صوت، تتوقع كلّ حركة. عندما أشرقت الشمس، ورسمت خيوطها الذهبية على جدران غرفتها، شعرت فاطمة بشيءٍ من الهدوء يعود إليها. ولكنّها عرفت في قرارة نفسها أنّ هذا الهدوء لن يدوم. كان هناك شيءٌ ما قادم، شيءٌ سيغيّر مجرى حياتها الهادئة، شيءٌ استشعرت نبضاته الأولى في تلك الليلة المظلمة.

نهضت فاطمة من فراشها، وقررت أن تواجه ما أتى. كانت قد اعتادت على المواجهة. كانت قوية، وإن بدا عليها الضعف. كانت تحمل في داخلها شعلةً من العزيمة، شعلةً لن تنطفئ بسهولة. ارتدت ثيابها، وذهبت إلى المطبخ لتعدّ قهوتها الصباحية. رائحة القهوة كانت تعيد إليها إحساسها بالحياة. جلست على طاولة المطبخ، تستمع إلى أصوات العصافير وهي تغرّد في الخارج، وكأنّها تحتفي بقدوم يومٍ جديد.

لكنّ صوت الباب وهو يُطرق بقوةٍ هزّ أركان البيت، وأعاد إلى ذاكرتها صورة الظلّ الغامض في الحديقة. كان الطارق قوياً، وحازماً. ترددت فاطمة للحظة، ثمّ استجمعت شجاعتها وذهبت لتفتح الباب.

عندما فتحت فاطمة الباب، وجدت أمامها رجلاً لا تعرفه. كان شاباً في مقتبل العمر، طويل القامة، ذو بنيةٍ قوية. كانت عيناه تحملان بريقاً غريباً، مزيجاً من التحدي والشوق. وقف الرجل هناك، صامتاً، وكأنه ينتظر منها أن تبدأ الحديث.

"نعم، تفضل؟" سألت فاطمة بصوتٍ متوازن، حاولت أن تخفي فيه الاضطراب الذي اعتراها.

نظر إليها الرجل طويلاً، وعيناه تتفحصان ملامحها بدقة. ثمّ قال بصوتٍ عميقٍ ومليءٍ بالإحساس: "هل أنتِ فاطمة؟"

ارتعشت شفتيها. "نعم، أنا هي. ومن أنت؟"

ابتسم الرجل ابتسامةً خفيفة، ابتسامةٌ لم تصل إلى عينيه. "أنا... أنا شخصٌ أتعبته الطريق، وأبحث عن مأوى."

لم تقنعه كلماته. كان هناك شيءٌ في وقفته، في نظراته، يوحي بأنّ الأمر أكبر من مجرد بحثٍ عن مأوى. لكنّها لم تستطع أن تردّه خائباً. كان قد رآها في الظلام، وها هو الآن يقف على عتبة بابها في النور.

"تفضل بالدخول،" قالت فاطمة بصوتٍ متعب. "ولكنّي لا أعتقد أنّني أستطيع أن أقدم لك ما تبحث عنه."

دخل الرجل إلى المنزل، خطوةً بخطوة، وكأنّه يملك الحقّ في كلّ ذرةٍ من ذراته. كانت عيناه تتجولان في المكان، تستكشفان كلّ زاوية. كان البيت واسعاً، ولكنه يبدو خالياً. كان يحمل عبق الماضي، ورائحة الأجداد.

"أنا لستُ أبحث عن مجرّد مأوى، يا فاطمة،" قال الرجل وهو يتجه نحو غرفة الجلوس. "أنا أبحث عن شيءٍ قد فقدته."

نظرت إليه فاطمة بدهشة. "وما هو هذا الشيء الذي فقدته؟"

جلس الرجل على أحد الكراسي الوثيرة، وأشار إليها بالجلوس. "شيءٌ لا يمكن إيجاده إلاّ في المكان الصحيح، ومع الشخص المناسب."

جلست فاطمة على كرسيّ مقابله، وقلبها يخفق بسرعة. كان هناك شيءٌ في هذا الرجل يثير قلقها، ولكنه في نفس الوقت، يثير فضولها.

"أنا لا أفهم ما تقول،" قالت فاطمة بصراحة. "لم أرَك من قبل، ولا أعرف ما الذي يمكنني تقديمه لك."

انحنى الرجل إلى الأمام قليلاً، ونظر إليها بعمق. "ربما لم تريني، ولكنّني رأيتك. رأيتك في أحلامي، ورأيتك في الماضي."

تجمدت فاطمة. هل كان هذا الرجل مجنوناً؟ أم كان يتحدث بلغةٍ أخرى، لغةٍ خاصةٍ لا تفهمها؟

"أعتقد أنّك ارتكبت خطأً،" قالت فاطمة بصوتٍ بارد. "لا أعرفك، ولا أعرف لماذا أنت هنا."

نهض الرجل ببطء، ووقف أمامها. كان طوله يهيمن عليها، ولكنّ نظرته لم تكن تهديدية. كانت تحمل شيئاً من الأسى.

"ربما لم أرتكب خطأً،" قال الرجل وهو ينظر إليها بعينين صافيتين. "ربما كنتُ أنتِ من ارتكبتِ الخطأ، بخروجكِ من حيث كان ينبغي أن تكوني."

كلماته كانت كالسياط تلهب جلدها. شعرت فاطمة بغضبٍ يتصاعد بداخلها، غضبٌ لم تشعر به منذ زمنٍ طويل.

"هذا بيتي،" قالت بصوتٍ قويّ. "وليس لك الحقّ في أن تقول لي أين كان ينبغي أن أكون."

ابتسم الرجل ابتسامةً حزينة. "الحقّ ليس دائماً ما نملكه، يا فاطمة. أحياناً يكون ما علينا أن نؤديه."

قبل أن تستطيع فاطمة أن تردّ عليه، أخرج الرجل من جيب سترته صورةً قديمة. صورةٌ بالأسود والأبيض، تظهر فيها امرأةٌ شابة، جميلة، ذات ملامحٍ مألوفة. كانت الصورة ضبابية، ولكنّ فاطمة عرفتها فوراً. كانت صورة أمها.

"من أنت؟" سألت فاطمة بصوتٍ يرتجف، وعيناها مثبتتان على الصورة. "كيف حصلت على هذه الصورة؟"

اقترب الرجل منها، ومدّ يده ليضع الصورة بين يديها. "أنا... أنا ابن الرجل الذي أحبّتْه أمك."

اختلطت مشاعر فاطمة بين الصدمة، والحزن، والفضول. هل كان هذا الرجل يقول الحقيقة؟ هل كان لديه صلةٌ بماضي أمها الذي كان بالنسبة لها مجرد لغزٍ محيّر؟

"لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً،" تمتمت فاطمة. "أمّي لم تتحدث عن أيّ رجلٍ آخر."

"لقد أُجبرت على ذلك،" قال الرجل بصوتٍ مليءٍ بالأسى. "تماماً كما أُجبرتِ أنتِ على أشياء كثيرة."

نظرت فاطمة إليه، ولم تعد ترى فيه غريباً. كانت ترى فيه شبحاً من الماضي، شبحاً يحمل معه قصصاً لم تُحكَ، وأسراراً لم تُكشف. كان الليل قد انتهى، ولكنّ الظلام، ظلام الماضي، كان لا يزال يحيط بها. وكان هذا الرجل، الواقف أمامها، هو المفتاح الوحيد لفكّ رموز هذا الظلام.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%