الزوجة المختارة الجزء الثاني

لقاء الأحبة وعبير الذكرى

بقلم فاطمة النجار

قررت "لميس" أن تزور المكتبة القديمة التي اعتادت ارتيادها في صباها، تلك المكتبة التي كانت ملاذها من صخب الحياة، ومصدر إلهامها في كتاباتها. كانت تتذكر كيف كانت تقضي ساعاتٍ طويلةً بين رفوف الكتب، تستنشق عبير الورق القديم، وتتوه في عوالمٍ أخرى. اليوم، كانت زيارتها تحمل هدفاً أعمق، هدفاً متعلقاً بـ"مالك" وذكرياته.

كانت تعلم أن "مالك" رجلٌ يقدر الثقافة، ويعشق القراءة، وأن لديه مكتبةٌ شخصيةٌ تزخر بالكتب النادرة. تذكرت كيف تحدثت معه ذات مرةٍ عن روايةٍ قديمةٍ كانت تحبها كثيراً، روايةٌ تحكي عن الحب المستحيل، وعن التضحيات الكبرى. لاحظت آنذاك لمعةً خاصةً في عينيه، وكأنها لامست شغفاً دفينًا.

دخلت "لميس" المكتبة، واستقبلتها رائحة الكتب المعتقة، وصمتٌ مهيبٌ يلف المكان. تجولت بين الرفوف، وبدأت تتفحص العناوين. وفجأةً، وقعت عيناها على كتابٍ قديمٍ، غلافه باللون الأزرق الباهت، واسمه بالكاد يُقرأ. كان كتاب شعرٍ قديم، لمؤلفٍ عربيٍ مغمور، ولكن "لميس" كانت تعرف مدى تقدير "مالك" للشعر الأصيل.

عندما أمسكت بالكتاب، شعرت بيدٍ أخرى تلامس يدها. رفعت رأسها لتجد "مالك" واقفاً أمامها، يبتسم ابتسامةً دافئة.

"لم أتوقع أن أراكِ هنا اليوم يا 'لميس'," قال "مالك"، وعيناه تلمعان بنوعٍ من الدهشة. "هل أنتِ من محبي هذا الشاعر المجهول؟"

ابتسمت "لميس" وقالت: "بل كنتُ أظن أنني الوحيدة التي تتذكره. هذا الكتاب يحمل لي ذكرياتٍ جميلة، وكنتُ أفكر فيه كثيراً مؤخراً."

"حقاً؟" قال "مالك" مقترباً قليلاً. "هذا الكتاب… كان هديةً تلقيتها في وقتٍ سابقٍ من حياتي. كان لشخصٍ عزيزٍ عليّ. لقد ترك هذا الكتاب بصمةً في قلبي، لا يمكنني نسيانها."

شعر "مالك" بتيارٍ غريبٍ يسري في عروقه. كان يتحدث عن "ليلى"، المرأة التي أحبها في ماضيه، والتي لم تكتمل قصته معها. كانت قد أهدته هذا الكتاب، ووعدته بأن تكون حياتهما كقصائد هذا الشاعر، مليئةً بالشغف والمعنى. ولكن الأقدار شاءت أن تفترقا.

"ما الذي جعلكِ تفكرين في هذا الكتاب الآن يا 'لميس'؟" سأل "مالك"، ونبرة صوته تحمل خليطاً من الحيرة والتأمل.

تنهدت "لميس" وقالت: "كنتُ أفكر في الوعود، وفي معنى الوفاء. وكنتُ أفكر فيك، وفي ما قد تكون حملته من أحلامٍ وآمالٍ لم تتحقق. أحياناً، نحمل في قلوبنا أشياءً ثمينة، ولكن الظروف تجعلنا نبتعد عنها."

توسعت عينا "مالك" من المفاجأة. هل كانت "لميس" تعلم شيئاً عن "ليلى"؟ أم أنها كانت تتحدث بحدسها العميق؟

"هل تقصدين…؟" سأل "مالك" بتردد.

"لا أقصد شيئاً محدداً يا 'مالك'," قالت "لميس" بهدوء. "لكنني أؤمن بأننا كبشر، نحمل فينا أجزاءً من ماضينا، وأن هذه الأجزاء تشكلنا. ولكن هذا لا يعني أن نمتنع عن بناء مستقبلٍ جديد. بل يجب أن نتعلم من ماضينا، وأن نمضي قدماً بقوةٍ أكبر."

امسك "مالك" بيدها برفق، وشعر بدفءٍ يغمر قلبه. كانت "لميس" تفهمه بعمقٍ لا يستطيع أحدٌ آخر أن يفهمه.

"هذا الكتاب،" تابع "مالك" وهو يمسك بالغلاف الباهت، "كان يذكرني بما كنتُ أتمناه. كان يذكرني بأحلامٍ وردية، وبوعودٍ قطعتها. لكن الحياة علمتني أن الأمور ليست دائماً كما نتخيل. وأن السعادة قد تأتي من طرقٍ مختلفة."

"وهل تعتقد أن السعادة قد تأتي الآن؟" سألت "لميس" وهي تنظر في عينيه مباشرةً.

"أعتقد ذلك يا 'لميس'," قال "مالك" بصوتٍ صادق. "بسببكِ. لقد أدخلتِ إلى حياتي نوراً جديداً، ورغبةً في البحث عن الأمل. لقد رأيتُ فيكِ الصدق، والنقاء، والقلب الكبير. ربما حان الوقت لأمنح قلبي فرصةً جديدة، لأبني معه ذكرياتٍ أجمل."

في تلك اللحظة، أحست "لميس" بأن كل همومها قد تلاشت. لقد منحها "مالك" وعداً صامتاً، وعداً جديداً، وعداً ببناء مستقبلٍ معها.

قرر "مالك" أن يدعوها لتناول العشاء في مطعمٍ هادئٍ، بعيدٍ عن الأعين، حيث يمكنهما التحدث بحريةٍ أكبر. جلسا في زاويةٍ منعزلة، وتبادلا أطراف الحديث عن اهتماماتهما المشتركة، وعن أحلامهما المستقبلية.

"ما الذي تتمنينه لحياتكِ يا 'لميس'؟" سأل "مالك" وهي ترشف من كوبها.

"أتمنى أن أجد السعادة في بيتي، وفي أسرتي، وفي عملي," قالت "لميس" بابتسامةٍ هادئة. "أتمنى أن أعيش حياةً مليئةً بالحب، وبالتفاهم، وبالقرب من الله."

"وهل تظنين أنني يمكن أن أكون جزءاً من هذه الحياة؟" سأل "مالك"، ونبرته تحمل أملًا.

"أعتقد ذلك يا 'مالك'," قالت "لميس" وعيناها تلمعان. "ولكن، يجب أن نتأكد من أننا نتشارك نفس القيم، ونفس الرؤية للحياة. يجب أن نبني أساساً قوياً، مبنياً على الاحترام المتبادل، وعلى الثقة."

"وأنا على استعدادٍ تامٍ لذلك," أكد "مالك". "لقد تعلمتُ من أخطائي، ومن تجاربي. أدركتُ أن الحب الحقيقي يبنى بالعطاء، والتضحية، والتسامح. وأنتِ، يا 'لميس'، تملكين كل هذه الصفات."

خلال حديثهما، كان "مالك" يشعر بأن قيود الماضي قد بدأت تتفكك. كان يتحدث عن "ليلى" ليس بحزنٍ وألم، بل كذكرىٍ من الماضي، كدرسٍ تعلمه. وشعر بأن "لميس" كانت تتعامل مع هذا الأمر بنضجٍ وحكمة.

"هل أنتِ مستعدةٌ لنتقدم أكثر؟" سأل "مالك" بعد فترةٍ من الصمت. "هل أنتِ مستعدةٌ لنبدأ رحلةً حقيقيةً نحو بناء مستقبلنا معاً؟"

ابتسمت "لميس" ابتسامةً واسعة، ملؤها السعادة والامتنان. "نعم يا 'مالك'، أنا مستعدةٌ تماماً. وبإذن الله، سيكون طريقنا مليئاً بالخير والبركة."

في نهاية الليلة، شعر كل منهما بأن خطوةً كبيرةً قد تم اتخاذها. لم يكن الأمر يتعلق بالوعود القديمة، بل بالوعود الجديدة التي بدأا ببنائها. كان لقاء الأحبة في المكتبة القديمة قد فتح باباً جديداً، باباً لعبير الذكرى، ولبناء مستقبلٍ مشرقٍ معاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%