الزوجة المختارة الجزء الثاني
عاصفة الظنون وبريق الأمل
بقلم فاطمة النجار
لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على خطوبة "لميس" و"مالك"، حتى بدأت رياحٌ عاتيةٌ تهب على صفاء علاقتهما. بدأت بعض الشكوك تلوح في الأفق، شكوكٌ لم تكن متوقعة، ولم تكن "لميس" لتخطر ببالها يوماً.
كان الأمر قد بدأ بحديثٍ عابرٍ بين "لميس" وصديقتها المقربة "سارة". كانت "سارة" تشاركها بعض التفاصيل عن حياتها، وعن علاقتها بخطيبها. وفي خضم الحديث، ذكرت "سارة" قصةً سمعتها عن خطيبٍ غيّر خطيبته قبل زفافهما بأيامٍ قليلة.
"يا 'لميس'، لا أصدق كيف يمكن أن يحدث ذلك!" قالت "سارة" بانفعال. "لقد كانت تعيش معه أجمل قصة حب، ثم فجأةً، قررت أن تبتعد. سمعتُ أن السبب كان اكتشافها لبعض الأمور القديمة عنه."
بدأت "لميس" تشعر ببعض القلق. تذكرت حديث "مالك" عن ماضيه، وعن وعدٍ قديمٍ لم يستطع الوفاء به. هل كان ذلك الوعد مرتبطاً بشخصٍ آخر؟ هل كانت هناك امرأةٌ في حياته، قد تكون سبب كل هذه الترددات؟
في إحدى زياراتها لمنزل والدة "مالك"، لاحظت "لميس" أن السيدة "فاطمة" كانت تتحدث في الهاتف بصوتٍ منخفض، وبوجهٍ يحمل بعض الحزن. عندما أنهت المكالمة، حاولت "لميس" أن تظهر لها شيئاً من الاطمئنان.
"هل كل شيءٍ بخير يا خالتي؟" سألت "لميس" بهدوء.
تنهدت السيدة "فاطمة" وقالت: "لا شيء يا ابنتي، مجرد بعض الأمور العائلية. لا تقلقي."
ولكن "لميس" شعرت بأن هناك شيئاً مخفياً. في تلك الليلة، لم تستطع أن تنام. كانت أفكارها تدور حول "مالك"، وحول ماضيه. هل كان هناك سرٌ لم يكشفه لها؟ هل كانت هناك قصةٌ أخرى، ربما تتعلق بتلك المرأة التي أهدته كتاب الشعر؟
في الأيام التالية، حاولت "لميس" أن تبحث عن إجابات. بدأت تلاحظ بعض التصرفات الغريبة من "مالك". كان يتلقى مكالماتٍ هاتفيةً في أوقاتٍ متأخرة، وكان يبدو شارد الذهن أحياناً. وعندما كانت تسأله عن سبب انشغاله، كان يتهرب من الإجابة بعباراتٍ عامة.
"يا 'لميس'، أشياءٌ بسيطةٌ تخص العمل. لا داعي للقلق."
شعرت "لميس" بأن جداراً خفياً بدأ يُبنى بينهما. جدارٌ مصنوعٌ من عدم الشفافية، ومن الشكوك المتزايدة. لم تعد تلك الثقة المطلقة التي كانت تملؤها في بداية علاقتها به.
في يومٍ من الأيام، وبينما كانت "لميس" تتصفح بعض الأوراق القديمة التي تخص عائلتها، وجدت ظرفاً يحمل اسم "ليلى". فتحت الظرف بفضول، لتجد بداخله بعض الرسائل القديمة. قرأت الرسائل، وشعرت بصدمةٍ عارمة. كانت الرسائل تعبر عن حبٍ عميقٍ، وعن وعودٍ بالزواج، ولكنها كانت تحمل أيضاً كلماتٍ تعبر عن خيبة أملٍ، وعن رحيلٍ مفاجئ.
تذكرت "لميس" حديث "مالك" عن وعدٍ قديمٍ، وعن امرأةٍ عزيزةٍ عليه. هل كانت "ليلى" هي المقصودة؟ هل كانت هذه الرسائل دليلاً على أن "مالك" لم ينسَ "ليلى" بالكامل؟
بدأت "لميس" تشعر بالغيرة، والخوف. هل كانت خطوبتهما مجرد محاولةٍ منه لنسيان "ليلى"؟ هل كان يستخدمها كبديل؟
قررت "لميس" أن تواجه "مالك". في لقائهما التالي، كان الجو متوتراً.
"يا 'مالك'،" بدأت "لميس" بصوتٍ مرتجف. "هل هناك شيءٌ ما يجب أن أعرفه؟ هل هناك سرٌ تخفيه عني؟"
نظر إليها "مالك" بذهول. "ما الذي تتحدثين عنه يا 'لميس'؟"
"لقد وجدتُ بعض الرسائل القديمة," قالت "لميس" وعيناها تلمعان بالدموع. "رسائلٌ تحمل اسم 'ليلى'. هل هي… هل هي ماضيكِ الذي لم تستطع أن تنساه؟"
شعر "مالك" بصدمةٍ أكبر. كيف وصلت "لميس" إلى هذه الرسائل؟ ولماذا أصبحت تشك في نواياه؟
"يا 'لميس'،" قال "مالك" بصوتٍ هادئٍ ولكنه حازم. "هذه الرسائل… تعود إلى فترةٍ صعبةٍ في حياتي. 'ليلى' كانت شخصاً عزيزاً عليّ، ولكن الأمور لم تكتمل بيننا. لقد ذكرتُ لكِ أنني حملتُ في قلبي وعداً لم أستطع الوفاء به، وأن هذا الوعد ترك أثراً في نفسي. ولكنني أؤكد لكِ، أن تلك الفترة قد انتهت تماماً."
"ولكن تصرفاتك الأخيرة… مكالماتك المتأخرة… شغلك عني… هل كل هذا بسببها؟" سألت "لميس" بألم.
تنهد "مالك" بعمق. "يا 'لميس'، الأمور التي تشغلني ليست متعلقةً بـ'ليلى'. بل تتعلق بشيءٍ آخر، شيءٌ أتمنى أن أحله بنفسي قبل أن أشارككِ تفاصيله."
"وما هو هذا الشيء؟" سألت "لميس" بإصرار.
"ليس الوقت المناسب الآن يا 'لميس'," قال "مالك". "أرجوكِ، ثقي بي. ثقي بالحب الذي يجمعنا. لا تدعي الشكوك تدمر ما بنيناه."
لكن "لميس" كانت قد تغلغل الشك في قلبها. شعرت بأن "مالك" لا يصارحها بكل شيء. هل كان هناك سببٌ آخر لتصرفاته؟ هل كانت هناك امرأةٌ أخرى؟
في تلك الليلة، شعرت "لميس" بالوحدة والألم. كانت تتمنى لو أن "مالك" كان أكثر شفافيةً معها. لقد تعبت من محاولة فهمه، ومن محاولة تفسير تصرفاته.
في الأيام التالية، حاولت "لميس" أن تتواصل مع والدة "مالك"، على أمل أن تحصل منها على بعض الإيضاحات. تحدثت معها عن مخاوفها، وعن شكوكها.
"يا خالتي، أشعر بأن هناك شيئاً يخفيه 'مالك' عني. هل يمكن أن تساعديني في فهم ما يدور؟"
نظرت إليها السيدة "فاطمة" بعينين تحملان مزيجاً من الحزن والقلق. "يا ابنتي، 'مالك' يمر ببعض الظروف الصعبة حالياً. إنه يحاول أن يحمينا جميعاً. ثقي به، وثقي بالله."
"ولكن ما هي هذه الظروف؟" سألت "لميس" بيأس.
"عندما يحين الوقت المناسب، سيخبركِ كل شيءٍ," قالت السيدة "فاطمة" بلطف.
شعرت "لميس" بأنها في دوامةٍ من الأسئلة بلا إجابات. لقد كانت متمسكةً بـ"مالك"، وبحبهما. ولكنها لم تستطع أن تتجاهل الشعور المتزايد بأن هناك شيئاً لا تعرفه، شيئاً قد يهدد مستقبلها.
في هذه الأثناء، كان "مالك" يمر بضغوطٍ شديدة. كان لديه بعض الالتزامات المالية القديمة التي بدأت تظهر مجدداً، وكان يحاول جاهداً أن يحلها قبل أن تؤثر على حياته المستقبلية، وعلى زواجه بـ"لميس". لقد وعد نفسه بأن لا يضعها في موقفٍ صعب، وأن يحميها من أي مشاكل.
ولكن، كلما حاول "مالك" أن يخفي الأمر، كلما زادت شكوك "لميس"، وزاد الشق في علاقتهما. كان كلاهما يبحث عن الأمان، ولكن بطرقٍ مختلفة. "لميس" كانت تبحث عن الأمان في الشفافية والوضوح، بينما كان "مالك" يبحث عن الأمان في حل المشاكل بنفسه، قبل أن يشاركها فيها.
كانت تلك الفترة بمثابة عاصفةٍ حقيقية، هددت بتمزيق كل ما بنياه. هل ستنجح علاقتهما في الصمود أمام هذه العاصفة؟ أم أنها ستتلاشى أمام بريق الأمل الذي بدأ يخفت؟