الزوجة المختارة الجزء الثاني
غيمةٌ في سماء السعادة
بقلم فاطمة النجار
كانت الأيام تمضي، والسماء الزرقاء الصافية فوق بيت العم منصور تبدو عنواناً لقلب ليلى المغمور بالفرح. منذ أن أعلن عبد الرحمن عن نيته التقدم لخطبتها رسمياً، شعرت وكأن أجنحةً قد نبتت لها، تحملها فوق هموم الأمس وتراتيل الأحزان. كانت تفاصيل عقد القران تترتب بصمت، كأنها تدفق نهرٍ سلسٍ يهيئ نفسه للبحر. ابتسامتها لم تفارق محياها، وكلمات عبد الرحمن الحلوة، المشوبة بحياءٍ صادق، ترن في أذنيها كعذب اللحن.
في تلك الأثناء، كانت والدة عبد الرحمن، السيدة فاطمة، تراقب ابنتها الوحيدة، سارة، بقلقٍ ظاهر. لم تكن سارة كعادتها. ذبولٌ غريبٌ خيّم على محياها، وعيناها تحملان بصيصاً من الحزن لا تخطئه الأم. كانت تحاول أن تتصنع الفرح لخطوبة ابنها، لكن الابتسامة كانت زائفة، والفرحة تبدو مستعارة.
"ما بك يا ابنتي؟" سألتها السيدة فاطمة في أحد الأيام، وهي تجلس بجوارها على الأريكة في صالة البيت الفسيحة، تزينها نقوشٌ شرقيةٌ عريقة. تنهدت سارة بعمق، وقالت بصوتٍ خفيضٍ كهمس الريح: "لا شيء يا أمي. مجرد تفكيرٍ في ترتيبات الحفل."
لم تقتنع الأم، فابنتها كانت تعرف كيف تخفي آلامها، لكن في هذه المرة، كان الألم عميقاً، يتربص خلف ستارٍ رقيقٍ من الصبر. "سارة، أنتِ تعرفين أني أمك. عيناكِ تحكيان قصةً تختلف عن كلماتك. هل هناك ما يزعجكِ؟ شيءٌ يتعلق بليلى؟"
ارتعشت شفتا سارة قليلاً. كان عليها أن تخبر أمها، أو ربما لم يكن الوقت مناسباً. لكن الصمت يثقل كاهلها. "ليلى... فتاةٌ طيبة يا أمي. وأنا سعيدةٌ لابن عمي."
"أعلم ذلك،" قالت السيدة فاطمة، وعيناها تقيّم ردة فعل سارة. "ولكن السعادة الظاهرة لا تعني بالضرورة اختفاء المشاعر الأخرى. أخبريني، يا صغيرتي. هل هناك ما يقلقكِ في علاقتكِ بعبد الرحمن؟"
هنا، انفجرت سارة بالبكاء، دموعٌ حارةٌ تنساب على خديها، تخترق قناعها المصطنع. احتضنتها الأم بحنانٍ أبوي، مواسيةً إياها. "لا أستطيع يا أمي! لا أستطيع أن أتحمل فكرة أنه سيتزوج من غيري!" شهقت سارة بين دموعها. "أنا... أنا أحب عبد الرحمن! أحبه منذ صغري. كنت أظن أننا مقدران لبعضنا البعض."
اتسعت عينا السيدة فاطمة بصدمةٍ وخوف. لم تتوقع هذا الاعتراف أبداً. كانت تعرف أن سارة معجبة بعبد الرحمن، لكنها لم تتصور أن يصل الأمر إلى هذا الحد. "يا ابنتي، عبد الرحمن لم يكن يوماً لكِ. كان دائماً يتحدث عن ليلى، منذ أن رآها في الجامعة. أنتِ كنتِ... مجرد صديقة."
"لكنني كنت أتمنى! كنت أحلم! كلما رأيته يبتسم، كان لي! كلما سمعت صوته، كان يناديني! أظننت أن هذا هو الطريق! والآن... ترينها؟ هي تأخذ كل شيء! كل شيء!"
هدأت السيدة فاطمة من روع ابنتها، وحاولت أن تجد الكلمات المناسبة لتهدئتها، ولكن قلبها كان مليئاً بالقلق. كانت تعرف أن حب سارة لعبد الرحمن قديمٌ وجارف، وأن هذه الخطبة قد تكون صدمةً قاسية لها. "يا سارة، الحب الحقيقي هو أن تتمني الخير لمن تحبين، حتى لو لم يكن معكِ. عبد الرحمن يحب ليلى، وليلى تبادله هذا الحب. أنتِ الآن يجب أن تفكري في مستقبلكِ. هناك رجالٌ آخرون يستحقون حبكِ، وسيسعدون بكِ."
"لكنني لا أريد أحداً غيره!" بكت سارة. "أشعر أن حياتي قد انتهت."
"لا تقولي هذا يا ابنتي. حياتكِ لم تبدأ بعد. هذه مجرد عقبةٌ صغيرة، وسوف تتجاوزينها. الأهم الآن أن نكون أقوياء، وأن ندعم عبد الرحمن في فرحته. لا نريد أن نعكر صفو هذه المناسبة السعيدة."
بينما كانت الأم تواسي ابنتها، كانت ليلى في عالمٍ آخر. كانت تراجع بعض الأوراق المتعلقة بتجهيزات الزواج، تتناقش مع والدتها في تفاصيل الثياب، وفي ترتيبات العشاء الذي ستقيمه العائلتان احتفالاً بالخطبة. كانت تشعر براحةٍ وسعادةٍ غامرتين. كانت تفكر في مستقبلها مع عبد الرحمن، في بيتٍ صغيرٍ دافئٍ يجمع بينهما، في أطفالٍ يحملون ابتسامته وروحها.
لكن في هذه اللحظة، وصلتها رسالةٌ نصيةٌ من رقمٍ غير معروف. فضلت أن تتجاهلها في البداية، لكنها تكررت. بترددٍ، فتحت الرسالة. كانت عبارةً قصيرةً ومبهمة: "الحقيقة مرة، ولن تعجبكِ."
تسارعت أنفاس ليلى. شعرت ببرودةٍ تسري في عروقها. من يكون هذا؟ وما هي الحقيقة التي يتحدث عنها؟ هل هي مجرد مزحةٍ سخيفة؟ أم أن هناك شيئاً ما؟
نظرت حولها، والغرفة الواسعة بدت فجأةً ضيقة. هل يمكن أن يكون هناك من يحسدها على سعادتها؟ من قد يرغب في إفساد فرحتها؟
ردت على الرسالة بكلمةٍ واحدة: "من أنت؟"
لم يأتِ الرد سريعاً. انتظرت ليلى، وقلبها يخفق بعنف. يبدو أن غيمةً صغيرةً بدأت تتشكل في سماء سعادتها الصافية. شيءٌ في داخلها كان يهمس لها بأن هذه الرسالة ليست مجرد مزحة، وأن هناك أمراً جللاً قادماً.
مرت لحظاتٌ طويلة، ثم جاء الرد: "الشخص الذي يرى ما لا تراه أنتِ. الشخص الذي يعرف الأسرار التي تخفيها الأيام."
ارتعش جسد ليلى. لم تفهم ما المقصود. حاولت أن تتذكر ماضيها، أي شيءٍ قد يكون وراء هذا التهديد المبطن. لم تجد شيئاً. كانت حياتها بسيطةً، نظيفةً، خاليةً من الأسرار الكبيرة.
"ماذا تريد؟" سألت مرةً أخرى، وصوتها يرتجف.
جاء الرد بسرعةٍ هذه المرة: "أريد أن أرى الحقيقة تتكشف. ابحثي جيداً... في الماضي."
أغلقت ليلى هاتفها، وشعرت بضبابٍ كثيفٍ يحيط بها. هل كان هذا تحذيراً؟ أم تهديداً؟ في هذه اللحظة، لم تكن متأكدة. لكن شيئاً ما قد تغير. الفرح الذي كان يغمرها بدأ يتضاءل، ليحل محله شعورٌ غامضٌ بالقلق. كانت تعتقد أن حياتها مع عبد الرحمن ستكون هادئةً وسعيدةً، لكن هذه الرسالة الغامضة فتحت باباً للفزع، باباً لم تكن تتوقع أن يُفتح أبداً.