الزوجة المختارة الجزء الثاني

نبضات متسارعة في ليل الشك

بقلم فاطمة النجار

ارتسم الظلام على مدينة القاهرة كعباءة ثقيلة، يخترقها ضوء القمر الخافت كعين الساهر. في شقة الأستاذ مراد، كانت الأجواء مشحونة بترقب لا يطاق. تجلس الأستاذة زينب، وقد غطى وجهها شحوب غريب، يديها تتقاطعان في حجرها كأنهما تحملان ثقل العالم. أمامها، جلس الأستاذ مراد، وخطوط القلق قد حفرت في جبينه عميقاً، وعيناه زائغتان، تبحثان عن معنى في صمت ابنه المطبق.

"يا بني،" بدأ مراد بصوت مبحوح، "لم أعد أحتمل هذا السكون. أرجوك، حدثني. ما الذي يدور في خاطرك؟"

رفع ياسين رأسه ببطء، وقد بدا أن روحه قد استقرت في جسده بصعوبة. كانت عيناه، التي اعتادت أن تشع بالبراءة والصدق، تحملان الآن مزيجاً مؤلماً من الحيرة والاتهام. "يا أبي،" قال بصوت حاول أن يكون ثابتاً، لكنه اهتز في نهايته، "هل حقاً لا تعلم؟ هل حقاً تعتقد أن كل ما قيل لي كان مجرد هراء؟"

تنهدت زينب بصوت خافت، وكأنها تشاركه عبء السؤال. "ياسين، يا حبيبي، ما الذي تقوله؟ هل هناك شيء يزعجك؟ هل حدث ما يضر؟"

ابتسم ياسين بمرارة، ابتسامة لم تصل إلى عينيه. "بل حدث ما غيّر كل شيء، يا أمي. حدث ما جعلني أشك في كل ما عرفته، في كل ما آمُنت به. هل يعقل أن تكون السيدة ليلى، زوجة السيد خالد، قد أُجبرت على الزواج؟ هل يعقل أن تكون قد وافقت كارهة؟"

تلاشت الألوان من وجه زينب. اهتزت يدها التي كانت تعبث بأصابعها. "يا بني، من أين أتيت بهذه الفكرة؟ السيدة ليلى، امرأة صالحة، وابنة رجل له مكانته. كيف تقفز إلى ذهنك مثل هذه الشبهات؟"

"ليست شبهات، يا أمي، بل حقائق أُخبرت بها،" قال ياسين بجدية، ونبرة صوته ارتفعت قليلاً. "رجلٌ، كان يوماً ما قريباً من السيد خالد، أخبرني بأمرٍ هزّ أركان عالمي. قال إن زواجها من السيد خالد لم يكن عن اقتناع، بل كان ثمن صفقة، أو ربما وسيلة لتغطية عارٍ ما. قال إنها لم تكن سوى دمية في يد رجلٍ يبحث عن مصلحته."

وقف مراد فجأة، وعيناه اتسعت بالدهشة والامتعاض. "ما هذا الهراء يا ياسين؟ من هذا الرجل الذي يجرؤ على نشر الأكاذيب والتشكيك في أعراض الناس؟ ومن سمح له بالتدخل في أمور السيد خالد وعائلته؟"

"اسمه أحمد، يا أبي،" قال ياسين، وهو ينظر مباشرة إلى عين أبيه، "وقد يكون ما قاله مجرد افتراء. لكن ما جعلني أصدقه، أو على الأقل أشك، هو أنني لم أرَ يوماً في عيني السيدة ليلى تلك السعادة التي يتحدث عنها الناس. رأيت حزناً، رأيت قلقاً، رأيت أشياء كثيرة لم أستطع فهمها."

"الحزن والقلق، يا بني، قد يكونان لأسباب أخرى. الزواج مسؤولية، والحياة الزوجية فيها تحديات. لا يمكن أن نحكم على علاقة بناءً على ما نراه من الخارج. هل نسيت حديثنا عن الظن السيء؟" ردت زينب بحزم، محاولة استعادة رباطة جأشها.

"لكن ما قاله أحمد كان أكثر تفصيلاً، يا أمي. تحدث عن اتفاقٍ مالي، عن ضغطٍ مورّس على عائلة السيدة ليلى. تحدث عن ليلةٍ مشؤومةٍ أُبرم فيها هذا الزواج. هل يمكن أن تكون كل هذه التفاصيل مجرد كذب؟" سأل ياسين، وهو يرى نظرات الشك تتسلل إلى عيني والدته.

"ما الذي يدفع هذا المدعو أحمد إلى إثارة مثل هذه الفتن؟" سأل مراد، وهو يمسك بذقنه، محاولاً استيعاب حجم الاتهام. "هل له مصلحة في ذلك؟ هل يحقد على السيد خالد؟"

"لا أدري يا أبي. لكنه بدا مخلصاً في حديثه. بدا وكأنه يحمل عبئاً ثقيلاً ويريد تفريغه. قال إن السيد خالد لا يعرف حقيقة مشاعر زوجته، وأن الجميع يعيشون في وهمٍ جميل. وقال إنه يشعر بالذنب لأنه سكت كل هذه المدة."

تعمّق الصمت مرة أخرى، صمتٌ أثقل من ذي قبل. كان الشك كالوباء يزحف في أروقة عقل ياسين، يهدد بتقويض كل ما يؤمن به. كانت رغبته في معرفة الحقيقة، وتأكيده على نزاهته، تدفعه إلى التساؤل عن كل شيء.

"يا ياسين،" قال مراد أخيراً، وصوته كان يحمل نبرة حزمٍ مختلطة بشيء من الأسى، "أنا أثق في معدنك، وأثق في أخلاقك. لكن لا يمكننا أبداً أن نصدق كل ما يقال لنا، خاصةً إذا كان من مصدرٍ لا نعرفه، ويتحدث عن أمورٍ تمسّ أعراض الناس وسمعتهم. هذا كلامٌ خطير."

"لكن يا أبي، ماذا لو كان صحيحاً؟" رد ياسين، وشعورٌ بالضياع يخيم عليه. "ماذا لو كانت السيدة ليلى تعاني بصمت؟ ألا ينبغي لنا أن نفعل شيئاً؟ ألا ينبغي أن نتحقق؟"

"التحقق يا بني، له أساليبه. ولا يكون بالاستماع إلى وشاةٍ يريدون الفرقة. السيد خالد رجلٌ له مكانته، والسيدة ليلى امرأةٌ لها احتشامها. لا يجب أن ندخل في أمورٍ لا تعنينا، إلا إذا ثبت لنا بالدليل القاطع أنها تستدعي تدخلاً."

"لكن الدليل، يا أبي، قد يأتي متأخراً جداً. وقد يكون الضرر قد وقع." قال ياسين، وعيناه تحدقان في الفراغ، وكأنه يرى صوراً تتلاحق في ذهنه. "أنا لا أريد أن أكون جزءاً من أي سوء، ولكنني لا أستطيع أن أتجاهل ما سمعت. هذا الشعور بالغبن، لو كان حقيقياً، يؤلمني."

"شعور الغبن، يا بني، قد يكون وهمياً. والشعور بالمسؤولية، يجب أن يوجه نحو الصواب. لا نحو إثارة الشكوك دون دليل. فكر بعمق، يا ياسين. فكر في عواقب هذه الأفكار. فكر فيمن قد تتأذى سمعتهم، وفي الفتنة التي قد تحدث. هل تريد أن تكون سبباً في هدم بيوتٍ، بناءً على كلمات رجلٍ مجهول؟"

"لا، يا أبي، بالتأكيد لا." قال ياسين، لكن صوته كان يفتقر إلى الثقة. "لكنني... لا أعرف كيف أنسى ما سمعت."

"بالتسامي يا بني، وبالتوكل على الله، وبحسن الظن بالآخرين. هذا ما أتمناه لك. وبالنسبة لهذا الرجل، إذا عاد إليك، فليتحدث مع السيد خالد مباشرة. هذا هو الطريق الصحيح."

شعرت زينب براحةٍ نسبية، ولكنها ما زالت ترى القلق في عيني ابنها. "والسيدة ليلى،" قالت بصوتٍ حنون، "إن كنت تشك في سعادتها، فليكن دعاؤك لها بالتوفيق والسعادة. لا بالتشكيك في حياتها."

"لكن دعائي، يا أمي، يبدو فارغاً إذا كنت لا أرى ما يثبت صدق ما أدعو به." تمتم ياسين، وهو يضع رأسه بين يديه.

"إذاً،" قال مراد بحزم، "فهذا هو القرار. لن نتدخل في أمرٍ لا نستطيع فهمه بالكامل. وسنترك الأمور لصاحبها. إذا أراد السيد خالد أن يبوح بشيء، أو أن يطلب مساعدة، فسيكون الباب مفتوحاً. أما نحن، فسنحافظ على حسن ظننا، وعلى احترامنا لأعراض الناس. وهذا هو ما تعلّمنا إياه ديننا."

جلس ياسين، والصمت يخيم على المكان مرة أخرى. لكنه لم يكن صمت الراحة، بل صمتٌ يحمل ثقل الشكوك المتزايدة، وصمتٌ يحذر من عواقب قادمة. شعر بأن نقطة اللاعودة قد تجاوزت، وأن سفينته قد انطلقت في بحرٍ مظلمٍ من الاحتمالات. لم يكن يعرف إلى أين ستقوده هذه الأمواج، لكنه كان على يقينٍ بأنها لن تمر مرور الكرام.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%