الزوجة المختارة الجزء الثاني

أشباح الماضي تطل برأسها

بقلم فاطمة النجار

مرت الأيام، ولم تفلح محاولات الأستاذ مراد وزوجته في إقناع ياسين بنسيان ما قاله له المدعو أحمد. كان الشك قد تغلغل في نفس ياسين كسمٍ بطيء، يفتك بالثقة ويوهن العزيمة. كلما حاول أن يرى السيدة ليلى، كان يجد نفسه يبحث في عينيها عن علامات الحزن الذي أشار إليه أحمد. كانت ابتسامتها تبدو له باهتة، وكلماتها عابرة، كأنها تخفي خلفها عالماً من الألم المكبوت.

في أحد الأيام، بينما كان ياسين يتجوّل في أحد المعارض الفنية الراقية، لمح وجهاً مألوفاً يجلس وحيداً في زاوية هادئة، يحدق في إحدى اللوحات بعينين تحملان شروداً عميقاً. كان أحمد، الرجل الذي قلب كيانه. شعر ياسين بدفعةٍ لا تقاوم دفعته نحو الاقتراب.

"السلام عليكم،" قال ياسين بصوتٍ حاول أن يجعله هادئاً، لكنه كان يحمل بحةً خفيفة.

رفع أحمد رأسه، وقد بدت الدهشة تعلو محياه للحظة، ثم استبدلت بابتسامةٍ باهتة. "وعليكم السلام ورحمة الله. الأستاذ ياسين، أليس كذلك؟"

"نعم، أنا ياسين. لم أتوقع أن ألتقي بك هنا."

"الحياة مليئة بالمفاجآت، أليس كذلك؟" قال أحمد، وهو يشير إلى الكرسي المقابل له. "هل تسمح لي بصحبتك؟"

جلس ياسين، وشعر بأن قلبه يدق بسرعةٍ أكبر. "لقد فكرت كثيراً فيما قلته لي، يا سيد أحمد."

"وهل وجدت جواباً؟" سأل أحمد، وعيناه تحملان فضولاً مريباً.

"وجدت المزيد من الأسئلة،" قال ياسين بصدق. "ما الذي جعلك تخبرني بكل هذا؟ ما الذي يدفعك؟"

تنهد أحمد، وبدت عليه علامات الإرهاق. "يا أستاذ ياسين، هناك أشياء في الحياة لا يستطيع الإنسان أن يسكت عنها. خاصةً عندما تكون متعلقةً بالظلم، أو بالخداع. لقد عرفت السيد خالد منذ زمنٍ طويل، وكنت شاهداً على بعض الأمور التي ربما لا يراها الآخرون. شعرت بالواجب تجاه نفسي، وتجاه الحقيقة، أن أتحدث."

"لكن حقيقتك هذه، كيف تأكدت منها؟ هل رأيت كل شيء بعينك؟"

"ما قلته لك لم يكن مجرد تخمين، يا أستاذ ياسين. بل كان نتاج معلوماتٍ دقيقة، وشهاداتٍ سمعتها من أشخاصٍ كانوا على مقربةٍ من الأحداث. السيدة ليلى، في الواقع، كانت مخطوبةً لشخصٍ آخر، وكان زواجها من السيد خالد نتيجةً لضغوطٍ شديدة. لم تكن عن اقتناعٍ أو حب."

"لكن زواجهما يبدو مستقراً." قال ياسين، وهو يحاول أن يبدو محايداً.

"الاستقرار الظاهري، يا أستاذ ياسين، لا يعني بالضرورة السعادة الحقيقية. أرى في عينيها ما لا يراه الآخرون. أرى حنيناً لشيءٍ مفقود، وألماً لا يبرح. لقد شعرت بالشفقة عليها، وببعض الغضب من هذا الوضع."

"وهل أنت متأكد أنك لم تخلط بين مشاعرك تجاه السيد خالد، أو ربما تجاه السيدة ليلى، وبين الحقيقة؟" سأل ياسين، وهو يشعر بأن كل كلمةٍ تخرج منه قد تكون سكيناً.

"مشاعري لا دخل لها في الأمر، يا أستاذ ياسين. ما يهمني هو العدل، والحقيقة. لقد رأيت كيف يتم التلاعب بالبشر، وكيف تُباع وتُشترى الأعراض والمشاعر. وكان واجبي أن أُنبّه شخصاً مثلك، شخصاً يبدو لي ذا ضميرٍ حي، حتى تتكون لديك الصورة كاملة."

"لكن كيف يمكنني أن أتأكد؟ كيف يمكنني أن أتحقق مما تقوله؟"

"ليس بالضرورة أن تتحقق بنفسك، يا أستاذ ياسين. ما أردته هو أن تكون على دراية. وأن تتصرف بناءً على وعيك. إذا رأيت السيدة ليلى تتألم، فقد يكون لديك الدافع لفعل شيء. أو ربما، مجرد وجودك كشخصٍ يعرف، قد يكون له أثر."

"وما هو الشيء الذي يمكنني فعله؟" سأل ياسين، وشعر بخيبة أملٍ تغمر روحه.

"لا أعرف بالضبط،" اعترف أحمد. "ربما مجرد الاستماع إليها، إذا سنحت لك الفرصة. ربما مجرد تقديم كلمةِ مواساة، إذا رأيت أنها في حاجةٍ إليها. لا يمكنني أن أطلب منك أن تقوم بأعمالٍ خطيرة. لكن لا يمكنني أن أسمح لنفسي بالصمت."

"وهل تحدثت مع السيد خالد؟"

"لقد حاولت، في وقتٍ سابق. لكنه لم يستمع. اعتقد أنني أحاول إثارة المشاكل. الناس لا يحبون أن تُكشف عيوبهم، حتى لو كانت تسبب ألماً للآخرين."

شعر ياسين بشيءٍ من التناقض. من ناحية، كان كلام أحمد يؤجج شكوكه. ومن ناحية أخرى، كان يخشى أن يكون أحمد مجرد شخصٍ يحاول زرع الفتنة. لكن الظلم، بحد ذاته، كان شعوراً يكرهه.

"لقد أبلغت بما عليّ، يا أستاذ ياسين. وما تراه أنت، وما تفعله، هو أمرٌ يعود إليك. أتمنى أن تتخذ القرار الصحيح." قال أحمد، وهو يقف. "أتمنى لك كل الخير."

وقف ياسين، وهو يشعر بأن رأسه يدور. كان أحمد قد ترك لديه عبئاً أثقل من ذي قبل. لقد فتح أمامه باباً مظلماً، باباً لم يكن يعرف أن له وجوداً.

في تلك الليلة، لم يستطع ياسين النوم. كانت كلمات أحمد تتردد في أذنيه كصدىً مخيف. كان يتخيل السيدة ليلى، وحيدةً في شقتها، تحمل عبئاً لا يعلمه أحد. كان يتخيل السيد خالد، غافلاً عن حقيقة مشاعر زوجته. وبدأ يشعر بمسؤوليةٍ غريبة، مسؤوليةٍ لم يكن يتوقعها.

"هل أنا حقاً أرى الحزن في عينيها؟" سأل نفسه بصوتٍ خافت. "أم أن كلام أحمد هو الذي يلقي بظلاله على ما أراه؟"

كانت الساعات تمر ببطءٍ شديد. كلما حاول أن ينسى، كلما تذكر. لقد أصبح شبح الماضي، الذي أشار إليه أحمد، يطل برأسه في كل زاويةٍ من زوايا تفكيره. كان عليه أن يقرر، وأن يتصرف. لكن كيف؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%