الزوجة المختارة الجزء الثاني

رسالةٌ تحمل وهج الحيرة

بقلم فاطمة النجار

لم يجد ياسين مفراً من مواجهة أمه. كانت زينب، كعادتها، تسعى لملء الفراغ في قلب ابنها بالحب والطمأنينة. لكن هذه المرة، كان الشك الذي تغلغل في روحه أقوى من أي محاولةٍ للتطمين.

"يا أمي،" بدأ ياسين، بينما كان يجلس بجوارها في غرفة المعيشة، تتسرب أشعة الشمس الخجولة من النافذة لتنير الغبار المتطاير في الهواء، "لقد قابلت السيد أحمد مرة أخرى."

توقفت زينب عن كيّ الملابس، والتفتت إليه بعينين تحملان قلقاً ممزوجاً بالترقب. "وماذا أراد منك هذا الرجل؟ ألم يكفِ ما قاله لك؟"

"لقد تحدثنا مطولاً. وهو متمسكٌ بما قاله. بل إنه قدم لي تفاصيل أكثر."

"تفاصيل عن ماذا؟" سألت زينب، ويديها بدأتا تعبثان بطرف قميصٍ كان في يدها.

"عن خلفية زواج السيدة ليلى من السيد خالد. قال إنها لم تكن عن اختيارٍ منها. بل كانت ثمن مساعدةٍ ماليةٍ ضخمةٍ قُدمت لعائلتها في وقتٍ عصيب. وأن السيد خالد، كان على علمٍ بذلك، واستغل الفرصة."

صُدمت زينب. انتشر الاحمرار على خديها، ثم سرعان ما اختفى ليحل محله الشحوب. "هذا كلامٌ لا يصدقه عقل، يا ياسين. كيف يمكن لرجلٍ أن يفعل ذلك؟ وكيف يمكن لامرأةٍ أن تقبل بهذا؟"

"ربما لم يكن لديها خيار، يا أمي. ربما كانت مضطرة."

"حتى لو كانت مضطرة،" قالت زينب بحزم، "فإن هذا لا يبرر لشخصٍ مثلك أن يستمع إلى مثل هذه الأحاديث. إنها اتهاماتٌ خطيرة، وتشهيرٌ بغير وجه حق."

"ولكن ماذا لو كانت هذه الأحاديث صحيحة، يا أمي؟" سأل ياسين، ونبرة صوته كانت تحمل رجاءً خفياً. "ماذا لو كانت السيدة ليلى تعيش حياةً ليست لها؟ ألا تشعرين بشيءٍ من الشفقة عليها؟"

"الشفقة، يا بني، شعورٌ نبيل. ولكن يجب ألا يقودنا إلى التشكيك في أعراض الناس. السيد خالد رجلٌ معروف، والسيدة ليلى زوجته. نحن لا نعرف كل شيء عن حياتهما."

"ولكن السيد أحمد يقول إنه يعرف. ويقول إنه رأى الحزن في عينيها."

"وربما يرى ما يريد أن يراه، يا بني. ربما هو من زرع هذا الحزن في عينيك أنت. الناس لديهم دوافعهم. ربما يحقد على السيد خالد، أو ربما لديه رغبةٌ في التدخل في شؤون الآخرين. هذا ليس من شأننا."

"لكن ما قاله كان منطقياً، يا أمي. كيف يمكن لرجلٍ أن يبيع ابنته، أو زوجته، لأجل المال؟"

"هذا ليس بيعاً، يا ياسين. هذه أمورٌ تخصّ العائلات. نحن لا نتدخل في قراراتهم، إلا إذا كان هناك ضررٌ ظاهرٌ لنا. وهذا لم يحدث."

شعر ياسين بالإحباط. كان يعلم أن أمه تحاول حمايته، وتحاول الحفاظ على سمعة الناس. لكنه كان يشعر أيضاً بعبءٍ يزداد ثقلاً على صدره.

"السيد أحمد أصرّ على أن يتواصل معي شخصياً. وأعطاني رقمه. وقال إن لديه رسالةً يريد أن يوصلها للسيدة ليلى، ولكنه لا يستطيع. ويريد مني أن أكون وسيطاً."

اتسعت عينا زينب. "وسيطاً؟ وما هذه الرسالة؟"

"لا أعرف. قال إنها رسالةٌ تحمل الكثير من المعاني، وإنها تخصّ مستقبل السيدة ليلى. وأنها قد تغير كل شيء."

"يا بني، هذا خطيرٌ جداً! لا يمكننا أبداً أن نتدخل في شؤون الآخرين بهذه الطريقة. هذا تشجيعٌ على إثارة الفتن، وزرع الشكوك. السيد خالد قد يفسر هذا على أنه تدخلٌ سافر في حياته."

"لكن يا أمي، ماذا لو كانت السيدة ليلى بحاجةٍ ماسةٍ لهذه الرسالة؟ ماذا لو كانت تعيش في ظلامٍ وتحتاج إلى بصيصِ نور؟"

"بصيص النور، يا بني، يأتي من الله، وبالطرق المشروعة. وليس عن طريق رجلٍ مجهولٍ يحاول أن يزرع الشكوك في قلوبنا. أرجوك، يا ياسين، كن حكيماً. لا تدع أحداً يلعب بمشاعرك."

"ولكنني أشعر أنني مطالبٌ بفعل شيء. أشعر أن هناك ظلمٌ يحدث، وأنا لا أريد أن أكون ساكتاً عليه."

"إذا كنت ترى ظلماً، يا بني، فادعُ الله أن يزيله. وإذا كان لديك يقينٌ بالظلم، فالطرق الشرعية كثيرة. لكن لا تكن أداةً في يد أحدهم."

"لكن السيد أحمد بدا لي صادقاً، يا أمي."

"الصادق، يا بني، لا يلجأ إلى هذه الأساليب. الصادق يواجه. أما هذا، فهو يحاول أن يثير الشكوك، ويهدم العلاقات. هذا ما يفعله أعداء السعادة."

"ولكنه قال إنه شاهدٌ على أمورٍ قديمة، تتعلق بعائلة السيدة ليلى، وكيف تم الضغط عليها."

"حتى لو كان هذا صحيحاً، فهل يعود بنا الزمن إلى الوراء؟ هل نُعيد فتح جراحٍ قديمة؟ هذا ليس من حكمة الحكماء. هذا من تهور المتهورين."

شعر ياسين بضعفٍ شديد. كانت كلمات أمه، رغم منطقها، لا تستطيع أن تزيل تلك الحيرة التي استقرت في قلبه. كان يرى في عيني السيدة ليلى ما قاله أحمد، وكان يسمع في نفسه صوت ضميره الذي يأمره بالبحث عن الحقيقة.

"ماذا لو كان السيد خالد هو المخطئ؟" همس ياسين.

"وهل أنت متأكدٌ من خطئه؟ هل رأيت ذلك؟"

"لا. ولكني أشك."

"الشك، يا ياسين، هو بداية كل شر. لا تبنِ قراراتك على الشك. ابنِها على اليقين."

"ولكن كيف أصل إلى اليقين، يا أمي، إذا لم أتحقق؟"

"تحقق عن طريق السؤال المشروع، وعن طريق النظر في عواقب الأمور. لا عن طريق الانجرار وراء كلامِ غريبٍ لا نعرفه."

"ولكن ماذا لو كان هذا الرجل، السيد أحمد، يحاول أن ينقذ السيدة ليلى من حياةٍ بائسة؟"

"وإنقاذ الناس، يا بني، له طرقه. ومن أراد أن ينقذ أحداً، فعليه أن يكون واضحاً وصريحاً. لا أن يعمل في الظلام. لا تدع أحداً يستغلك، يا بني. كن أقوى من هذه الشائعات."

كانت زينب تتحدث بحنانٍ، ولكن في عينيها نظرةٌ تحمل خوفاً عميقاً. كانت ترى في ياسين، ابنها الذي تعتز به، وقد أصبح يتخبط في بحرٍ من الشكوك.

"يا أمي،" قال ياسين أخيراً، وقد استجمع قواه، "سأتحدث مع السيد خالد."

تجمدت زينب. "تتحدث مع السيد خالد؟ وماذا ستقول له؟"

"سأخبره بما سمعت. سأخبره بشكوك السيد أحمد. وسأسأله عن رأيه. وسأرى في عينيه ما إذا كان هناك شيءٌ صحيح."

"يا بني، هذا جنون! أنت لا تعرف عواقب هذا الأمر. أنت قد تفتح باباً لا يمكن إغلاقه."

"ولكن إذا كان السيد خالد بريئاً، فسوف يوضح لي الأمر. وإذا كان هناك خطأ، فربما يساعده هذا التنبيه."

"لا يا ياسين، لا تفعل هذا. أرجوك. اترك الأمور لأصحابها."

"ولكن الأمر يؤلمني، يا أمي. لا أستطيع أن أعيش وأنا أحمل هذه الشكوك. يجب أن أعرف الحقيقة."

"الحقيقة، يا بني، قد تكون مؤلمة. ولكنها ليست دائماً في مكانٍ واحد. أحياناً، يكمن الحق في حسن الظن، وفي حفظ الأعراض. هذا ما أرجوه منك."

وقف ياسين، وهو يشعر بقلبه ينقبض. كان موقفه يتأرجح بين رغبةٍ قويةٍ في البحث عن الحقيقة، وبين خوفٍ عميقٍ من العواقب. لقد اتخذ قراره. كان عليه أن يتحدى الشكوك، وأن يبحث عن اليقين، حتى لو كان ذلك يعني المخاطرة بكل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%