الزوجة المختارة الجزء الثاني

ظلٌّ في المدينة وحنينٌ دفين

بقلم فاطمة النجار

بعد رحيل خالد، بقيت فاطمة واقفةً في وسط الغرفة، كأنّها في حلمٍ غريب. الصورة القديمة بين يديها كانت دليلها الوحيد على ما حدث، على الكلمات التي سمعتها. كان جدّها، الرجل الذي كانت تحترمه وتخشاه في آنٍ واحد، قد لعب دوراً أكبر بكثير مما كانت تتصوره في حياة والدتها. لم تكن قادرةً على استيعاب حجم المفاجأة.

جلست فاطمة على الأريكة، وبدأت تتأمل في وجه والدتها في الصورة. كانت ترى فيها مزيجاً من الجمال والحزن. كانت تتساءل عن الحياة التي عاشتها أمها، عن الأحلام التي دفنتها، وعن الحبّ الذي ضاع. هل كانت أمها تشعر بالحنين إلى ذلك الشاعر المفقود؟ هل كانت تحلم بالعودة إليه؟

كانت فاطمة قد اعتادت على العيش في عزلة، على الاعتماد على نفسها. ولكنّ لقاء خالد فتح أبواباً كانت قد أغلقتها بإحكام. لم يكن الأمر يتعلق فقط بأمها، بل بنفسها أيضاً. من هي فاطمة حقاً؟ هل هي مجرد ابنةٌ لرجلٍ تزوجته أمها، أم أنّها تحمل دماءً أخرى، دماءً من شاعرٍ قديم، عاش قصة حبٍّ مستحيلة؟

قضت فاطمة الأيام التالية في حالةٍ من الشرود. كانت تخرج من المنزل فقط لشراء حاجياتها، أو لزيارة قبر جدّها، لتقف أمامه وتتساءل عن الأسرار التي خبّأها. لم تكن تستطيع أن تخبر أحداً بما حدث. كيف يمكنها أن تشرح هذا الأمر المعقد لوالدتها، أو لأي شخصٍ آخر؟

في أحد الأيام، وبينما كانت تتجول في السوق القديم، وقع بصرها على متجرٍ صغيرٍ للكتب المستعملة. كان المتجر يقع في زقاقٍ ضيق، رائحة الورق القديم والغبار تملأ المكان. شعرت فاطمة بجاذبيةٍ غريبة نحو المكان، فدخلت.

كان المتجر أشبه بمكتبةٍ سرية، رفوفٌ مكدسةٌ بالكتب القديمة، بعضها باللغة العربية، وبعضها بلغاتٍ أخرى. كانت الكتب تتحدث عن التاريخ، عن الأدب، وعن الشعر. وبينما كانت تتصفح أحد الرفوف، وقع بصرها على ديوان شعرٍ قديم، بغلافٍ جلديٍّ مهترئ. كانت كلماتٌ مكتوبةٌ بخطٍّ جميلٍ تزين الغلاف.

"ديوان الشاعر الغريب..." قرأت فاطمة بصوتٍ خافت.

شعرت فاطمة بقشعريرةٍ تسري في جسدها. "الشاعر الغريب". ألم يكن هذا هو الوصف الذي استخدمه خالد لوالد والدتها؟

فتحت الديوان بتردد. الصفحات كانت صفراء، وهشة، ولكنّ الكلمات كانت واضحة، نابضةً بالحياة. قرأت بعض الأبيات، كانت تتحدث عن الحبّ، عن الشوق، وعن الفراق. وكانت الكلمات تحمل قوةً عاطفيةً جياشة، وبلاغةً فريدة.

"يا من سكنتِ القلب، ولم تسمعي الأنين..."

"في دروب الوحدة، والليل البهيم..."

"أتذكرين عهداً، قطعناه ذات حين؟"

"حيث الأمل يشرق، والقلب سليم..."

كانت فاطمة تشعر وكأنّ هذه الأبيات كُتبت لها، أو لوالدتها. كانت تتحدث عن نفس المشاعر التي وصفها خالد، عن قصة الحبّ المفقود.

"هل لي أن أعرف، يا سيدتي، ما الذي تبحثين عنه؟"

التفت فاطمة لتجد صاحب المتجر يقف خلفها. كان رجلاً كبيراً في السن، ذو لحيةٍ بيضاء، وعينين لامعتين بالذكاء.

"أنا... أنا أبحث عن شيءٍ يتعلق بهذا الشاعر،" قالت فاطمة، وهي تشير إلى الديوان. "هل تعرف عنه شيئاً؟"

ابتسم الرجل ابتسامةً دافئة. "آه، الشاعر الغريب. نعم، أعرفه جيداً. كان شاعراً موهوباً، ولكنّ حياته كانت مليئةً بالمآسي. أحبّ امرأةً، ولكنّ الظروف فرّقتهما. لم يستطع أن ينساها أبداً، وظلّ يكتب عنها حتى آخر يومٍ في حياته."

"وهل... هل كان يعرف أنها كانت متزوجة؟" سألت فاطمة، وصوتها يرتجف.

"لم أسمع بذلك،" أجاب الرجل. "ولكنّ البعض يقول إنّ حبّه كان نقياً، ولم يكترث لما يمنعه. كان يريدها أن تكون سعيدة، حتى لو كان ذلك بعيداً عنه."

شعرَت فاطمة بأنّ قلبها يمتلئ بالأسى. كانت تتخيل والدتها، الشابة الجميلة، واقعةً في حبّ هذا الشاعر الموهوب، ثمّ اضطرارها للزواج من رجلٍ آخر.

"هذا الديوان... هل يمكنني شراؤه؟" سألت فاطمة.

"بالطبع، يا سيدتي،" قال الرجل. "لكنّي أرى في عينيكِ شيئاً من الحنين. هل تذكرين هذا الشاعر؟"

ترددت فاطمة قليلاً. "لقد... لقد سمعتُ عن قصته من قبل."

"قصص الحبّ القديمة، لها سحرٌ خاص،" قال الرجل. "إنّها تذكرنا بأنّ المشاعر الحقيقية لا تموت أبداً."

دفعت فاطمة ثمن الديوان، وغادر المتجر، وهي تحمل بين يديها كنزاً ثميناً. عادت إلى منزلها، وجلست في غرفتها، وبدأت تقرأ الديوان كاملاً. كانت الكلمات تلامس روحها، وتعيد إليها شعوراً غريباً بالارتباط. كانت ترى في قصائد الشاعر صدىً لحياة والدتها، ولحياتها هي أيضاً.

في تلك الليلة، وبينما كانت فاطمة تقرأ، رنّ هاتفها. كان رقماً غريباً. ترددت فاطمة قبل أن تجيب.

"ألو؟"

"فاطمة؟" كان صوت خالد، واضحاً ومطمئناً.

"خالد! كيف حالك؟"

"أنا بخير، والحمد لله. ولكنّي كنتُ أفكر فيكِ. هل وجدتِ ما تبحثين عنه؟"

"نعم،" قالت فاطمة، وعيناها تلمعان. "لقد وجدتُ ديوان شعرٍ قديم، لشاعرٍ يُقال إنّه كان والدك."

"الشاعر الغريب؟" قال خالد بصوتٍ فيه مفاجأة. "لم أكن أعلم أن لديه ديواناً مطبوعاً. هل يمكنكِ أن تخبريني عن محتواه؟"

"إنه يتحدث عن حبٍّ ضائع، وشوقٍ دفين،" قالت فاطمة. "كلماته مؤثرة جداً. أشعر وكأنّني أفهم أمّي أكثر الآن."

"هذا رائع، يا فاطمة!" قال خالد بحماس. "أعتقد أنّ هذا الديوان هو مفتاحٌ كبيرٌ لفهم ماضينا. هل يمكنني أن آتي لأراه؟"

شعرت فاطمة بشيءٍ من التردد، ولكنّها عرفت أنّها لا تستطيع أن تخفي الأمر إلى الأبد. "نعم، يمكنك أن تأتي."

"سآتي غداً، بعد صلاة الظهر،" قال خالد. "ولكنّي أريد أن أقترح شيئاً. هل أنتِ مستعدةٌ لزيارة بعض الأماكن التي قد تكون مرتبطةً بتاريخ عائلتنا؟"

"مثل ماذا؟" سألت فاطمة.

"مثل دار نشرٍ قديمة، أو منزلٍ كان يسكنه الشاعر، أو أيّ مكانٍ قد يدلّنا على مزيدٍ من المعلومات،" قال خالد. "أعتقد أنّنا بحاجةٍ إلى البدء في تجميع خيوط الماضي."

نظرت فاطمة إلى ديوان الشعر بين يديها. شعرت بأنّها تسير في طريقٍ جديد، طريقٍ لم تكن تتوقعه. "حسناً،" قالت. "سأكون مستعدةً."

أنهت فاطمة المكالمة، وشعرت بأنّها ليست وحدها بعد الآن. كان لديها أخٌ، حتى لو كان هذا الأخ لم تعرفه إلاّ مؤخراً. وكان لديهما ماضٍ مشتركٌ ليكتشفاه، ماضٍ مليءٌ بالأسرار والأشواق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%