الزوجة المختارة الجزء الثاني
صراعٌ في القلب وعزمٌ لا يلين
بقلم فاطمة النجار
ارتسمت على وجه فاطمة ابتسامةٌ خفيفة، ممزوجةٌ بشيءٍ من القلق. الفكرة الأولى عن شقيقٍ لم تعرفه إلاّ مؤخراً كانت بحدّ ذاتها أمراً هائلاً، فكيف بها الآن وهي تستعدّ للانطلاق في رحلةٍ مع هذا الشقيق لاكتشاف ماضٍ معقدٍ وغامض؟ لقد كان قرار خالد بالقدوم إلى منزلها، ثمّ اقتراحه لخوض هذه الرحلة، بمثابة إلقاء حجرٍ في بحيرة حياتها الهادئة.
بينما كانت فاطمة تستعدّ للقاء خالد في اليوم التالي، كانت تتصارع مع مشاعرها. كانت هناك رغبةٌ قويةٌ في معرفة الحقيقة، في فكّ رموز ماضي والدتها، وفي فهم الأسباب التي جعلت حياتها تتخذ هذا المنحى. ولكنّها كانت تخشى أيضاً ما قد تكشفه هذه الحقيقة. هل ستؤدي إلى المزيد من الألم؟ هل ستغيّر نظرتها لعائلتها، ولنفسها؟
تذكرت فاطمة كلام جدّها، كلامه الذي كان يحمل دائماً طابعاً قديماً، وعاداتٍ راسخة. كيف كان يمكن له أن يمنع ابنة أخيه من حبّها؟ كيف كان يمكن له أن يفرض عليها زواجاً لم ترغب فيه؟ لم تكن تفهم لماذا كان الماضي هكذا، لماذا كانت القيود أقوى من المشاعر.
وعندما وصل خالد، وجدت فاطمة نفسها أمام رجلٍ مختلفٍ هذه المرة. لم يكن مجرد رجلٍ يبحث عن ماضٍ، بل كان يحمل معه تفكيراً عميقاً، ورؤيةً واضحةً لمستقبله. كان يبدو متحمساً، ولكنه في نفس الوقت، كان عاقلاً.
"مساء الخير يا فاطمة،" قال خالد وهو يدخل المنزل. "هل أنتِ مستعدةٌ لرحلتنا؟"
"مساء النور، خالد،" أجابت فاطمة. "أنا... أنا متخوفةٌ بعض الشيء، ولكنّي متحمسةٌ أيضاً."
"هذا طبيعي،" قال خالد وهو يبتسم. "إنّ اكتشاف الماضي ليس بالأمر الهين. ولكنّنا سنفعل ذلك معاً. ولن نسمح لأيّ شيءٍ بأن يفسد علينا هذه الرحلة."
قضى خالد وقتاً في قراءة ديوان الشعر. كانت عيناه تتنقلان بين الأبيات، وفي بعض الأحيان، كان يرتشف قهوته بصمت، وكأنه يستجمع أفكاره.
"مدهش،" قال خالد أخيراً، وهو يغلق الديوان. "هذه الأبيات تحمل صدقاً عميقاً. إنّها تكشف عن ألمٍ حقيقي، وعن حبٍّ صادق."
"وهل تعتقد أنّ والدتك كانت تشعر بنفس هذه المشاعر؟" سألت فاطمة.
"لا شكّ في ذلك،" أجاب خالد. "لقد كانت عالقةً بين واجبين: واجبها تجاه عائلتها، وواجبها تجاه قلبها. إنّها قصةٌ تكررت كثيراً في تلك الأيام، قصصٌ ضاع فيها الحبّ بسبب تقاليدٍ صارمة."
"ولماذا لم يتحدث أحدٌ عن هذا الأمر؟" تساءلت فاطمة. "لماذا تمّ إخفاؤه؟"
"الخوف، يا فاطمة،" قال خالد. "الخوف من نظرة المجتمع، والخوف من الفضيحة. ولكنّنا اليوم، في عصرٍ مختلف. يمكننا أن نواجه الحقيقة، وأن نكشف ماضينا، دون خوف."
استأنف خالد الحديث عن خططه. "لقد بحثتُ قليلاً عن أيّ معلوماتٍ قد تكون مرتبطةً بوالدي. ووجدتُ أنّ هناك دار نشرٍ قديمة، كانت تُعنى بالشعر والأدب، قد تكون لديها بعض الأرشيفات القديمة. أعتقد أنّها قد تكون نقطة بدايةٍ جيدة."
"وماذا لو لم نجد شيئاً؟" سألت فاطمة.
"لن نخسر شيئاً،" قال خالد. "على الأقلّ، سنكون قد حاولنا. ولن ندع ماضينا يظلّ لغزاً."
بينما كانت فاطمة تستمع إلى خالد، كانت تشعر بأنّ هناك أمراً آخر يقلقها. لم يكن الأمر يتعلق فقط بالماضي، بل بالواقع. كانت حياتها تتغيّر بسرعة، وكان عليها أن تتكيّف مع كلّ هذه التغييرات.
"خالد،" قالت فاطمة بصوتٍ متردد. "هل تعتقد أنّ هذا كلّه... هل هو مناسبٌ لنا؟"
نظر إليها خالد بعينين تسألان. "ماذا تقصدين؟"
"أقصد... أنا متزوجةٌ،" قالت فاطمة بصوتٍ خافت. "ووالدتي أيضاً تزوجت. هل سيكون من المناسب لنا أن ننبش في قصص حبٍّ قديمة، قد تسبّب مشاكل؟"
تجهم وجه خالد قليلاً. "فاطمة، لم أكن أعلم أنّكِ متزوجة."
"نعم،" قالت فاطمة. "ولكنّ زواجي... لم يكن سعيداً. إنّه زواجٌ تقليدي، قائمٌ على التقاليد، وليس على الحبّ."
شعر خالد بشيءٍ من الحزن. "أتفهم. ولكنّ الحقيقة، يا فاطمة، هي حقٌّ للجميع. لا يجب أن ندفنها بسبب تقاليدٍ قد تكون قديمةً أو ظالمة."
"ولكنّك قلتَ إنّ والدتك اضطرت لإخفاء الأمر،" قالت فاطمة. "ربما كانت هناك أسبابٌ وجيهةٌ لذلك. ربما كان هناك ما يجب حمايته."
"الحماية تختلف عن الإخفاء، يا فاطمة،" قال خالد. "وغالباً ما يكون الإخفاء هو ما يؤدي إلى المزيد من الألم. لا يمكننا أن نعيش حياتنا تحت ظلّ الأسرار."
كانت كلماته تلامس شغاف قلبها. كانت هي نفسها تعيش حياةً هادئة، ولكنّها كانت تشعر بفراغٍ كبير. هل كان هذا الفراغ بسبب ماضيها المجهول؟
"ولكنّ زوجي... لن يفهم،" قالت فاطمة. "إنّه لا يؤمن بمثل هذه الأمور."
"سنحاول أن نكون حذرين،" قال خالد. "ولكنّ هدفنا ليس إثارة المشاكل، بل فهم ماضينا. وفهم ماضينا قد يساعدنا في بناء مستقبلٍ أفضل، لكِ أنتِ أيضاً."
كان هناك صدقٌ في نظرات خالد، صدقٌ جعل فاطمة تشعر بأنّها تستطيع أن تثق به. ربما كان لديه الحقّ. ربما كانت هي نفسها بحاجةٍ إلى معرفة الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.
"حسناً،" قالت فاطمة أخيراً. "سأكون معك. ولكنّنا يجب أن نكون حذرين."
"بالطبع،" قال خالد. "سنكون حذرين. ولكنّنا لن نتراجع."
في تلك الليلة، لم تستطع فاطمة النوم. كانت تفكر في كلّ ما قيل، في كلّ ما ستكشفه هذه الرحلة. شعرت بأنّها على وشك أن تخطو خطوةً كبيرة، خطوةً ستغيّر حياتها. لم تكن تعرف إلى أين ستؤدي بها هذه الرحلة، ولكنّها عرفت شيئاً واحداً: لم يعد بإمكانها العيش في الظلام.