الزوجة المختارة الجزء الثاني
وهج الشوق وأسرار الليل
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمات المساء تحمل معها عبق الياسمين الذي يفوح من بساتين بيت الأب، ممزوجة بآهاتٍ خفيةٍ تعتصر قلب زينب. منذ أن غادر أحمد، استقرّ في أرجاء روحها فراغٌ مؤلم، وحشٌ ينهش سعادتها الهشة. كانت الأيام تدور كعقارب ساعةٍ عجلى، تحمل كل يومٍ معه وعوداً باللقاء، وتتبدد تلك الوعود كسرابٍ في صحراء الشوق. جلست في غرفتها، محاطةً بوشاحٍ من السكينة الظاهرة، لكنّ قلبها كان أشبه ببركانٍ خامد، يتأجج تحت رماد الانتظار.
تتذكر زينب بحرقةٍ تلك الأمسية التي وداع فيها أحمد، كيف كان حديثهما مليئاً بالأمل، وضحكاتهما تنسج جسراً فوق المستقبل المنتظر. وعدها بالعودة، بإنهاء ما بدأ، ببدء حياةٍ جديدةٍ معاً. لكنّ الأيام مرّت، والرسائل تضاءلت، والمكالمات أصبحت متباعدة، حتى كادت أن تصبح مجرد ذكرياتٍ باردة. هل كان مجرد وهمٍ جميل؟ هل كانت تتوهم هذه العلاقة التي لم تتجاوز حدود الاحترام واللياقة، والتي غلّفها الحياء بعباءةٍ من التقوى؟
انحدرت دمعةٌ حارةٌ على خدها، لتلتقي بالأخرى التي سبقتها. لم تكن دموع ضعفٍ بل دموع شوقٍ مشوبٍ بالحيرة. كانت تعرف أحمد، تعرف صدقه، تعرف نبل أخلاقه. لكنّ شيئاً ما بدا يتغير، شيئاً غامضاً، شيئاً لم تستطع حتى هي، بحدسها الأنثوي المرهف، أن تفسره. كانت تتمنى لو أن أحداً يطمئن قلبها، لو أن غيمةً تخفف وطأة هذا القلق الذي يزداد سواداً مع كل غروب.
في الجهة الأخرى من المدينة، كان أحمد غارقاً في دوامةٍ أخرى. لم يكن غيابُه عن زينب مجرد سفرٍ عابر، بل كان هروباً. هروباً من شبحٍ قديمٍ بدأ يطل برأسه، شبحٍ يرتبط بماضٍ أراد دفنه إلى الأبد. كانت لديه أسبابٌ وجيهةٌ للبقاء بعيداً، أسبابٌ تتعلق بسمعته، وعائلته، بل وحتى مستقبله. كان يدرك أن زينب تستحق منه أكثر من مجرد وعودٍ معلّقة، وأنها تستحق صدقاً لا تشوبه شوائب.
جلس في مكتبه، محاطاً بأوراقٍ متناثرةٍ وقهوةٍ باردة. كانت عيناه تحدقان في شاشة حاسوبه، لكنّ عقله كان شاردًا. يتذكر كلمات والده المتكررة عن مسؤولياته، عن واجباته تجاه العائلة، عن الخيارات التي فرضتها عليه الظروف. كان يشعر بالضغط، بوطأة التوقعات التي تثقل كاهله. لم يكن الأمر سهلاً أبداً، فالحياة أصبحت معقدةً أكثر مما تخيل.
كان لديه سرٌّ، سرٌّ يثقل كاهله ويدفعه إلى التصرف بطرقٍ لم يكن يتوقعها. كان يتخبط بين واجبين، بين قلبٍ متعلقٍ بزينب، وبين مسؤوليةٍ أكبر، أو هكذا كان يقنع نفسه. كلما فكر في العودة، في احتضانها، في البوح لها بالحقيقة، كان صوتٌ خفيٌّ يهمس في أذنه بالتحذير، بالصمت.
"كيف لي أن أقول لها؟" تمتم لنفسه، بصوتٍ مرهق. "كيف لي أن أشوه صورتي في عينيها؟" كان يرى في زينب النقاوة، الصفاء، البراءة التي افتقدها في حياته. كان يخشى أن يلوث هذا البياض بظلال ماضيه.
كانت تلك الليلة طويلةً ومليئةً بالأسئلة التي لا إجابة لها. كان أحمد يقف على مفترق طرقٍ مظلم، يصارع رغباته، ويواجه أشباح ماضيه. أما زينب، فكانت تنتظر، على أملٍ خافت، وشوقٍ يتزايد، وقلبٍ يترقب بصمتٍ، لكنّ الأيام القادمة ستحمل معها رياحاً عاتية، قد تقتلع جذور هذا الأمل، أو تزيده رسوخاً. لقد بدأت رحلةٌ ملؤها التحديات، رحلةٌ ستكشف عن أعماق النفوس، وتضع العلاقة بين زينب وأحمد على المحكّ.
كانت زينب تتناول عشاءها بصمتٍ، وعيناها تتجولان في أرجاء الغرفة، تبحثان عن أي شيءٍ قد يشغل بالها ويخفف من ثقل الانتظار. والدتها، السيدة فاطمة، لاحظت شحوب وجهها واضطرابها.
"ما بك يا ابنتي؟" سألت بحنانٍ، وعيناها تراقبان حركة الطعام في طبقها. "أراكِ شاردة الذهن منذ عودتكِ من عند خالتكِ."
تنهدت زينب، محاولةً رسم ابتسامةٍ باهتة. "لا شيء يا أمي، مجرد بعض التعب. السفر كثيراً قد أنهكني."
لم تقتنع السيدة فاطمة، لكنها عرفت أن ابنتها لن تكشف عن كل ما في نفسها بسهولة. "أتمنى أن يكون كل شيءٍ على ما يرام. أحمد لم يتصل بكِ منذ أيام، أليس كذلك؟"
ارتعش جسد زينب قليلاً عند ذكر اسمه. "بلى، لم يتصل. ربما هو مشغولٌ بأعماله."
"صحيحٌ أن الأعمال تأخذ من وقت الإنسان، لكنّ من يحب، يسعى ليبحث عن وقتٍ لمن يحب." قالت الأم بحكمةٍ، نظرتها تفيض بالشعور. "أتمنى أن يكون في حفظ الله. لم أرى شاباً مثله، محترماً، خلوقاً، ومدركاً لمسؤولياته."
"نعم يا أمي، هو كذلك." ردت زينب بصوتٍ بالكاد مسموع. كانت كلماتها صادقة، لكنّ قلبه كان ينبض بأسئلةٍ كثيرة. هل تغير أحمد؟ هل ابتعد عنها؟ هل كان كل شيءٍ مجرد حلمٍ جميلٍ سيتلاشى مع شروق شمسٍ جديدة؟
كانت تشعر بغربةٍ غريبةٍ في بيت أهلها، بالرغم من دفء المحبة الذي يحيط بها. لم تعد تلك الفتاة المرحة التي كانت تعيش حياتها ببساطة. لقد تشابكت مشاعرها، وأصبحت أسيرةً لقلقٍ لم تعهده من قبل.
في تلك الليلة، أخذت زينب كتاباً لتقرأه، علّها تجد فيه ما ينسيها همومها. لكنّ الكلمات تراقصت أمام عينيها دون أن تعيها. كان عقلها مشغولاً بصورة أحمد، بصوته، بابتسامته. هل كان الخطأ منها؟ هل كان عليها أن تكون أكثر جرأةً، أن تسأله مباشرةً عن سبب هذا الصمت؟ لكنّ ديننا يمنع ذلك، يضع قيوداً على حديث المرأة مع الرجل، على تواصلهما. كانت تخشى أن تتجاوز هذه الحدود، أن تفقده قبل أن تمنحه فرصةً للاستمرار.
كانت تعيش صراعاً داخلياً مريراً. بين رغبتها الجامحة في معرفة الحقيقة، وخوفها من العواقب. بين ما يريده قلبها، وما تفرضه عليها تعاليم دينها. كانت تشعر بأنها محاصرة، تائهة في متاهةٍ من المشاعر المتناقضة.
حاولت أن تتوضأ وتصلي. وقفت بين يدي خالقها، ورفعت أكفّ الدعاء. "يا رب، يا من تعلم ما في القلوب، يا من ترى ما لا نرى. إن كان في هذا الارتباط خيرٌ لي ولأحمد، فقرّبه. وإن كان فيه شرٌّ، فاصرفه عني. ألهمني الصبر، وقوّي إيماني، واهدني إلى سواء السبيل."
بعد الصلاة، شعرت بشيءٍ من الراحة، بشيءٍ من السكينة. لكنّ القلق لم يختفِ تماماً. كانت تعرف أن الأيام القادمة ستحمل لها الكثير، وأنها يجب أن تكون مستعدةً لكل الاحتمالات. كانت زينب، ابنة الأصيل، فتاةٌ قويةٌ في ظاهرها، لكنّ قلبها النابض بالحب والشوق كان يحمل أسراراً لا يدركها إلا الله.
وفي الطرف الآخر، لم يكن أحمد بمنأى عن هذه المعاناة. كان يشعر بالذنب وهو يؤجل التواصل مع زينب. كل يومٍ يمرّ دون حديثٍ واضحٍ أو لقاءٍ مطمئن، كان يشعر بأنه يخون ثقتها، ويخون الحب الذي بدأت تتشكل جذوره بينهما. كان يرى في وجهها البريء، في نظراتها الصادقة، سبباً قوياً ليصارع ماضيه، وليكون الرجل الذي تستحقه.
في تلك الليلة، بينما كانت زينب تتقلب في فراشها، كان أحمد يجلس على شرفة منزله، ينظر إلى النجوم. كان يفكر في وعده لها، في مستقبلٍ مشترَكٍ كان قد نسجه في خياله. لكنّ الحقيقة كانت أشدّ قسوة. كانت لديه التزاماتٌ عائليةٌ لم يكن يتوقعها، ضغوطٌ ماليةٌ أدت به إلى اتخاذ قراراتٍ مصيريةٍ. لم يكن الأمر يتعلق بعدم رغبته في الارتباط بزينب، بل بتعقيداتٍ فاقت كل تصور.
"هل أصارحها؟" تمتم لنفسه، يتلمس قلبه المتعب. "أم أتركها تظن أنني تغيرت، وأنني تراجعت؟" كان يخشى أن يسبب لها ألماً، أن يدمر ما بنته الأحلام. كان يعتقد أن الابتعاد المؤقت، مع إيجاد حلٍّ لمشاكله، هو الأفضل. لكنّ هذا الابتعاد كان يفتح باباً للشبهات، وللتساؤلات التي لن تستطيع زينب وحدها الإجابة عليها.
كانت الأيام القادمة حبلى بالامتحانات، امتحاناتٌ ستكشف عن قوة العلاقة بينهما، وعن قدرتهما على تجاوز الصعاب. وكان القدر، بتدبيره الخفي، يرسم خطوطاً جديدةً لحياتهما، خطوطاً قد تقودهما إلى أقدارٍ لم تخطر على بال.