الزوجة المختارة الجزء الثاني
فتنة الشك وصراع الواجب
بقلم فاطمة النجار
مرّت الأيام ثقيلةً على زينب، كل يومٍ يمرّ دون خبرٍ من أحمد كان بمثابة طعنةٍ جديدةٍ في قلبها. بدأت تتسرب الشكوك إلى روحها، تتكاثر كالنمل على فتات خبزٍ. لم تكن تتصور أن أحمد، الرجل الذي رأته في عينيها مثالاً للوفاء، يمكن أن يخذلها بهذه الطريقة. كانت تستيقظ كل صباحٍ على أملٍ تجده يتحول إلى خيبةٍ مع مرور الوقت.
تحدثت مع صديقتها المقربة، ليلى، في جلسةٍ خاصةٍ وهما تتناولان الشاي في حديقة المنزل. "لا أفهم ما يحدث يا ليلى،" قالت بصوتٍ متهدج. "أحمد اختفى تماماً. لا رسائل، لا مكالمات. وكأن الأرض ابتلعته."
أمسكت ليلى بيدها بحنان. "ربما لديه سببٌ وجيهٌ يا زينب. الرجال أحياناً ما يواجهون ضغوطاً في حياتهم لا يفصحون عنها."
"لكنّني أستحقّ أن أعرف،" قالت زينب بحرقة. "أنا لست مجرد عبءٍ يمكن التخلص منه. لقد وثقت به، ومنحته جزءاً من قلبي."
"أعلم ذلك يا عزيزتي. لكنّ الصبر مفتاح الفرج. لندعو الله أن يكشف لنا ما في الأمر."
كانت نصيحة ليلى منطقية، لكنّ قلب زينب لم يكن مستعداً لتقبلها. كان الشك قد بدأ يتغلغل في نفسها، يغذي مخاوفها. بدأت تفكر في كل الاحتمالات، في كل الأسباب التي قد تجعل أحمد يبتعد. هل وجد غيرها؟ هل تراجع عن قراره؟ هل كان كل ما حدث بينهما مجرد سوء فهم؟
في غضون ذلك، كان أحمد يصارع دوامةً لا تقلّ حدةً. كان يعيش حالةً من التمزق الداخلي. كلما أراد الاتصال بزينب، كان صوتٌ داخليٌّ يمنعه. كان يخشى أن يكشف لها عن الأسباب الحقيقية لغيابه، الأسباب التي تتعلق بدينٍ قديمٍ عليه، وبضغوطٍ ماليةٍ أدت به إلى التعامل مع أشخاصٍ لا يرغب في تذكير زينب بهم.
"كيف يمكنني أن أبدأ حياةً جديدةً معها وأنا غارقٌ في هذه المشاكل؟" كان يسأل نفسه. "زينب تستحق رجلاً كاملاً، رجلاً قوياً، لا رجلاً ضعيفاً يصارع ديونه."
كانت تلك الديون شبحاً يلاحقه منذ سنوات. ورثها عن أبيه، ولم يكن لديه خيارٌ سوى تسديدها. كان يعمل ليلاً ونهاراً، لكنّ حجم الديون كان أكبر من قدرته. وفي سبيل الحصول على المال، اضطر للتعامل مع أطرافٍ مشبوهةٍ، أشخاصٍ يمارسون الضغط والتهديد. لم يكن يريد لزينب أن ترى هذا الجانب المظلم من حياته.
في إحدى الأمسيات، تلقى أحمد مكالمةً هاتفيةً من أحد هؤلاء الأشخاص. كان صوته خشناً، ومليئاً بالتهديد. "أين المال يا أحمد؟ لقد وعدتنا، ولا وقت لدينا للانتظار. إذا لم تدفع، فسنضطر إلى اتخاذ إجراءاتٍ لن تعجبك."
أغلق أحمد الهاتف، وشعر بالدوار. كانت يداه ترتجفان. كان يعلم أن هؤلاء الأشخاص لا يتساهلون. كان يرى في وجه زينب براءةً صافية، وخشى أن يكون سبباً في إفساد هذه البراءة.
"يجب أن أجد حلاً،" قال بصوتٍ مرتجف. "يجب أن أجد المال. لكن كيف؟"
كانت زينب، في منزل أبيها، تحاول أن تستعيد إيقاع حياتها الطبيعي. كانت تساعد والدتها في أعمال المنزل، تقضي وقتاً مع إخوتها الصغار، لكنّ قلبها كان مشتتاً. كلما رأت أباً يداعب ابنته، أو زوجين يتحدثان بسعادة، كانت تشعر بوخزةٍ في قلبها.
كانت والدتها، السيدة فاطمة، تحاول أن تواسيها. "يا ابنتي، الحياة ليست دائماً كما نتمنى. أحياناً تتطلب منا الصبر والاحتساب. لا تيأسي."
"لكنّني أشعر بالوحدة يا أمي،" قالت زينب، والدموع تتجمع في عينيها. "أشعر وكأنني وحدي في هذا العالم. أحمد لم يترك لي مجالاً لأفهم، ليبرر."
"ربما لديه ما يمنعه يا ابنتي. ربما هو يمرّ بظروفٍ صعبة. الرجال أحياناً ما يكتمون همومهم."
"لكنّ الواجب يحتم عليه أن يخبرني، أن يطمئن قلبي."
"صحيحٌ أن الواجب يحتم ذلك، لكنّ الرجال أحياناً ما يتصرفون بطرقٍ غير متوقعة. ابنتي، لا تفتحي باباً للشيطان ليزرع الشك في قلبك. استغفري الله، وتوكّلي عليه."
كانت كلمات والدتها حكمةً، لكنّ الشكوك كانت قد بدأت تتسرب إلى روحها كالحشرات. لم تعد تستطيع رؤية أحمد كما كانت. بدأت تتساءل عن طبيعة العلاقة التي كانت بينهما. هل كانت حقاً واعدة؟ أم كانت مجرد وهمٍ جميلٍ سيتلاشى؟
في إحدى الليالي، تلقت زينب رسالةً نصيةً غامضةً على هاتفها. "توقفي عن الانتظار. لقد تخلى عنكِ. ابحثي عن سعادتكِ في مكانٍ آخر."
كانت الرسالة كالصاعقة. من يكون المرسل؟ ولماذا يريد أن يزرع الشك في قلبها؟ هل كان هناك من يريد أن يفرق بينها وبين أحمد؟ أم أن هذه الرسالة مجرد كذبةٍ أخرى؟
شعرت زينب ببرودةٍ تسري في عروقها. هل كان هذا تأكيداً لما كانت تخشاه؟ هل كان أحمد قد تخلى عنها فعلاً؟
هذه الرسالة، وهذا الصمت المطبق، كانا يمثلان فتنةً عظيمةً لروحها. لم تعد تعرف ماذا تصدق. هل تصدق كلمات الحب التي سمعتها منه؟ أم تصدق هذا الصمت المطبق والرسالة الغامضة؟
كانت تتساءل عن واجب أحمد. الواجب تجاهها، الواجب تجاه الله، الواجب تجاه سمعته. كان صراعه الداخلي أشبه بحربٍ ضروس. هو يرى في ابتعاده حمايةً لزينب من أسراره المظلمة، وهي ترى في صمته تخلياً عنها.
هل سيستمر هذا الصراع؟ هل ستنجح زينب في كشف الحقيقة؟ أم أن الشك سيزرع الشقاق بينهما إلى الأبد؟ كانت الأيام القادمة حبلى بالأحداث، وبالكشف عن خبايا النفوس.