الزوجة المختارة الجزء الثاني

قسوة الواقع ولحن الرحيل

بقلم فاطمة النجار

كانت الرسالة الغامضة التي وصلتها زينب تتردد في أرجاء عقلها كصدىً مرير. "توقفي عن الانتظار. لقد تخلى عنكِ." كانت الكلمات تغزل شبكةً من الألم حول قلبها. لم تعد تعرف ماذا تصدق. هل كان أحمد حقاً قد تخلى عنها؟ هل كانت أحلامها ببيتٍ هادئٍ مع رجلٍ صالحٍ مجرد سراب؟

في تلك الليلة، لم تستطع زينب النوم. استيقظت والدتها على صوت بكائها الخافت. جلست بجانبها، وعانقتها بحنان. "ما بك يا ابنتي؟" سألت والدتها بقلق. "هل هناك شيءٌ يزعجكِ؟"

ترددت زينب في البداية، ثمّ قررت أن تشاركها ما حدث. أظهرت لها الرسالة، والدموع تنهمر من عينيها. قرأت السيدة فاطمة الرسالة، وشحب وجهها. "هذه رسالةٌ خبيثة،" قالت بصوتٍ يرتجف. "من يقف وراءها يريد أن يزرع الفتنة بينكما."

"لكنّ الصمت يا أمي؟ صمت أحمد؟" قالت زينب، والحيرة تعتصرها. "لو كان يحبني، لقال لي شيئاً. لبرّر غيابه."

"أحياناً، يا ابنتي، يكون الصمت أبلغ من الكلام. ربما لديه ما يخشى أن يقوله. ربما يمرّ بظروفٍ لا يستطيع البوح بها. الرجال أحياناً ما يتسترون على مشاكلهم خشيةً على من يحبون."

"لكنّ هذا مؤلمٌ يا أمي. أشعر وكأنني أقف في مهب الريح، لا أعرف إلى أين أتجه."

"يا ابنتي، لا تدعي اليأس يتسلط على قلبك. توكّلي على الله، واصبري. ربما يكون هذا اختباراً من الله لكما."

كانت كلمات والدتها بلسم شفاءٍ، لكنّ جرح الشك كان قد بدأ يتسع. بدأت زينب ترى في كل شيءٍ حولها دليلاً على خيانة أحمد. صوتٌ خبيثٌ بدأ يهمس في أذنها، يدفعها نحو التخلي عن أملها.

في هذه الأثناء، كان أحمد يشعر بضغوطٍ متزايدة. لم يكن المال الذي وعد به قد وصل بعد. وكان الأشخاص الذين يتعامل معهم يزدادون شراسةً. كان يرى في زينب ملاذه، ملاذه من هذا العالم المظلم. لكنّه كان يخشى أن يجلب لها المتاعب، أن يفسد حياتها الجميلة.

تلقى أحمد اتصالاً هاتفياً من محاميه. "سيدي، لقد تمّ رفع دعوى قضائية ضدك. إن لم تسدد المبلغ المستحق قبل نهاية هذا الشهر، فسيتمّ الاستيلاء على ممتلكاتك."

شعر أحمد بالصدمة. لم يكن يتوقع هذا التسارع. لقد أغلقت أمامه كل الأبواب. كان يرى في وجه زينب الملاك البريء، ويشعر بمسؤوليةٍ كبرى تجاهها. كيف يمكنه أن يبدأ حياته معها وهو غارقٌ في مشاكل لا تنتهي؟

"يجب أن أجد حلاً،" قال لنفسه. "حتى لو اضطررت إلى فعل ما لا أحب."

كانت هذه هي اللحظة التي شعر فيها أحمد باليأس. كان يشعر بأن كل شيءٍ ينهار من حوله. كان يعلم أن الوقت يداهمه، وأن عليه اتخاذ قرارٍ مصيري.

في بيت الأب، كانت زينب تحاول أن تعيش حياتها بشكلٍ طبيعي. لكنّ حزنها كان يظهر على ملامحها. كان والدها، السيد أحمد، يلاحظ هذا الحزن. في إحدى الليالي، جلس معها.

"ما الذي يشغل بالك يا ابنتي؟" سأل بحنان. "أرى في عينيكِ هموماً كثيرة."

ترددت زينب في البداية، ثمّ تحدثت عن اختفاء أحمد، وعن الرسالة الغامضة. استمع إليها والدها بصبر، ثمّ قال: "يا ابنتي، أعرف أحمد جيداً. أعرف معدنه الأصيل. إنه شابٌ قويٌ، ومحترمٌ. لا أظن أنه يمكن أن يتخلى عنكِ بهذه السهولة. ربما هناك أسبابٌ قاهرةٌ تمنعه من التواصل معكِ."

"ولكنّني أشعر بالوحدة يا أبي. أشعر وكأنني أعيش في عالمٍ من الشك."

"الحياة يا ابنتي، ليست كلها فرحاً وسروراً. أحياناً تأتينا اختباراتٌ تقوي إيماننا، وتزيد من حكمتنا. لا تستسلمي لليأس. استمري في الدعاء، وفي الثقة بالله. وكل شيءٍ سيتضح في وقته."

كانت كلمات والدها مطمئنة، لكنّ قلب زينب كان مثقلاً. كانت تتمنى لو أن أحمد كان بجانبها، ليشرح لها، ليطمئنها.

في إحدى الأمسيات، بينما كانت زينب جالسةً في غرفتها، سمعت صوت سيارةٍ تتوقف أمام المنزل. كان قلبها يخفق بسرعة. هل يكون أحمد؟

نظرت من النافذة، ورأت سيارةً فارهةً تتوقف. نزل منها رجلٌ بملابس أنيقة، وكان يبدو عليه الثراء. لم يكن أحمد.

خرجت زينب من غرفتها، وتوجهت نحو والدتها. "من هذا يا أمي؟" سألت بفضول.

"لا أدري يا ابنتي. ربما هو زائرٌ لوالدك."

اقترب الزائر من والد زينب، وتبادلا حديثاً هامساً. ثمّ التفت الرجل نحو زينب. ابتسم ابتسامةً واسعة، وقال: "مساء الخير يا آنسة زينب. اسمي السيد خالد. لقد سمعت الكثير عنكِ."

شعرت زينب بالارتباك. لم تعرف كيف ترد.

ابتسم والدها وقال: "هذا السيد خالد، رجل أعمالٍ معروف. لديه بعض الأعمال التي يريد أن يناقشها معي."

كان السيد خالد ينظر إلى زينب بنظرةٍ غريبة، نظرةٍ لم تفهمها. كانت نظرةً فيها إعجابٌ، وفيها شيءٌ من الإصرار.

"لقد سمعت أنكِ ابنة السيد أحمد. وأنا معجبٌ بكِ جداً. وأتمنى أن ألتقي بكِ مرةً أخرى، لنتحدث أكثر."

شعر قلب زينب بالضيق. لم تكن ترغب في هذا اللقاء. كان تفكيرها كله مع أحمد، مع غيابه، مع الشكوك التي تحيط به.

بعد أن انصرف السيد خالد، قالت والدة زينب: "يبدو أن هذا الرجل معجبٌ بكِ يا ابنتي. قد يكون فرصةً جديدةً لكِ."

"لا يا أمي،" قالت زينب بحزم. "قلبي مع أحمد. مهما حدث."

لكنّ الحقيقة كانت أكثر قسوة. لقد وصل أحمد إلى مفترق طرقٍ حاسم. لم يعد لديه خيارٌ سوى اتخاذ قرارٍ مصيري. قرارٌ قد يغير مجرى حياته، ومجرى حياة زينب. هل سيتمكن من التغلب على مشاكله؟ أم ستأخذه قسوة الواقع بعيداً عنها، نحو لحن الرحيل؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%