الزوجة المختارة الجزء الثاني
مفاجأة القدر وشبح الماضي
بقلم فاطمة النجار
كان حضور السيد خالد المفاجئ كعاصفةٍ ضربت سكون بيت الأب. زينب، التي كانت غارقةً في همومها، وجدت نفسها أمام شخصٍ غريبٍ يبدي اهتماماً بها. لم يكن اهتمام السيد خالد عادياً، بل كان محمّلاً بنظراتٍ تحمل وعداً وحزماً في آنٍ واحد. كانت عيناه تتفحصانها وكأنه يرى فيها صفقةً رابحة، أو هدفاً يجب تحقيقه.
"من هذا الرجل؟" تساءلت زينب في نفسها، وهي تحاول أن تخفي ارتباكها. لم تكن تعرف كيف تتعامل مع هذا الموقف. كان تفكيرها كله منصباً على أحمد، على غيابه غير المبرر، وعلى الرسالة التي مزقت قلبها.
أما والد زينب، السيد أحمد، فقد كان يتعامل مع السيد خالد بكل احترامٍ واجبٍ لرجلٍ أعمالٍ له سمعته. لكنّه لم يكن غافلاً عن نظرات خالد المتفحصة تجاه ابنته. كان يشعر بشيءٍ من القلق، لكنّه آثر ألا يظهر ذلك، واكتفى بالتركيز على أمور العمل.
بعد انصراف السيد خالد، جلست زينب مع والدتها. "يا أمي، هذا الرجل غريب. أشعر بأنه يخفي شيئاً."
"لست أدري يا ابنتي. ربما هو مجرد رجلٍ يعجب بجمالك، ويحترم عائلتك. فلا تبالغي في التفكير."
"لكنّني لا أريده يا أمي. قلبي متعلقٌ بأحمد."
"وأنا أعرف ذلك يا عزيزتي. لكنّ الأقدار قد تأتينا بما لا نتوقع. علينا أن نكون مستعدين لكل شيء."
كانت والدة زينب، بخبرتها في الحياة، تحاول أن تعدّ ابنتها للمستقبل، أيّاً كان. لكنّ زينب كانت متمسكةً بأملها في أحمد.
في هذه الأثناء، كان أحمد يمرّ بلحظاتٍ عصيبة. لقد حان الموعد النهائي لسداد ديونه، ولم يكن لديه المال اللازم. لقد استنفد كل محاولاته، كل الطرق التي يعرفها. كان يشعر بأن نهايته تقترب.
في يأسٍ شديد، اتصل بشخصٍ كان قد تجنب التعامل معه طويلاً. رجلٌ كان له تاريخٌ مشبوه، وكان يعمل في مجالٍ غير قانوني. لم يكن لدى أحمد خيارٌ آخر.
"أنا بحاجةٍ إلى مساعدتك،" قال أحمد لصاحبه. "أنا في ورطةٍ كبيرة. أحتاج إلى مبلغٍ كبيرٍ من المال، وفي أسرع وقتٍ ممكن."
وافق الرجل، لكنّ طلبه كان غريباً. "سأعطيك المال، لكنّني أريد منك خدمةً في المقابل. خدمةٌ تتطلب منك بعض المخاطرة."
شعر أحمد بالخوف، لكنّه لم يكن لديه ما يخسره. "ما هي الخدمة؟"
"سأشرح لك كل شيءٍ لاحقاً. المهم الآن أن أثق بك."
كان هذا القرار بمثابة بدايةٍ جديدةٍ لمشاكل أحمد. لقد تورط مع عالمٍ لم يكن يرغب فيه أبداً. كان يفعل كل ذلك من أجل أن يستعيد حياته، ومن أجل أن يستطيع الارتباط بزينب، لكنّ الثمن كان باهظاً.
في بيت الأب، وبينما كانت زينب تحاول أن تتجاوز محنتها، حدث أمرٌ غير متوقع. وصلتها مكالمةٌ هاتفيةٌ من رقمٍ غريب. ترددت في الرد، ثمّ قررت أن تفعل.
"مرحباً؟" قالت بصوتٍ خافت.
"زينب؟" كان الصوت رجولياً، مألوفاً.
"من أنت؟"
"أنا... أنا والد أحمد."
شعر قلب زينب بالارتعاش. والد أحمد؟ لم تقابله من قبل.
"أهلاً بك يا سيدي،" قالت، وقد شعرت بالحيرة.
"ابني أحمد... إنه في ورطةٍ كبيرة. أحتاج لمساعدتك."
"ورطة؟ ما هي الورطة؟"
"إنها قصةٌ طويلةٌ ومعقدة. لكنّني أحتاج منكِ أن تكوني قويةً. أن تثقي بأحمد، حتى لو بدا لكِ أنه تخلى عنكِ."
"لكنّني... لم أعد أفهم شيئاً."
"لا وقت للشرح الآن. أريد منكِ أن تأتي إلى هذا العنوان، في أقرب وقتٍ ممكن. أحتاج لمقابلتك."
أعطى والد أحمد عنواناً، ثمّ أغلق الهاتف.
شعرت زينب بالخوف الشديد. ما الذي يحدث؟ ولماذا يطلب والد أحمد مقابلتها؟ هل له علاقةٌ بغياب أحمد؟
بعد تفكيرٍ قصير، قررت أن تذهب. كانت بحاجةٍ إلى معرفة الحقيقة، مهما كانت قاسية. أخبرت والدتها بأنها ستذهب في زيارةٍ لصديقتها، وحذرتها من القلق.
توجهت زينب إلى العنوان الذي أعطاه إياها والد أحمد. كان العنوان لمنطقةٍ تبدو راقية، لكنّ الشوارع كانت هادئةً جداً. وصلت إلى فيلا كبيرة، يبدو عليها الفخامة، لكنّها مهجورةٌ بعض الشيء.
طرقت الباب. فتحت لها سيدةٌ كبيرةٌ في السن، تبدو عليها علامات الحزن.
"هل أنتِ زينب؟" سألت السيدة بصوتٍ ضعيف.
"نعم."
"تفضلي بالدخول. أحمد ينتظركِ."
دخلت زينب، وقلبها ينبض بقوة. رأته في غرفةٍ واسعة، يجلس على أريكةٍ قديمة. كان أحمد. لكنّه لم يكن أحمد الذي عرفته. كان شاحباً، منهكاً، وعيناه تحملان حزناً عميقاً.
"أحمد؟" قالت بصوتٍ مرتجف.
نظر إليها، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ باهتة. "لقد جئتِ."
"ماذا يحدث يا أحمد؟ لماذا اختفيت؟"
"هناك أشياءٌ كثيرةٌ أريد أن أخبركِ بها، زينب. أشياءٌ صعبة."
"ولماذا لم تخبرني؟ لماذا تركتني هكذا؟"
"كنت أخشى،" قال أحمد، وعيناه تتجهان إلى الأرض. "كنت أخشى أن أدمر حياتكِ. أن أجلب لكِ المتاعب."
"لكنّك جلبتِ لي المتاعب بصمتك، أحمد. جلبتِ لي الشكوك والألم."
"أعلم. وأنا أعتذر. لقد كنتُ غبياً. لكنّ الآن، يجب أن تعرفي الحقيقة."
بدأ أحمد يتحدث. بدأ يكشف لزينب عن شبح ماضيه، عن الديون، عن الأشخاص الذين يتعامل معهم. كانت زينب تستمع إليه بصدمةٍ، وبقلبٍ ينفطر. لم تتخيل أن يكون ماضي أحمد بهذه القسوة.
"لم يكن لدي خيارٌ آخر،" قال أحمد، والدموع تتجمع في عينيه. "كنتُ أحاول أن أحمي نفسي، وأحاول أن أحميكِ."
"لكنّك لم تحميني، أحمد. لقد تركتني وحدي."
"أعلم. والآن، يجب أن أواجه كل شيء. يجب أن أدفع ثمن أخطائي."
لم تكن زينب تعرف ماذا تقول. لقد كان الموقف أكبر منها. لم تكن تتخيل أن يصل أحمد إلى هذا الحد.
"هل هناك أي أمل؟" سألت بصوتٍ مكسور.
"لا أدري. كل شيءٍ يبدو مظلماً الآن."
"لكنّني معك، أحمد،" قالت زينب، على الرغم من كل شيء. "لن أتركك وحدك."
نظر إليها أحمد، ورأى في عينيها الصدق، والحب، والتضحية. كانت زينب حقاً، كما ظنّ، ملاكاً.
في تلك اللحظة، شعرت زينب بأنها تقف أمام مفترق طرقٍ آخر. هل تستطيع هذه العلاقة أن تتجاوز هذا الشبح؟ هل يمكن لأحمد أن ينقذ نفسه، وينقذ حبهما؟