الزوجة المختارة الجزء الثاني
نسائم الشك وزهور الوعد
بقلم فاطمة النجار
كانت الأيام تمضي على "لميس" كغيومٍ عابرة، تحمل معها زخاتٍ من السعادة وأخرى من الترقب. فبعد لقائها الأول مع "مالك" في ضيافة عائلته، شعرت بأن بينهما جسراً خفياً قد بُني، جسراً يتسع مع كل كلمةٍ صادقة، وكل نظرةٍ حانية. لكن القلب، وإن طار بجناح الأمل، يبقى أحياناً رهينَ همسات الشك التي تُلقيها الرياح.
في أحد الأيام، وبينما كانت "لميس" تتحدث مع والدتها، السيدة "نورة"، حول تفاصيل زواج صديقتها المقربة، قالت بابتسامةٍ متعبة: "يا أمي، أخشى أن يكون الطريق إلى قلبه أطول مما أظن. لقد رأيت في عينيه شيئاً… شيءٌ لا أستطيع وصفه. هل تظنين أنه لم ينسَ بعد؟"
نظرت السيدة "نورة" إليها بحنانٍ، وقبضت على يدها الدافئة: "يا ابنتي، لكل إنسانٍ في حياته تجارب. ولكن الجميل هو أن يبحث عن حياةٍ جديدةٍ أفضل. مالك شابٌ طيبٌ، وقد رأيت فيه الصلاح والرجولة. لا تدعي الوساوس تطفو على سطح قلبك. ثقي بالله، وثقي بنفسك. الزواج ميثاقٌ غليظ، يبنيه الحب والاحترام مع مرور الأيام."
أومأت "لميس" برأسها، لكن في أعماقها، كانت تتذكر تلك المرة التي لمح فيها "مالك" صورةً قديمةً لها، كانت معلقةً على أحد جدران منزل عمه، صورةٌ التقطت لها في أيام شبابها الأولى، قبل أن تعرف معنى الحياة الحقيقي. رأى فيها ابتسامةً بريئة، ولكنها كانت ابتسامةٌ لا تشبه ابتسامة المرأة التي تعيش قصة حبٍ جادة. هل كانت تلك الابتسامة دليلَ له على شيءٍ آخر؟
على الجانب الآخر، كان "مالك" يشعر بقلبه يتأرجح بين مشاعر متناقضة. كانت "لميس" تمثل له نوراً في طريقٍ بدا مظلماً يوماً. لكنه كان يتذكر دائماً تلك العلاقة التي لم تكتمل، تلك التي تركته يحمل ندوباً عميقة. كان يحترم "لميس" ويقدرها، وكان يشعر بانجذابٍ حقيقي إليها. لكنه كان يخاف، يخاف من أن يكرر أخطاء الماضي، وأن يجلب إلى حياته أو حياة "لميس" المزيد من الألم.
في إحدى الأمسيات، وبينما كان "مالك" يتحدث مع صديقه المقرب "أحمد"، سأله "أحمد" بجدية: "مالك، أرى في عينيك شيئاً يقلقني. هل الأمور تسير على ما يرام مع 'لميس'؟ أنت تعلم أن هذه الخطوة مهمة."
تنهد "مالك" بعمق: "أحمد، 'لميس' إنسانةٌ رائعة. طيبة، ومحترمة، ولها مكانةٌ عاليةٌ في قلبي. ولكن… ولكنني ما زلت أشعر بأن هناك ظلالاً من الماضي تخيم على تفكيري. أخشى أن أكون قد آذيتُ قلباً طيباً في حياتي السابقة، وهذا يلقي بظلاله على رغبتي في بدايةٍ جديدة."
"وما الذي تخشاه بالضبط؟" سأل "أحمد" بفضول. "هل هناك شيءٌ محددٌ في الماضي يشغل بالك؟"
تردد "مالك" قليلاً، ثم قال بصوتٍ خافت: "لقد وعدتُ شخصاً ما. وعدٌ لم أستطع الوفاء به. والآن، أشعر بأنني أقف أمام مفترق طرق. هل يمكنني حقاً أن أبني حياةً جديدةً مع 'لميس' بينما أحمل في قلبي هذا الوعد الذي لم يتحقق؟"
شعر "أحمد" بتعاطفٍ شديدٍ مع صديقه. لقد عرف "مالك" لسنوات، وكان يعلم مدى صدقه وإخلاصه. قال: "يا مالك، الوعد شيءٌ ثمين، ولكن الحياة تسير، وتتغير الظروف. ربما حان الوقت لأن تواجه ذلك الوعد، وأن تجد طريقةً للوفاء به، أو ربما للتسامح عنه، إن كان ذلك ممكناً. ولكن لا تدع هذا الوعد يمنعك من بناء سعادةٍ حقيقيةٍ أمام عينيك."
في هذه الأثناء، كانت "لميس" قد قررت أن تخطو خطوةً جريئة. أرادت أن تعرف المزيد عن "مالك"، عن عالمه، عن أحلامه، وعن مخاوفه. طلبت من والدتها أن تدعوها لتناول العشاء مع عائلة "مالك" مجدداً، على أمل أن تحصل على فرصةٍ للتحدث معه على انفراد.
عندما وصلت "لميس" إلى منزل عائلة "مالك"، استقبلتها والدته، السيدة "فاطمة"، بحرارةٍ شديدة. كانت "لميس" تشعر ببعض التوتر، ولكن ابتسامة السيدة "فاطمة" الهادئة كانت تبعث الطمأنينة في قلبها. جلست "لميس" بجوارها، وبدأت في طرح أسئلةٍ عامةٍ حول اهتماماتها، وكيف قضت وقتها في تربية "مالك".
"لقد كان 'مالك' طفلاً ذكياً وهادئاً،" قالت السيدة "فاطمة" وعيناها تلمعان بالفخر. "كان دائماً يحب القراءة، وكان لديه شغفٌ كبيرٌ بالعلوم. لم يكن يسبب لنا أي مشاكل، ولكن في فترةٍ معينةٍ من حياته، رأيتُ فيه بعض الحزن. كنتُ أتساءل دائماً ما الذي يشغله."
شعرت "لميس" بأن هذه الجملة مفتاحٌ لما يدور في ذهن "مالك". فسألت بتردد: "هل تتحدثين عن فترةٍ معينة؟ هل مر بتجربةٍ صعبة؟"
ابتسمت السيدة "فاطمة" ابتسامةً تحمل بين طياتها الكثير من الحكمة: "يا ابنتي، كل إنسانٍ يمر بمنعطفاتٍ في حياته. 'مالك' شابٌ حساسٌ، وقد تحمل في قلبه شيئاً ثقيلاً. ولكنني أرى فيه اليوم بصيص أمل. أرى فيه رغبةً حقيقيةً في بدايةٍ جديدة. أظن أنه بحاجةٍ إلى شخصٍ يفهمه، ويدعمه."
في تلك اللحظة، رأى "مالك" "لميس" تتحدث مع والدته، ورأى الابتسامة المتبادلة بينهما، وشعر بشيءٍ من الراحة. ثم لمح "لميس" تبدو وكأنها تبحث عن شيءٍ ما. استغل "مالك" انشغال والدته في المطبخ، واقترب منها بهدوء.
"هل أنتِ بخير يا 'لميس'؟" سأل بصوتٍ هادئ.
نظرت إليه "لميس" ببعض المفاجأة، ثم ابتسمت: "نعم، الحمد لله. كنتُ أستمع إلى حديث والدتك عنك. إنها تحبك كثيراً."
"وهي تحبكِ أيضاً," قال "مالك"، ونظر في عينيها بعمق. "ما الذي يدور في ذهنكِ؟"
شعرت "لميس" بأن هذه هي اللحظة المناسبة. "يا 'مالك'، أريد أن أفهمك. وأريد أن تكون بيننا شفافيةٌ كاملة. هل هناك شيءٌ يزعجك؟ شيءٌ يمنعك من أن تكون سعيداً بالكامل؟"
تأمل "مالك" كلماتها، وشعر بأنها تلامس وتراً حساساً. رأى في عينيها الصدق والرغبة في الاستماع. بدأ يتحدث، وبدأت الكلمات تتدفق من أعماقه، يكشف لها عن وعدٍ قديم، عن خيبة أملٍ، وعن الخوف الذي يكتنفه. لم يكن يعلم كيف ستكون ردة فعلها، ولكن قلبه كان يرجو أن يفهم.
كانت "لميس" تستمع بإنصاتٍ تام، وعيناها تعكسان تفهماً عميقاً. شعرت بأنها تفهم "مالك" أكثر من أي وقتٍ مضى. لم تكن كلمات "مالك" مجرد اعتراف، بل كانت دعوةً لبناء الثقة، ولفتح صفحةٍ جديدةٍ من حياتهما.
عندما انتهى "مالك" من حديثه، خيم صمتٌ قصيرٌ، صمتٌ مليءٌ بالترقب. ثم قالت "لميس" بصوتٍ هادئٍ وثابت: "يا 'مالك'، كل إنسانٍ لديه قصصه، ولديه ذكرياته. المهم هو كيف نتعامل معها، وكيف نسمح لها بأن تؤثر في مستقبلنا. إذا كنتَ صادقاً في رغبتك، فأنا على استعدادٍ لأن أكون معك، خطوةً بخطوة، لنبني مستقبلاً مشرقاً، مليئاً بالحب والتقدير. أنا لا أسعى إلى الكمال، بل أسعى إلى رجلٍ صادقٍ، يمكنني أن أشاركه حياتي."
نظرت "لميس" في عينيه، وشعرت بأن الشكوك التي كانت تراودها بدأت تتلاشى، لتحل محلها زهورٌ صغيرةٌ من الأمل، بدأت تنمو في تربة الثقة الجديدة. بينما كان "مالك"، في تلك اللحظة، يشعر بأن عبئاً ثقيلاً قد انزاح عن كاهله. رأى في "لميس" ليس مجرد شريكةٍ محتملة، بل روحاً كريمة، وقلباً رحيماً، يمكن أن يكون ملاذه الآمن.
كانت تلك الأمسية بدايةً لتغييرٍ عميقٍ في علاقتهما. لم تختفِ كل المخاوف دفعةً واحدة، لكن نور الأمل قد بدأ يسطع بقوةٍ أكبر، وبدأت نسائم الشك تتبدد أمام رياح اليقين.