أنت ملاكي الجزء الثالث
صخبٌ في جنبات الروح
بقلم مريم الحسن
كانت رائحة البخور العتيق، الممزوجة بعطر الياسمين المتسرب من نوافذ القصر العتيق، تعبق أرجاء الغرفة، كأنها ترحّب بالعائد بعد غربة. فيصل، بشعره الأسود الفاحم الذي تلألأ فيه خصلتان بيضاوان عند الصدغين، وقف أمام المرآة، يتفحّص انعكاسه. لم يكن ذاك الشاب المتهور الذي غادر قبل سنوات، بل رجلٌ تكسو وجهه حكمةٌ اكتسبها بصعوبة، ونظرةٌ في عينيه تحمل ثقل تجارب لم يرغب في البوح بها. لفّ عمامته البيضاء بعناية، وأسدل ثوبه الأسود المطرز بخيوط ذهبية، كأنما يستعد لمواجهةٍ ما.
"قاسم، هل انتهى تجهيز الخيل؟" سأل بصوتٍ عميق، تخترقه نبرةٌ من الاستعجال.
تقدم قاسم، خادمه الأمين منذ نعومة أظافره، ووقف أمامه باحترام. "نعم يا سيدي، كل شيء على أتم استعداد. الجواد الأشقر ينتظر في الساحة. هل أنت متأكدٌ من قرارك؟ أهل القرية يتهامسون منذ أن علموا برجوعكم."
استدار فيصل، وقسمات وجهه الجامدة بدأت تلين قليلاً. "التهامسات لا تهمّني يا قاسم. ما يهمني هو أن أرى وجوههم، وأن أستعيد ما سُلب مني." وقف، ومدّ يده إلى سيفه المعلق على الجدار، سيفٌ يعود لأسلافه، يتوارثونه جيلاً بعد جيل. قبضة السيف المصنوعة من العاج المنحوت، والتي تحمل نقوشاً لأسودٍ مفترسة، بدت دافئة في يده.
"ولكن يا سيدي، الغياب الطويل قد يغير الكثير. القرية لم تعد كما تركتها." حاول قاسم أن ينبهه.
ابتسم فيصل ابتسامةً باهتة. "وهل تظن أن الزمن يغيّر الروح يا قاسم؟ قد يغيّر الملامح، وقد يضعف العزائم، لكن الجذور تبقى. وجذوري في هذه الأرض، وفي هذه القرية، أقوى من أي تغيير."
خرج من الغرفة، وخطواته ثابتة على البلاط الرخامي البارد. ممرات القصر الشاسعة، التي شهدت طفولته وصِباه، بدت غريبةً بعض الشيء، وكأنها متحفٌ للذكريات، لا بيتٌ له. كل زاوية، كل نقشٍ على الجدران، كان يروي قصةً، بعضها مؤلم، وبعضها الآخر يتوق إلى استعادته.
وصل إلى الساحة الخارجية. هواء المساء النقي، الذي حمل معه نسماتٍ لطيفة من الصحراء، لفّ جسده. الجواد الأشقر، الذي بدا كأنه شعلةٌ مصغرة تحت ضوء القمر المتسلل، كان يصهل بتوق. مدّ فيصل يده، فوضع الجواد رأسه على ساعده، كأنما يعرف صاحبه.
"هل أخبرت أحدًا بقدومي؟" سأل وهو يربّت على عنق الجواد.
"لا يا سيدي. أردت أن يكون الأمر مفاجأة."
"جيد." صعد فيصل على ظهر الجواد بسهولة. حرك زمامه، وانطلق به نحو بوابة القصر. بوابتان خشبيتان عملاقتان، تزينهما نقوشٌ معدنية، فتحتا أمامه بصوتٍ أجش، كأنهما تفتحان بوابات الزمان.
كانت القرية تقع على بعد أميالٍ قليلة، محاطةً ببساتين النخيل، وتشعّ منها أضواءٌ خافتة، كأنها نجومٌ استقرت على الأرض. عندما اقترب، بدأت أصواتٌ خافتة تصل إليه، ضحكات أطفال، وزقزقة طيورٍ لم تسمعها أذناه منذ زمن. شعر بقلبه ينتفض، مزيجٌ من الفرح والقلق.
وقف على تلٍّ صغير يطلّ على القرية، يراقبها بصمت. منازل الطين البيضاء، تتداخل مع بعضها البعض، يعلوها بعضها، ويفصل بينها الأزقة الضيقة. كان يعرف كل حجرٍ فيها، كل شجرةٍ، وكل زاوية. كان هناك، في تلك القرية، حيث بدأت قصته، وحيث انتهت.
تذكر وجهها. ابتسامتها التي كانت تشرق كشمس الصباح، عيناها التي تحملان بريق الأرض وصدق السماء. سارة. اسمٌ أصبح كالندبة في روحه. هي السبب، وهي الوجهة.
"لا زلتِ كما تركتكِ، يا قريتي." همس فيصل، وشعر بأن عضلات وجهه المشدودة ترتخي قليلاً. "ولكن هل أنتِ كما تركتكِ؟"
واصل مسيره، وأخذ يقطع المسافة الفاصلة بينه وبين القرية. مع كل خطوةٍ يقطعها الجواد، كان يشعر بأن شيئاً ما بداخله يعود إلى الحياة. الذكريات، والأمل، والوعد الذي قطعه على نفسه.
عندما دخل حدود القرية، لاحظ أن الصمت قد خيّم عليها. كان وقت العشاء، وكان من المتوقع أن تكون البيوت تعجّ بالحياة. لكن لم يكن هناك سوى أضواءٍ خافتة، وحركةٌ بطيئة. وصل إلى ميدان القرية الرئيسي، حيث كانت شجرة التوت العملاقة، شاهدةً على أحاديث الأجداد. لم يكن هناك أحد.
أوقف الجواد، ونزل عنه. وقف في وسط الميدان، يشعر بأن صدى خطواته يتردد في الفراغ. سمع صوتاً قادماً من أحد المنازل. صوتٌ أنثوي، حزين، يغني أغنيةً قديمة. أغنيةٌ عن الفقد، وعن الغياب.
"من هذا؟" ارتفع صوتٌ أجش من خلف أحد الأبواب.
تجمد فيصل في مكانه. لم يكن يتوقع هذه المواجهة بهذا الشكل. لكن لم يكن لديه وقتٌ للتردد.
"أنا فيصل." نطق باسمه، بصوتٍ بدا له قوياً وثابتاً. "ابن الشيخ حمدان. لقد عدت."
تلاشت الأغنية. ساد صمتٌ أشدّ وطأة. ثم، فتح الباب ببطء. رجلٌ طويل القامة، نحيل، ذو لحيةٍ بيضاء مشيبة، وقف في المدخل. عيناه، اللتان كانتا تحملان وهجاً من الدهشة، ثم الاستنكار، ثم شيئاً آخر لم يستطع فيصل فهمه، حدّقتا فيه.
"فيصل؟" تمتم الرجل، وكأنه لا يصدق ما يراه. "بالله عليك، أأنت هو؟"
"أنا هو." قال فيصل، وشعر بأن قلبه يدقّ بقوة. "وجئت لأستعيد ما يخصني."
اتسعت عينا الرجل. "ما يخصك؟ يا بني، لقد تغير كل شيء. القرية لم تعد ملكك. والشيخ لم يعد يحكمها."
ارتسمت علامات الاستغراب والتعجب على وجه فيصل. "كيف ذلك؟ ومن يحكمها إذاً؟"
"الشيخ سالم." أجاب الرجل، وارتعشت شفتاه. "وقد استولى على كل شيء بعد رحيلك. لم يترك لنا شيئاً."
شعر فيصل ببرودةٍ تسري في عروقه. لم يكن يتوقع كل هذا. لقد عاد لاستعادة حقّه، لكنه وجد أن الأمر أكثر تعقيداً مما كان يتصور.
"الشيخ سالم؟" كرر الاسم، وشعر بأن الأرض تدور به. "ولكنه كان صديق والدي."
"الصداقة لا تبقى في وجه الجشع والطمع يا بني." قال الرجل، وعيناه اتجهتا نحو السماء. "لقد تركتنا وحدنا، والذئاب افترستنا."
نظر فيصل حوله. لم يعد يرى الأضواء الخافتة، بل رأى ظلالاً طويلة، وظلاماً يلتف حول القرية. لم يكن عائداً إلى موطنه، بل إلى ساحة معركة. وكم كانت ساحة المعركة هذه، أكبر وأشدّ وطأةً مما تخيل.
"وماذا عن سارة؟" سأل فيصل، وشعر بأن صوته يخرج بصعوبة. "هل هي بخير؟"
تنهد الرجل، وبدا وكأن حملاً ثقيلاً يقع على كتفيه. "سارة؟ سارة... سارة تعاني يا بني. منذ رحيلك، وحياتها أصبحت جحيماً. الشيخ سالم... له مطامع بها."
ارتعش جسد فيصل. مطامع؟ هو يعرف تماماً ما هي مطامع الشيخ سالم. لقد كانت سارة هي الشرارة التي أشعلت فتيل رحيله، وها هي تعود لتكون سبب معركته الجديدة.
"لن أسمح له بذلك." قال فيصل، وارتفعت نبرة صوته، تحمل حدةً لم يسمعها أحدٌ من قبل. "لن أسمح له أبداً بأن يمسّ شعرةً واحدةً منها."
نظر إلى الرجل، وابتسم ابتسامةً لم تكن تحمل أي ودٍ أو مرح. "جهز لي سكّيناً يا عم. وأخبر كل من يستطيع حمل السلاح أن فيصل قد عاد. وأن المعركة قد بدأت."
لم يكن يتخيل فيصل أبداً أن عودته ستكون بهذه القسوة. لقد عاد ليجد وطنه غريباً، وأحبائه في خطر. لكن في الوقت نفسه، شعر بأن قوةً جديدة تتجذر في روحه. قوةٌ لم يكن يعرف بوجودها. قوةٌ مستعدةٌ لمواجهة أي شيء، من أجل استعادة ما يخصه، ومن أجل حماية من يحب. ```